ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ينتظر المسلمون شهر رمضان كل عام علي أحر من الجمر، يحدوهم الأمل في  صوم نهاره وقيام ليله، وبلوغ ليلة القدر. يأتي شهر رمضان المعظم والمسلمون كلهم شوق للعيش في معية الله وفي رحاب القرآن، راجين ربهم  أن يكونوا من أهل الغفران.. تمضي ليالي الشهر الفضيل والمسلمون يسعون -بكل قوةـ للتقرب إلي ربهم، والتزود بالتقوي، والتمسك بالنسك والشعائر، وتقوية الروابط الروحية بينهم وبين خالقهم، والتطهر من أدران ذنوبهم ومعاصيهم، والسعي الحثيث لاغتنام مواسم الطاعات، بعد أن بلغهم ربهم شهر رمضان، راجين ربهم أن يكتبهم من أهل العتق من النيران.
وعلي الرغم من أن الله -سبحانه- سلسل الشياطين وقيدهم وصفدهم في شهر رمضان لتكون الفرصة سانحة أمام العباد للطاعة والتقرب إلي الله دون عوائق ؛ فهناك "شياطين الإنس" من الكبار والصغار الذين يسعون بكل قوة لإخراج العباد من هذه الحالة الروحانية الرائعة التي تجسد العبادة الحقة، والاصطفاف بالمساجد تلبية لنداء الخالق، والحفاظ علي الصلوات الخمس وعلي صلاة القيام التي ينتظرها المسلم في شهر رمضان عاما بعد عام، وتكدير صفو عبادتهم لتتحول إلي مشقة وعناء.
يأبي "شياطين الإنس" أن يستأنس الخلق بالتقرب إلي ربهم، وأن يستشعروا لذة الطاعة فيقوم بعضهم بإلقاء المفرقعات والألعاب النارية التي تحدث ضجيجا لا مثيل له علي المصلين، لتخرج الناس من حالة التركيز في العبادة، والتفكر في كلام الله وتدبره، وتشوش عليهم أداء شعائرهم التي تستوجب الطمأنينة والراحة والسكينة.
ولا يقتصر الأمر عند ذلك الحد؛ فهناك  بعض "شياطين الإنس" الذين يقومون بترويع المارة من كبار السن والنساء والأطفال ويلقون عليهم الألعاب النارية التي تحدث فزعا وهلعا كبيرا، وقد يمتد أثرها لتحرق المتاجر والملابس وغيرها، وقد تؤدي إلي إصابة البعض بإصابات بالغة ليعيش الجميع في حالة من الصخب والضجيج تتنافي تماما مع طبيعة شهر رمضان المبارك، ومع قيمنا الأخلاقية وثوابتنا الدينية.
ولإحداث مزيد من الضوضاء والفوضي يقوم بعض "شياطين الإنس" بتفجير بعض الألعاب والمفرقعات  النارية الضخمة التي تحدث دويا هائلا، يسمعه القاصي والداني ويبلغ مداه الآفاق ليحدث صوتا مروعا وضجيجا عارما يستوجب المحاسبة والمساءلة.
ولا تقتصر الخسارة علي هذه الأمور، فمن المعلوم أن هذه المفرقعات تنهك اقتصاديات الأسر، وتستنزف طاقتهم المادية فيما لا نفع فيه ولا فائدة، وتؤثر بشكل كبير علي الجوانب الاقتصادية التي تؤثر حياة المواطنين بشكل كبير.
ومن الآثار السلبية لهذه الظاهرة أن الغلمان يعتادون علي ثقافة الأذي، وعدم مراعاة الآخرين، والتعبير عن أنفسهم من خلال السلوكيات الخاطئة التي تعتمد علي العنف والضوضاء والضجيج، وهي ثقافة تحتاج إلي مزيد من الاهتمام من جانب المؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية والإعلامية للحد من هذه المظاهر التي أصبحت ديدنا لهؤلاء الغلمان كل عام، وملمحا من ملامح شهر رمضان المعظم ليتحول الشهر الفضيل من شهر السكينة والطمأنينة والمودة والرحمة والعبادة إلي شهر الضوضاء والشغب والصخب و المشاحنات.
وقبل أن يستفحل الخطر وتحدث الكارثة:
- علي كل أسرة أن تربي أولادها علي الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة وعدم ترويع الآخرين حتي لا يحدث مالا يحمد عقباه.
-علي المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والإعلامية القيام بدورها في توعية النشء بمغبة هذه السلوكيات الخاطئة التي تزلزل أركان الاستقرار المجتمعي، وتقوض الطمأنينة والراحة، وتحدث خللا مجتمعيا كبيرا يرسخ سلوكيات خاطئة تؤثر علي أداء النسك والشعائر، وتجعل الشوارع تعج بالضوضاء والضجيج ، وتؤرق كبار السن وأصحاب الحاجات، وتحول المجتمع إلي سوق كبير يختلط فيه الحابل بالنابل دون وازع من ضمير.
- علينا أن نرسخ لدي هؤلاء أن " ترويع الآمنين" إثم كبير يحاسب المرء عليه أمام ربه، وهو باب من أبواب الأذي التي نهي عنها ديننا الحنيف.
- علينا أن نربي هؤلاء علي إنفاق أموالهم فيما يعود بالنفع عليهم وعلي أهلهم وأوطانهم، فكل منا سيسأله ربه عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه.
- وعلينا أن نربي هؤلاء علي احترام الشهر الفضيل، والتعبير عن فرحهم بقدومه بما لا يلحق الضرر بالغير، وبما لا يخرج الناس عن أداء شعائرهم وصلواتهم.
- علينا أن نضرب بيد من حديد علي من يستهين بآلام الناس  وأمراضهم وأوجاعهم، وعلي من يحدث الضوضاء والضجيج، ويلحق الأذي بالآخرين في بيوتهم ، وفي متاجرهم، وفي مساجدهم.
علي بناتنا الفضليات أن يبتعدن قدر الإمكان عن هذه الأماكن، وأن يعلمن أن صلاتهن في بيوتهن خير لهن حين لا تؤتمن الفتنة من بعض ضعاف النفوس، وأن خروجهن من بيوتهن لابد أن يكون منضبطا بضوابط الشرع حتي لا يطمع الذي في قلبه مرض.
- علينا أن نستعيد أخلاقنا الفاضلة، وقيمنا الغائبة وفرحتنا المنضبطة التي لا تتنافي مع السكينة والوقار، ولا تعتمد علي الصخب والضجيج والإبهار لنخرج من هذا الشهر الفضيل  بذنب مغفور، ونكون من أهل الفوز بجنات تجري من تحتها الأنهار.

أسأله سبحانه الهداية لأولادنا وبناتنا.. والله من وراء القصد والهادي إلي سواء السبيل.

تم نسخ الرابط