ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

استيقظ السابعة صباحاً دون ضجيج آلة التنبيه التي لا أذكر أنني استعنت بها يوماً حتى عند مواعيد السفر . 

ساعتي البيلوجيه تقوم بتلك المهمة على خير وجه .

عند السابعة والنصف تقريباً أكون في بداية تمشيتى الصباحية عبر هذا الشارع الذي مازال متمسكاً بثقافة الطبقة المتوسطة . 

هو في الحقيقة يصارع البقاء رغم عوامل التشويه التي تزحف نحوه ليل نهار .

أقابل أناس لا أعرفهم لكننا اعتدنا أن نتقابل كل إلى واجهته أنا ذهاباً وهم إياباً . 

بعد مرور الوقت بات كل منا يومئ برأسه إلى الآخر وربما أيضاً نتبادل ابتسامة خجلة لا تأخذ من حيز الزمن سوى برهة بقدر ما تتحمله عملية تقابل المسير بيننا .

هو تقريباً في منتصف العقد السابع كان يرتدي ملابس تقليدية . بنطال من قماش مفصل وليس من تلك التي تباع جاهزة يعلوه قميص بأكمام كامله لا يكشف عن الزراع . ساعة يد عتيقة وحذاء نظيف . يمسك بيده جريدة الأهرام يلقي نظرة سريعة على العناوين الكبيرة وأما التفاصيل وكذلك الكلمات المتقاطعة فموضعها هناك بشرفة المنزل مع فنجان شاى أو على المقهى مع فنجان قهوة .
لابد أنه موظف على المعاش . لم يتعود أن يتخلى عن أناقة الوظيفة ومتطلباتها حتى بعد الخروج منها إلى المعاش .

هو كان يرتدي جلباباً صيفياً أنيقاً . يتحلل في هذا الوقت المبكر من اليوم من قيود الملابس الرسمية . يحمل سلة عيش تقليدية تفوح منها رحيق خبز طازج يعلن أنه سر من أسرار الحياة فوق هذه الأرض . يحمل أيضاً جريدته الورقية ربما كانت الأهرام أو أخبار اليوم .

هو كان يرتدى ملابس رياضية وحذاء رياضي . لم تكن الملابس ولا الحذاء من الأنواع الشهيرة لكنها كانت أنيقة .
لا يستطيع أن يتخلى عن طقس صباحي اعتاد عليه منذ عقود . هذه التمشية بالنسبة له تمثل إعلاناً على أنه مازال في العمر بقية .

على يمين الطريق . "صالون محمود"  هكذا وضعت لافتة فوق واجهته منذ تقريباً ربع قرن . الصالون نضيف يتهئ لاستقبال رواده .
كنت أتعجب لماذا يبدأ عم محمود عمله في هذا الوقت المبكر من اليوم .
لم تستغرق الإجابة على التساؤل كثيراً فقد كان رواد هذا الصالون من هؤلاء الذين يحضرون الخبز مبكراً ويتصفحون الجريدة ومازالت حروفها برحيق المطبعة .

في المواجهة تقع مقهى الحرية لصاحبها السيد رمضان بدوى منذ ١٩٤٨ .
هكذا دون بلافتتها .
لا أعلم ما إذا كان مسماها هذا كان من إنشائها أم كانت تتخذ اسماً ملكياً إلى أن جاءت الثورة فتغيرت معها لافتتات المحلات .
الحرية .. الثورة .. السد العالي ..!

تمر الصباحات سريعاً وتأخذ معها أياماً وشهوراً بل وسنين دون أن ندري .

تتسمر عينى فوق واجهة صالون عم محمود المغلق على غير العادة . 
ورقة بيضاء مدون عليها بخط أسود كلمات تخبرنا أن عم محمود مات .
هنا تموت أشياء وأشياء .
واجهة المحل التي كانت يتقد بهجة منذ السابعة والنصف صباحاً . هؤلاء الرواد الذين يحرصون على أن يظلوا رغم المشيب بكامل أناقتهم  . الأحادث التي تتناثر هنا وهناك بينهم وبين عم محمود . الضحكات التي كانت تخرج من القلب .
كلها أشياء ذهبت مع عم محمود .

في الواجهة تغلق مقهى الحرية . لا رواد ولا صوت من يطلب شاى أو قهوة ولا الرداء الأبيض الذي كان يرتديه عامل المقهى عم سالم .
ورقة بيضاء عليها كلمات سوداء تنبئنا بأن صاحب المقهى السيد رمضان بدوى قد توفى .
ينحسر عن روحك دفء المعنى الذي كان يمثله لك هذا المقهى .

وتمر الصباحات .. 
وأصير وحدي .. لا أشاهد من يحمل جريدة ولا من بس ده سلة خبز يفوح منها رحيق الحياة . ولا هذا الذي يتشبث بالحياة برداء رياضي  .
صرت وحيداً في ممشاي .
صالون عم محمود تحول إلى محل مأكولات سريعة باسم أمريكي مشوه .

لافتة الحرية فوق المقهى أُنزلت وعلق بدلاً منها اسم ممسوخ تسبقه عبارة كوفي شوب .

صرحت وحيداً في ممشاي لكنى مازلت مخلصاً لطريق جمعني صباحات كثيرة بمن كنت أأتنس بهم وبزمانهم  حتى ولو لم يكن بيننا غير إماءة أو نصف ابتسامة .
صرت مخلصاً لممشاي وربما كان بالممشى من  يأتنس بي دون أن أدرى وأمثل له بريق حياة .
ربما تحدث هو عني يوماً ما ..!

تم نسخ الرابط