مسيّرات أوكرانية تحرق مستودعات «وايلدبيريز».. مليارات الروبلات تتبخر وغضب يجتاح تجار روسيا
دخلت المواجهة الاقتصادية بين موسكو وكييف مرحلة جديدة، بعدما استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية سلسلة من المستودعات والمراكز اللوجستية التابعة لشركة «وايلدبيريز»، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة وسقوط قتلى ومصابين، فضلًا عن خسائر ضخمة تكبدها آلاف التجار الذين كانت بضائعهم مخزنة داخل المنشآت المستهدفة.
وطالت الضربات خلال أيام متتالية منشآت تابعة للشركة في مناطق موسكو وتامبوف وكراسنودار وستافروبول، قبل امتدادها إلى سانت بطرسبرج ومنطقة لينينجراد وسيمفيروبول في شبه جزيرة القرم، في إطار حملة أوكرانية تقول كييف إنها تستهدف شبكات الإمداد التي تدعم المجهود الحربي الروسي.
استهداف مستودعات سانت بطرسبرج وسيمفيروبول
أكدت تاتيانا كيم، مؤسسة «وايلدبيريز»، تعرض ثلاثة مستودعات جديدة لهجمات بطائرات مسيّرة في سانت بطرسبرج ومنطقة لينينجراد وسيمفيروبول، موضحة أن العاملين أُجلوا سريعًا، وأن الشركة نجحت في إنقاذ أجزاء من المنشآت وكميات من البضائع.
وأوقفت الشركة العمل مؤقتًا في مركزي «شوشاري» و«أوتكينا زافود» قرب سانت بطرسبرج، كما أخلت مركز الفرز في سيمفيروبول وفق إجراءات السلامة، قبل بدء إعادة توزيع المخزون على مراكز أخرى لتقليل تعطل عمليات الشحن والتسليم.
ونقلت تقارير أوكرانية عن شركة «Fire Point»، المنتجة للطائرات المسيّرة بعيدة المدى، قولها إن طائرات من طراز «FP-1» استُخدمت في استهداف منشآت «وايلدبيريز» في سانت بطرسبرج وسيمفيروبول، بينما لم تقدم السلطات الأوكرانية تفاصيل تشغيلية موسعة عن الهجمات.
أوكرانيا: المستودعات تدعم الجيش الروسي
تقول كييف إن المنشآت المستهدفة لا تؤدي دورًا تجاريًا فقط، بل تُستخدم في نقل وتخزين مكونات إلكترونية ومعدات ملاحة وأجزاء تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة، إلى جانب معدات أخرى موجهة للقوات الروسية على الجبهة.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الضربات طالت «مراكز لوجستية كبيرة» تشارك في إمداد القوات الروسية بالمعدات والمكونات التقنية، دون أن يذكر اسم «وايلدبيريز» بصورة مباشرة.
وأظهر البحث على منصة الشركة عرض منتجات يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، من بينها الدروع الواقية والخوذ وأجهزة الاتصال والمعدات الإلكترونية وحقائب الإسعافات، وبعضها يحمل إشارات إلى استخدامه في ما تسميه روسيا «العملية العسكرية الخاصة».
في المقابل، نفى الكرملين استخدام مستودعات «وايلدبيريز» في دعم الجيش الروسي، واتهم أوكرانيا باستهداف منشآت مدنية وإلحاق أضرار بالعاملين وأصحاب المشروعات الصغيرة.
9 قتلى وعشرات المصابين
أسفرت موجة الهجمات على مستودعات الشركة عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين، وفق حصيلة أوردتها وكالة «أسوشيتد برس»، وشملت ثمانية قتلى خلال الضربات الأولى التي استهدفت منشآت في إلكتروستال بمنطقة موسكو وكوتوفسك في تامبوف، إلى جانب مقتل امرأة في هجوم لاحق على مركز كراسنودار.
وفي الضربات التي استهدفت منطقة لينينجراد، قالت «وايلدبيريز» إن التقارير الأولية لم تسجل إصابات بين موظفيها، بينما أعلنت السلطات المحلية إصابة ثلاثة أشخاص بالقرب من أحد المستودعات المحترقة.
خسائر بمليارات الروبلات
تفاوتت تقديرات الخسائر الناتجة عن الهجمات بسبب استمرار أعمال الإطفاء والحصر، إلا أن المنشآت المتضررة تمثل ما بين 10% و12% تقريبًا من إجمالي المساحات التخزينية التابعة للشركة، وفق تقديرات صحفية وخبراء في قطاع التجارة الإلكترونية الروسي.
وقدرت شركة «Data Insight» للأبحاث قيمة البضائع المدمرة بنحو 170 مليار روبل، فيما ذهب تقدير آخر إلى أن خسائر المخزون في المنشآت المستهدفة قد تصل إلى 3 مليارات دولار، لكن الشركة لم تعلن حتى الآن حصيلة نهائية رسمية للأضرار.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية خاصة بالنظر إلى حجم «وايلدبيريز»، التي تستحوذ على نحو 52% من طلبات التسوق الإلكتروني في روسيا، ويتعامل معها ما بين 500 ألف و800 ألف تاجر، معظمهم من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
غضب بين أصحاب المتاجر الروسية
أثارت الحرائق موجة غضب بين التجار الذين يعتمدون على مستودعات «وايلدبيريز» لتخزين منتجاتهم وشحنها إلى العملاء، إذ نشر عدد منهم مقاطع مصورة ورسائل عبر منصات التواصل الاجتماعي تحدثوا فيها عن فقدان أجزاء كبيرة أو كامل مخزونهم خلال أيام قليلة.
وقال تجار إن سياسات الشركة دفعتهم خلال الفترة الماضية إلى نقل كميات أكبر من البضائع إلى المراكز اللوجستية، ما أدى إلى تضاعف خسائرهم بعد تدمير المستودعات، بينما اشتكى آخرون من أن مبالغ التعويض الأولية لا تساوي سوى جزء محدود من القيمة الحقيقية للمخزون المفقود.
جدل بشأن تعويض التجار
زادت مخاوف أصحاب المتاجر بعدما عدلت «وايلدبيريز» اتفاقية التعامل مع البائعين، وأعفت نفسها من المسؤولية عن البضائع التي تتعرض للتلف أو التدمير نتيجة الهجمات الصاروخية أو ضربات الطائرات المسيّرة، باعتبارها من حالات «القوة القاهرة».
وأعلنت تاتيانا كيم بدء تقديم مساعدات لبعض التجار، خصوصًا المشروعات الأصغر والأكثر تضررًا، إلى جانب تخفيض رسوم التخزين، ونقل البضائع المتبقية مجانًا إلى مراكز أخرى، وتجميد بعض أقساط القروض وتوفير تسهيلات ائتمانية.
كما تبحث الشركة مع الحكومة الروسية منح المتضررين إعفاءات أو تأجيلات ضريبية، بعدما طالب اتحاد شركات التجارة الإلكترونية بتأجيل سداد الضرائب لمدة ستة أشهر للمشروعات التي فقدت بضائعها في الهجمات.
الحرب تصل إلى الاقتصاد الروسي
يرى محللون أن الضربات لن تؤدي بمفردها إلى انهيار قطاع التجارة الإلكترونية الروسي، لكنها قد تحقق هدفًا نفسيًا واقتصاديًا عبر نقل آثار الحرب إلى الحياة اليومية للمواطنين، وإثارة تساؤلات بين أصحاب الأعمال بشأن استمرار الصراع وقدرة السلطات على حماية البنية التحتية التجارية.
وتأتي استهدافات «وايلدبيريز» بعد حملة أوكرانية ركزت لفترات طويلة على مصافي النفط ومستودعات الوقود والمنشآت الصناعية، قبل أن تتوسع لتشمل شبكات التجارة والنقل والخدمات اللوجستية داخل العمق الروسي



