ads
الأحد 19 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

محطات في مسيرة امرأة مصرية قديرة: استعراض شامل لحياة الدكتورة ميرفت التلاوي

الدكتورة ميرفت التلاوي
الدكتورة ميرفت التلاوي

تعد الدكتورة ميرفت التلاوي واحدة من أبرز الشخصيات النسائية التي شكلت وجدان العمل الدبلوماسي والاجتماعي في مصر خلال العقود الماضية، فهي ليست مجرد دبلوماسية بارزة، بل هي قامة وطنية متعددة الأبعاد شغلت مناصب رفيعة المستوى على الصعيدين المحلي والدولي، مقدمة نموذجاً فريداً في التفاني والإخلاص لخدمة قضايا وطنها والمجتمع الدولي.

نشأت التلاوي في كنف بيئة ريفية أصيلة بقرية بني محمد سلطان في محافظة المنيا، وهي البدايات التي شكلت صلابة شخصيتها ووعيها المبكر، لتنتقل بعدها إلى عالم الدراسات العليا والعمل العام، متسلحة بتعليم أكاديمي رصين من كبرى الجامعات، مما أهلها لتكون صوتاً مؤثراً في المحافل الدبلوماسية العالمية والمؤسسات التنفيذية الكبرى.

مسيرة علمية رصينة وأسس أكاديمية قوية

بدأت ميرفت التلاوي مسيرتها العلمية المتميزة بتخرجها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1961، ولم تتوقف طموحاتها عند هذا الحد، بل واصلت رحلتها الأكاديمية بحصولها على شهادة الدبلوماسية الدولية من معهد الدراسات الاستراتيجية بالقاهرة عام 1963، لتتوج هذه المسيرة الأكاديمية بحصولها على درجة الدكتوراه المرموقة من معهد الدراسات العليا الدولية في جنيف عام 1977.

لم تكن هذه الدرجات العلمية مجرد أوراق، بل كانت الأساس المتين الذي بنيت عليه سيرتها المهنية الممتدة، حيث جمعت بين المعرفة النظرية العميقة والممارسة العملية الميدانية في أروقة الخارجية المصرية والمنظمات الدولية، مما منحها رؤية استراتيجية ثاقبة مكنتها من إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأكثر تعقيداً بنجاح لافت.

عملت ميرفت التلاوي في وزارة الخارجية المصرية منذ عام 1962، حيث تدرجت في المناصب الدبلوماسية لتصبح أول سيدة من السلك الدبلوماسي المصري تنال لقب ودرجة "سفير ممتاز" عام 1987، وهو إنجاز تاريخي فتح الأبواب أمام المرأة المصرية لتولي أعلى المناصب السيادية في الدولة، مؤكدة أن الكفاءة والتميز هما المعيار الحقيقي للنجاح.

تولت التلاوي رئاسة وفد مصر في المفاوضات متعددة الأطراف حول التعاون الاقتصادي الإقليمي، كما مثلت مصر كسفيرة في النمسا واليابان، وعملت وكيلاً لوزير الخارجية للشؤون السياسية والاقتصادية، وهي محطات عكست قدرتها الفائقة على التعامل مع ملفات التنمية والسياسة الخارجية بمرونة وحنكة دبلوماسية رفيعة المستوى جعلت منها شخصية دولية محط احترام وتقدير.

شغلت ميرفت التلاوي منصب وزير التأمينات والشؤون الاجتماعية خلال الفترة من 1997 وحتى 1999، لتنقل خبراتها الدبلوماسية إلى أرض الواقع الاجتماعي، حيث قادت حزمة من السياسات الرامية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً، ثم انتقلت لتولي منصب أمين عام المجلس القومي للمرأة، وهي الفترة التي شهدت تحولاً جذرياً في طبيعة عمل المجلس ودوره في دعم حقوق النساء في مصر.

على المستوى الدولي، سطع نجمها عندما تولت منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا) من عام 2001 حتى 2007، حيث لعبت دوراً جوهرياً في صياغة الرؤى التنموية الإقليمية، كما ترأست لاحقاً المجلس القومي للمرأة خلال الفترة من 2012 إلى 2016، والمدير العام لمنظمة المرأة العربية حتى عام 2018.

إلى جانب هذه المسيرة المهنية الحافلة، لم تغفل الدكتورة ميرفت التلاوي الجانب الإنساني والأسري، فهي زوجة للمرحوم الدكتور علي عبد الرحمن رحمي، وأم لابنة وحيدة هي "شرين" التي تابعت مسيرة التميز في العمل الدولي بالأمم المتحدة، مما يعكس توازناً دقيقاً بين طموحات العمل العام والالتزامات الأسرية التي تعتز بها دائماً.

تظل ميرفت التلاوي واحدة من الرائدات اللواتي كسرن الحواجز الزجاجية أمام المرأة العربية، ليس فقط في السياسة الخارجية، ولكن في كافة مجالات الإدارة والتنمية والتخطيط الاستراتيجي، ففي كل محطة من محطات عملها، كانت حريصة على ترك أثر إيجابي وتأسيس قواعد عمل مؤسسي مستدام يخدم الأجيال القادمة من الدبلوماسيين والقيادات النسائية.

إن انضمامها مؤخراً كعضو مؤسس للحزب المصري الديمقراطي يؤكد استمرار انخراطها الفاعل في الحياة السياسية المصرية، إيماناً منها بأن العمل العام هو رسالة مستمرة لا تنتهي بالتقاعد أو ترك المناصب الرسمية، وأن المواطنة الحقيقية تتطلب من كل مسؤول سابق أن يواصل تقديم خلاصة تجربته وخبرته لخدمة وطنه في مختلف المراحل.

إن استعراض مسيرة الدكتورة ميرفت التلاوي هو استعراض لجزء هام من تاريخ مصر الحديث في علاقاتها الدولية ودورها الإقليمي، فهي نموذج للمسؤول الذي جمع بين الانتماء الوطني العميق والاحترافية العالمية، لتظل سيرتها مصدر إلهام لكل شاب وشابة يطمحون إلى التغيير الإيجابي وبناء مسيرة مهنية قائمة على العلم والعمل والنزاهة.

تم نسخ الرابط