مع إعلان الرئيس الأمريكي رونالد ترامب عن تصوره بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزه، والضفه الغربيه، ومحو كامل للجغرافيه الفلسطينيه ، وقلب المعادله التاريخيه ، وأحكامه من البحث عن وطن بديل ليهود العالم في القرن الماضي إلى البحث عن وطن بديل للفلسطينيين في القرن الحالي، بدا أن النظام السياسي العربي الذي مزقته الخلافات البينيه لدوله ،قد دبت فيه الروح من جديد ، بعد عقود طويله من النزاعات، والحروب ، والمألات الصعبه التي أستمرت لأكثر من ثلاثين عاما وتحديدا منذ أن قرر الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين غزو الكويت ، وسرقته، والناس نيام مطلع تسعينيات القرن الماضي، وقد تشكل الأزمه الراهنه منعطفا تاريخيا ،وتكون بمثابة طوق النجاة لإنقاذ النظام الإقليمي العربي من حالة التراجع ،والإحباط ، ومناسبة أيضا لإعادة التفكير في العديد من المراجعات الإستراتيجية الضروره ، وذلك على النحو التالي:-
أولا : كان غزو العراق للكويت ١٩٩٠م قد ضرب النظام السياسي العربي في الصميم ، وقد صار الخلاف على أشده بين دول تؤيد إخراج العراق بالقوه ، ودول تمتنع ، وثالثه ترفض أي حروب عربيه بينيه، وقد أحدث هذا التشظي صدعا كبيرا في بنية النظام وهياكله، وبدا أن الفكره القوميه تأخذ سبيلها إلى التراجع ، التردي في المزاج السياسي العربي العام ، وعقل النخبه السياسيه الحاكمه، وبدأت مراكز الأبحاث ، ودوائر صنع القرار تركز على مبررات هذا التردي ، من دون أن يكون هناك ثمة بارقة أمل في منعه عن المزيد من الانزلاق.
ثانيا : في ٢٧ يونيو ١٩٩٥م قام الشيخ حمد بن خليفه أل ثاني بمهام الحكم في دولة قطر خلفا لوالده ،وعلى مدى عام كامل كان الخلاف بين النظم العربيه حول من مع الشيخ حمد ،ومن مع والده إلى أن حدثت محاولة الانقلاب في العام التالي ، بهدف إعادة الشيخ خليفه للحكم ، وأعلنت الحكومه القطريه أن دولا عربيه كانت ضالعه في هذه المحاوله، الأخطر من كل ذلك أن هذا الحدث الجلل قد نجم عنه إعلان دولة قطر عن تأسيس وانطلاق شبكة قنوات الجزبره التي أحدثت دويا هائلا في الماء الراكد الأسن، وأصبح لدى هذه الوسيله الإعلامية الضخمة في إمكانياتها وتقانتها المهمه الإستراتيجيه الوحيده ، وهي إستضافة كافة المعارضات العربيه من الخارج لتسمع الشعوب خطابا لم يكن مألوفا أو معتادا من حيث التجرؤ على هيبة الحكام، والحديث الدائم عن تردي الأوضاع الداخليه في هذه البلدان ، ما فت في عضد ما تبقى من النظام السياسي العربي ، وأصبح الحديث عن جدوى وفاعلية جامعة الدول العربية والقمم الناتجه عنها حديثا غير ذي موضوع...!!!
ثالثا:- في١١ سبتمبر من العام ٢٠٠١م حدثت تفجيرات البيت الأبيض ، والبنتاجون ، وبرجا التجاره العالميه فيما عرف بأنها أعنف هجمات للإسلام السياسي في العمق الأمريكي ، ولأن القائمه قد ضمت مجموعه من الفاعلين العرب ، فقد أطلقت الولايات المتحده مشروعها العدواني الجديد، فيما سمي بالحرب على الإرهاب،وتم استهداف أفغانستان ثم العراق ، وسقط صدام حسين ونظام حكمه في ٨ أبريل ٢٠٠٣م ،حيث ضبط النظام العربي بالعجز والسلبية المطلقه ، لأن الجميع كان يعلم أن هذا الاستهداف لن يكون الأخير ، وعلى وقع نظرية الدومينو كان العديد من النظم العربية على موعد مع التغيير القسري،ولا يوجد موقف عربي موحد يمكن رصده في ظل هذا الارتياب الفاضح في النوايا الأمريكية.
رابعا:- من العام ٢٠٠٥ إلى ٢٠١٠م تم وضع النظم العربيه تحت الضغط الموسوم باستراتيجية الفوضى الخلاقة المنسوبة إلى وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس،والتي من شأنها إحداث هزه عنيفه في المجتمعات العربيه للتعرف على الأوزان الحقيقيه للقوى الداخليه العربيه ،فكان أن خرجت جماعات الإسلام السياسي إلى العلن ،وتحت وطأة الجدل السياسي الذي علا وطيسه في ذلك الوقت ،هل علينا أن نقبل بالديمقراطية من الداخل ،أو يتم فرضها وفق النموذج العراقي عندما جاء الحاكم الأمريكي بريمر على ظهر الدبابه ،ليبشر بالديمقراطية الموعوده فإذا بالعراق يغرق إلى أذنيه في حرب أهلية لا نظير لها .
خامسا:- منذ نهايات العام ٢٠١٠م والبدايه من تونس صمت الحديث تماما عن أي أفكار للعمل العربي المشترك، حيث لا صوت يعلو فوق صوت محاولات النظم العربيه العتيقه الإفلات من النار التي تسري في الهشيم على وقع الثورات التي ابتدعوهها، والفوضى التي نظموها ، ومؤامرات حيكت ، وتم تدبيرها بليل ، لإسقاط مؤسسات الدول في مصر ، وليبيا، واليمن ، والسودان ، وأخيرا سوريا ، في أكبر عملية انكشاف أمني في التاريخ العربي المعاصر.
سادسا:- منذ العام ٢٠١١م وحتى العام ٢٠٢٢م دخل العرب في مفرمة الإرهاب الممنهج، وسكت الكلام تماما عن القوميه ، والوحده، والصف العربي ،وبدأت صيحات الجهاديين (الإرهابيين ) وهتافاتهم تنطلق من كافة أركان الدول العربيه ، ومابين القاعده ،وداعش ، وجبهة النصره، وفجر ليبيا ، والنهضة في تونس، والإخوان في مصر ،صارت التهديدات ،والتفجيرات ، والهدم ،والدم تنبعث من كل مكان ،وانكفأت الدوله القوميه على ذاتها تعالج تناقضاتها الداخليه كل له فلسفته ،وأدواته ، وتجربته الذاتيه ،وخبراته،وتقاليده، غير أن المؤكد الثابت أن العمل العربي المشترك ،لم يعد قائما البته إلا من قناعة السعوديه ،والإمارات، والكويت بأنه من الضروري دعم صمود الشعب المصري والقوات المسلحة المصرية في إنجاح ثورة ٣٠يونيو ٢٠١٣م لأن في ذلك ضمانة مؤكده في بقاء وعودة النظام السياسي العربي ليعمل بكفاءة في مرحلة لاحقة.
سابعا:- كانت أزمة السفراء حيث سحب سفراء كلا من السعوديه والإمارات والبحرين من قطر،على خلفية إتهام الأخيره بدعم حركات الإسلام السياسي الراديكالي، والممتده من العام ٢٠١٤ وحتى الخامس من يناير ٢٠٢١م وإتفاق العلا للمصالحه الخليجيه ، قد أبانت عن عمق الأزمه والتحدي الذي ضرب العمل القومي العربي المشترك في الصميم ،وحيث أن قطر قد أبدت تجاوبا مع المطالب العربيه ، وتمهيدا لاستقبال قطر وفود كأس العالم ٢٠٢٢م ،فقد شارك العرب جميعا فرحة الشعب القطري بهذا الإنجاز التاريخي ،وأعاد قطر من جديد إلى الصف العربي، وبدا أن ميلادا جديدا للتضامن العربي يلوح في الأفق ،ولكن يحتاج الأمر إلى المزيد من التهيئة والوقت..
ثامنا :- منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣م ، وحتى ٨ ديسمبر ٢٠٢٤م كان هناك حدثين فارقين في تأثيرهما على ما تبقى من النظام السياسي العربي، وهما:-
- حرب طوفان الأقصى والسيوف الحديديه بين حركة حماس وإسرائيل، وتوسعت الحرب لتشمل حزب الله في الجنوب اللبناني ،والعمق الإيراني، فيما الدول العربيه قد حاولت عبر لقاءات الزعماء والقاده لجم اندفاعة الحرب دون جدوى ، حتى إتفاق وقف إطلاق النار وعملية تبادل الأسرى والرهائن الذي حدث بجهود مصريه وقطريه بحدود ١٦ يناير ٢٠٢٥م .
- في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤م سقط النظام السوري لحزب البعث، وصعد الإسلام السياسي بأطياف متعدده من جديد إلى سدة الحكم في بلد عربي أخر ، ويدب الخلاف والاختلاف من جديد بين دول مؤيده نكاية في عائلة الأسد وإيران، ودول أخرى ترى أن البديل دائما ما يكون على حساب روح الحداثه والدوله القوميه ،في مواجهة دولة أمميه يطرحها المتأسلمون كمبرر أخلاقي لاستنساخ التجربه في عموم بلاد المسلمين ، وما حدث من انكسار حدة التوازن الإستراتيجي الإقليمي لمصلحة تركيا وإسرائيل
وبدأ الحديث من جديد عن عملية إنقاذ ممكنه لعودة النظام السياسي العربي القومي ليعمل من جديد بفاعلية في ظل التحديات الماثله في الأفق السياسي الراديكالي الإقليمي...!!!
تاسعا:- جاءت الفكره الأمريكيه على لسان رئيس الولايات المتحدة رونالد ترامب ورغبته في التهجير القسري للفلسطينيين خارج قطاع غزه والضفه الغربيه ، والتركيز على مصر والأردن كوطن بديل للفلسطينيين، لتحدث صحوة كبرى في النظام السياسي العربي ، ويكأنه لم يغب كل هذه العقود من الزمان ،لتبدوا ملامح المنظومه العربيه على النحو التالي :-
- دول المركز في القضيه ، وهي في صدارة المشهد بحكم كونها في قلب الحدث وهما مصر والأردن، وقد جاء رفضهما القاطع للمخطط ، واعتبراه ظلما بحق الشعب الفلسطيني لا يتحمل الحكام في البلدين مسؤولياته.
- دولا تساند وتؤازر بقوة من واقع قدراتها ومكانتها ووزنها الإستراتيجي الكبير على صعيد التأثير الجيو بولتيكي وهي السعوديه ، والإمارات، وقطر ،بوصفها الدول المرشحه لتمويل الصفقه إذا ما وجدت سانحه للتنفيذ عند أي مستوى بحسب تصور الرئيس الأمريكي ذاته ، وقد أعلنت هذه الدول العربيه موقفها الرافض للمشروع.
- مجموعة الدول التي تشتبك مع الحاله العربيه الراهنة، ولكن بوتائر متباينه:
فالسودان مثخن بجراحاته وحربه الداخليه للجيش مع قوات الدعم السريع.
وسوريا لازالت تلملم بعضها جراء عقود من الإنتهاكات بحق الشعب ، وتوغل كلا من تركيا وإسرائيل في العمق السوري ، وحكم جديد بقيادة أحمد الشرع لايزال يتعرف على دهاليز السياسة، وتقاليد الحكم ،غير أن مايؤخذ عليهم في هذا السياق التفكير في حذف كلمة ( العربيه) من اسم الدوله المسماه الجمهوريه العربيه السوريه.
فيما البقيه يؤاذرون سياسيا ولا يتعاطون قيد أنمله مع المخطط الصهيو بريطاني أميركي ...!!!
وعليه تأتي القمه العربيه التي دعت إليها مصر في ٢٧ فبراير ٢٠٢٥م لتشكل إنطلاق النظام السياسي العربي في تحدياته الجديده ، وربما تكون سببا في عودة مؤسسة جامعة الدول العربية لتعمل من جديد بفاعليه وتأثير ...!!!
عاشرا: أحمد داود اوغلو وزير الخارجيه التركي الأسبق ،وصاحب نظرية العمق الإستراتيجي خرج ليعلن أن قطاع غزه كان تحت السياده العثمانيه قبل العام ١٩١٧م ، وأن البريطانيين لا شرعية لهم لكي يتنازلوا عنها لليهود ، وطالب هو الأخر بضم قطاع غزه إلى تركيا الحديثه بوصفها الوريث الشرعي للعثمانيين، توطئة لحكم ذاتي مستقل مع الضفه الغربيه ، وما بين الطلب التركي، ورغبة رونالد ترامب في شراء غزه يثور النقاش ،وتم فتح المزاد فيما الرساله الأصل في الموضوع قد أوصلها جموع من الشعب الفلسطيني إلى القوات المسلحه المصريه عند معبر رفح:( لن نترك أرضنا ) وصدق عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في غير مناسبه :
- لن نكون طرفا في تصفية القضيه الفلسطينيه،
- لن نشارك في هذا الظلم التاريخي،
- لن نستقبل الفلسطينيين بهدف توطينهم،
- لا للتهجير القسري للفلسطينيين خارج قطاع غزه...!!!
حادي عشر: خارطة طريق وضعتها الدوله المصريه لإعمار قطاع غزه دون تهجير للسكان ، تتحمل فيها مصر الدور الأكبر ، والعبئ الأثقل بالنظر إلى الديموغرافية اللوجيستيه ، وأنطلقت القاهره في حملة دبلوماسية موسعه إلى العديد من العواصم المؤثره في صناعة القرار حول غزه في محاولة لصناعة رأي عام دولي ضاغط ضد المشروع الإسرائيلي الأمريكي ، ولم تفلح تهديدات رونالد ترامب لاحداث هذا التأثير، والتغيير في أن معا...!!!