يناير 1971.. الحكاية
أذكر عندما كنت في سن العاشرة تحدثت إلى أمي ذات يوم وسألتها: أين مريم يا أمي .. أنا لم أرها من قبل؟
ابتسمت أمي ثم قالت: ليست هناك فتاة تدعى مريم يا بنى لكي ترها .
قلت مندهشًا: إذن لماذا ننادي جارتنا بأم مريم؟
قالت: سأقص عليك الحكاية.
ثم رويت لى أمي الحكاية . وكانت أن جارتنا التي يقترب سنها من سن أمي لم تتزوج وعاشت وحيدة بعد وفاة والديها ثم شقيقها الصغير وظلت هكذا تعيش على معاش والدها وإيجار قيراط أرض ورثتها عنه .
شقة أم مريم كانت ملاصقة لشقتنا يفصلهما جدار رقيق لم يكن ليستطيع أن يحجب أي تمازج بيننا حتى بدينا وكأننا أسرة واحدة .

وكان العرف يقتضي أن يضاف اسم امرأة في مثل حالة جارتنا مقرونًا بلقب .
فهو تارة "محمد" وتارة أخرى "مريم" إذ لم يكن مناسباً أن تُنادى المرأة التي لن تنجب باسمها مجرداً .
هكذا قالت لي أمى .
وقتها ربما لم أدرك كل أبعاد الحكاية لكن رواية أمي قد تركت بداخلي أثرين عميقين .. !
أولهما: أنه لا وجود لفتاة اسمها مريم .
وثانيهما: هذه الوحدة التى تعيشها جارتنا جعلتني أتشبث بها منذ ذلك اليوم بل لقد أحسست وقتها أنني أحمل حبًا فطريًا لكل من دخل في تجربة الوحدة مثلما حدث مع أم مريم وأضحى معنى الوحدة عندي يتجسد فيها .. تلك السيدة التى لم يعد لها فى هذا العالم سوى أسرة صغيرة تجاورها رحل عائلها منذ أن كنت طفلًا يحمل تسعة أشهر ويفصل بينهما هذا الجدار .
لقد تلاشى في عيني أي فارق بين أمي وأم مريم وأصبحت أرى ببراءة طفل أن الله عوضنى غياب الأب بأمٍ ثانية .
كان عندي غرفتين أيضًا غرفتي التى ولدت بها وغرفة أم مريم التي أمكث عندها نصف يوم أو كل اليوم .
كانت شقتها تماثل تقريبًا شقتنا في المساحة .
تصميم تقليدى مثلما مساكن الطبقة الوسطى .
صالة صغيرة مستطيلة الحجم تُحاط بها ثلاث أو أربع غرف كل منها تستقل عن الأخرى .
كنت أهرع إلى أم مريم فأجد نفسي وقد ألقيتها بصدر امرأة لم أنتج من رحمها ولكنني نتجت فى قلبها .
ولم تنتابني أية لحظة رتابة عند لقائها .
كان دائمًا هناك شعوراً يتجدد بداخلي في حركة دؤوب عند كل لقاء مثلما حركة الدماء في الشرايبن .
كنت أحب رائحة البخور في شقتها الصغيرة .
كان يضفي على المكان دفء عجيب لا أعلم مصدره .
صورة العذراء مريم معلقة بغرفة نومها وأخرى لقديس لم أكن أعرفه وقتها وهناك فوق منضدة صغيرة بجوار سريرها صليب خشبى أخبرتنى أنه كان لجدها لأبيها حيث كان يخدم في كنيسة السيدة العذراء التى ترتادها كل صباح أحد .
في الصيف كنت أجد عندها فاكهة طيبة الرحيق وعند الشتاء كنت أحب صوت وابور الجاز عندما كانت تُسوى على ناره الفول السودانى .
كان صوت وابور الجاز يعطيني احساسًا دافئًا ما يزال يصاحبني حتى اليوم وكنت أرتاح إلى صوته وعندما كان يجن الليل أذهب إليها ومعي كتيب يحمل قصة من قصص الأطفال أتلوها عليها وسط صوته الدافئ ورائحة الشاى الذي كانت تصنعه على ناره فيعبق المكان بأبخرته الساحرة وأظل هكذا حتى تأخذني غفوة هادئة وعند الصباح أجدنى في سريري . كانت أمي تجئ لتحمل طفل العاشرة الذي غلبه النوم على صوت وابور الجاز .
٩ مارس ١٩٧١
عند صبيحة هذا اليوم ذهبت إلى أم مريم كالعادة لكنني وجدتها حزينة وآثار بكاء غزير يعلو وجهها لم أره عليها منذ وفاة جمال عبد الناصر قبل ذلك بعدة أشهر والذى بكته كثيرًا .
كنت أعلم أن الجانب الأعظم من بكائها يأتي بصمت ودون أن تزرف مقلتيها الدموع .
إنه البكاء الأصعب على أية حال وعندما يعجز الصمت فإن حروفًا مريرة تنسال من مقلتينا كلها تتشابك لترسم لنا هذه القطرات التي تتهادى في ثقل فوق وجناتنا .
يقولون أن الدموع مكونات من المِلح والماء وأما هؤلاء الذين يزرفونها فيقولون أنها عصارة الألم... !
قلت لها: ماذا جرى؟ وعرفت منها أن القديس الذى كانت تضع صورته بأحد جدران شقتها والذي يمثل رأس الكنيسة القبطية قد رحل .
لقد كان يوم وفاة البابا كيرلس.
نوفمبر ١٩٧١
كانت أم مريم تحب سماع الراديو .
وعندما كنت أذهب إليها مبكرًا كانت تُسمعنى صوت الشيخ محمد رفعت .
كانت تحب صوته العذب وأنا أيضًا أحببت صوته وما أزال .
كانت أم مريم تجيد القراءة والكتابة وقد أتمت مرحلة الدراسة الابتدائية وكثيرًا ما كانت تراجع معى عندما كنت (أسمِّعها) بعض سور القرآن المقررة علىَّ حفظها وكذلك بعض قصائد الشعر
وكانت تصحح لى كلما أخطأت حتى أُتم الحفظ على أحسن ما يكون .
في هذا اليوم تناقلت نشرة الأخبار أن بطريرك جديد قد خلف البطريرك السابق وكان هو "البابا شنودة" أحد جيل الرهبان الجدد ولقد علمت فيما بعد أنه لم يكن مجرد راهب لم يغادر دير وادى النطرون طوال أحد عشرة سنة متواصلة بل كان فوق ذلك كاتبًا وخطيبًا مفوهًا واسع الثقافة والإدراك.
يونيه ١٩٧٢
أجواء غريبة لم نعهدها تناقلتها نشرات الأخبار في الإذاعة والتليفزيون وكذلك صفحات الجرائد .
مبنى خدمى أقامه عدد من الأقباط باسم دار جمعية الكتاب المقدس بمنطقة "الخانكة" ثم بعد ذلك أقيمت به الصلوات بعد أن جاءها المذبح ذات ليلة فقام مجهلون بوضع النار بحجة أنها كنيسة أقيمت دون ترخيص .
بعد ذلك بخمسة أيام أمر البطريرك الجديد أن يذهب مجموعة من الأساقفة في موكب حتى يقيموا قداس صلاة على أطلال المبنى المحترق وأن يواصلوا مسيرتهم مهما كانت التكلفة حتى ولو كانت هي أرواحهم وهو ما حدث بالفعل ثم توالت الأحداث الطارئة على هذا البلد ولم نشهد مثلها من قبل.
قداس الأحد يوليو ١٩٧٢
كانت الساعة السابعة من صباح الأحد من ذات الشهر وعندما كانت أم مريم تتهيئ للذهاب إلى كنيسة السيدة العذراء وجدتنى أمامها ودون تفكير قلت لها سوف آتى معك القداس .
لم تكن هذه أول مرة فقد سبقتها عدة مرات وأذكر عندما ذهبت معها عند المرة الأولى وكنت قد تجاوزت العاشرة بقليل سألها الأب "ديمترى" بلطف قائلًا: من هذا يا أم مريم؟ فقالت على الفور: إنه إبنى محمود ولا أزال أذكر ضحكات الأب الرقيقة وقتها .
كان حضوري هذا القداس له معنى مختلف عندي ربما أردت أن أدفع أى معنى للطائفية بداخلي .. ربما أردت أن أبعد عني تجربة أن أدخل فى كراهية .
وأنا بجوار أم مريم أستمع إلى الوعظة استدعيت إلى ذاكرتى هذا المشهد الذى كانت تراجع معى بعض سور القرآن وكذلك يوم الجمعة عندما كانت تعطينى بعض النقود كي أضعها فى صندوق الصدقات عقب الصلاة .
ولا يمكن أن ينال النسيان مشهد حرصها على أن أذهب إلى المسجد أنيقًا طيب الرائحة وكانت تقول لى إن أبى كان يصنع ذلك وكان دائما ما يلقي السلام عليها وهو يروح ويجئ .
كل شئ كان يتداعى حولي .. !
أجواء القداس الذب ينطق بالسلام .. خطبة الجمعة عندما كانت أم مريم توصيني أن أنتبه إليها وأن أخشع في صلاتى .
سلام أبي عليها الذي لم ينقطع .
لقد عشت وقتها لحظات الإيمان القصوى التي ترتفع فيها أرواحنا دون قيد من نص أو طقس إلى عنان السماء .
كيف عرفت أبي
سألت أمى ذات يوم
قلت لها: أحكي لى عن أبى الذي لم أره يا أمى .
قالت لى: تعالى ثم أخذتني إلى مكتبته التي أعدها خلال عقود حياته القليلة واعتنى بها كل العناية وصمتت أمى بضع ثوانى وراحت في تأمل وكأنها ارتحلت إلى عالم آخر وعادت ، ثم قالت: سألتني أن أحكي لك عن والدك .
قلت: نعم .
قالت: فوق أرفف هذه المكتبة ستعرف الكثير عن والدك يابنى .
لقد وضعتني أمى عند الطريق الذي يمكننى أن أعرف به والدى أكثر من أى حديث .
وبالفعل قرأت عن كل شئ دون تميز لفئة ودون تعصب لثقافة .
عرفت معنى الرقى من أثر كتب تُركت بصفحاتها بصمات يد أبي وخطوط قلمه الرصاص .
=======
أكتوبر ١٩٧٣
لقد وحدنا الانتصار وكان حدسي دائماً يقول أن هناك حدث عظيم يأتي كلما أوشك جدران أنفسنا أن ينقض .
كان البطل هو ذلك الجندي المجهول وسواء أكان حيٌ في الأرض أم حيُ في السماء .
كان البطل من نسيج هؤلاء البسطاء من الفلاحين والعمال والحرفيبن في كل ربوع هذا البلد .
تلاشت كل الفروق بيننا وبقى فقط الإنسان المصري في صورة حضارته القديمة التي وصلت إلى أعلى درجات الإيمان .. الإله الواحد واليوم الآخر .
لقد عبرنا القناة . لقد فعلها الإنسان المصرى .
=======
أبريل ١٩٧٦
كنت فى السنة النهائية بكلية الحقوق التي اخترتها بقناعة تامة .
أحببت هذه الكلية حتى قبل أن ألتحق بها وربما كان السبب وراء ذلك هو القراءة تلك التى كانت تستحوذ على معظم أوقات الصيف .
كنت أحب أجواء الجامعة رغم ما أصابها من متغيرات كانت مدعاة لجلب الفرقة من جديد تلك التى تلاشت عند الانتصار الآن تلوح بالأفق .
كانت الجماعات الإسلامية تستحوذ على مقاعد اتحادات الطلاب وقد بدا واضحًا أن هوية جديدة تهب على الجامعة .
لقد انتشرت مجلات الحائط التي تدعو إلى التشدد في الأخذ بأحكام الدين والتي كانت تشرف عليها الجماعات الإسلامية وكنت أقرأها كلها فلا أجد فيها إلا محاولة ترويج فكرة الإسلام المُضطهد والمُفترى عليه من كل أطياف الدنيا هذا بالإضافة إلى توسيع دائرة المحرمات من السفور والموسيقى وكافة الأنشطة الترفيهية وطبعًا الاختلاط الذي اتخذت إجراءات لمنعه تحت بصر القائمين على الجامعة وانشطر المدرج إلى شطرين أحدهما للشباب والآخر للفتيات وتصدرت اللحية والخمار المشهد وأضحى من النادر أن يُرى شاب وفتاة يتحادثان دون مضايقة من أحد هؤلاء القائمين على أنشطة الكلية أو المنتمين إلى الجماعة الإسلامية .
وفي المقابل كان التيار الماركسي وكذلك التيار العلمانى يقومان بدور النقيض تمامًا وهو دور ليس له هدف سوى السعى إلى السيطرة وكل ما هنالك أن كل فريق له مسار ومنهج يختلف عن الآخر إنما كانت الغاية واحدة . لقد كانت النفعية هى التى تحكم في النهاية ولم تكن تلك المناوءة بين الأطراف إلا وسيلة لا أكثر .
وكنت دائماً ضد التصنيف . كنت أرى فيه أنه أكثر الأشياء التي تطمس الحقيقة وتشوه الهوية وتفقدنا الموضوعية التي هى أساس كل نقاش سليم .
ذات يوم مُنع أستاذ الإقتصاد السياسى الدكتور حامد زهران من إلقاء محاضرته بعد أن تم محاصرة مكتبه بحجة أنه يروج للماركسية ولم يكن الرجل هكذا أبدًا ولقد ذهبت أنا وبعض الطلاب الذين لا ينتمون إلى أي فريق وطلبنا من الدكتور أن يحتج على هذا التصرف وأن يعبر عن احتجاجه لكنه لم يستطع أن يصنع شيئاً . وكان من المحزن أن تكون المحاضرة التالية عن أصول الفقه وقد صعد دكتور المادة لإقائها دون اكتراث لما جرى وسط ترحيب بالغ من الحضور .
فى هذا اليوم شعرت بالخوف لأن محاولة تشويه الهوية هي أكثر الأشياء التي تخيفنى .
=======
دعاء يونس وانجيل متى .
كنت كلما أصابني ضيق قالت لى أم مريم هذه العبارة: يا ولدى ردد دعاء يونس فأقول على الفور:
" لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"
وكنت قد أحببت من القداس هذا الدعاء من إنجيل متى الذى يقول: وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ."
لقد حفظته عن ظهر قلب من كثرة سماعه .
وها أنا أدعو بكل قول يأخذني من الضيق إلى الرحابة .. يأخذني من وحشة بطن الحوت و من قسوة التجربة .
وكلما فعلت ذلك ذهب الخوف عني فما كنت أحتاج شيئًا يأخذ بيدي أكثر من هذا .
كان تصالحي مع نفسي يأخذني دائمًا إلى طريق أحسبه ممهدًا رغم ما يراه غيرى أنه ملىء بالعثرات .
طريق الله دائمًا نوراني لا ظلال ولا عتمة فيه . فقط يحتاج إلى نفس صافية وقلب مخلص .
=======
وكيل النائب العام .
لقد تخرجت في كلية الحقوق وكنت أول دفعتى ورغم أننى عُيِّنت معيدًا في الجامعة لكنني بعد فترة ليست طويلة آثرت التعيين في النيابة العامة لا لشئ إلا لأنني أحب رسالة العدل بكل ما بها من جلال .
أحببت رسالة العدل من أجل هؤلاء الذين لايجدون سبيلًا إلى الحياة إلا بتلك الأيدى التي ترفع عنهم الظلم والانكسار وتقيم فيهم العزة والرفعة .
كنت قد قرأت في سن مبكرة عن رسالة القضاء للفاروق عمر وتأثرت بها .
وقد أدركت أن هذه الرسالة تتعدى في آثارها حدود العدل بالمعنى الضيق الذي يتردد بقاعات المحاكم إلى العدل الذى يجب أن يشع نوره بكل أرجاء المجتمع .
قرأت عن علم النفس الجنائي ومن قبله علم الإجرام والعقاب وأهداف السياسة العقابية الحديثة وأخذت عهدًا أن أكون قاضيًا على نفسي قبل أن أكون قاضيًا على الناس .
=======
أين ذهبت أم مريم.
ثلاث ليالٍ لم أرها ولم يوقد فى بيتها موقدًا .
لقد أخبرتها فقط بالأمس بأننى أصبحت وكيلًا للنائب العام وكانت تعلم كم كانت هذه الأمنية غالية عندي لكنها الآن تختفى وتتركنى إلى حيرتي حتى أمي لم تعلم عنها شئاً وكدت أتساءل: هل كانت أم مريم حلم .. مجرد حلم؟
إننى في أحيانٍ كثيرة كنت أتصورها هكذا .. !
امرأة تضع صليب فوق منضدة بجانب سريرها تحفظني سور القرآن وتشرف على تهذيب ملابسي عند الذهاب إلى المسجد كل صلاة جمعة ثم لا تتركني عند أي ضيق حتى تقول لى: يا ولدى ردد دعاء يونس بل وكانت ترقيني بهذا الدعاء وهي تمسح بيديها الحانيتين فوق رأسى .
امرأة مثل هذه لماذا لا تكون حلمًا في زمن باتت الحقيقة فيه مثل سراب وبدا القبح يسطو فوق كل جمال .
عند صبيحة اليوم الرابع وقد استبد بي القلق سمعت صوتًا داخل شقتها فدبت الحياة بداخلي وأسرعت إليها وما أن لقيتها حتى ارتميت فى حضنها مثلما كنت أفعل وأنا طفل العاشرة وسألتها وقد بللت الدموع وجهي واستجمعت قواى: أين كنتِ؟
قالت: أوفى النذر يا ولدى .
قلت: أى نذر؟
قالت: نذر نجاحك .
قلت: ماذا صنعتٍ إذن؟
قالت: قضيت ثلاث ليالٍ أخدم في الدير ياولدي أصلى وأخدم .. ذاك كان نذري .. !
تسمرت قدماي وتنفست الصعداء وأن أقول من أعماقى: يا إلهى..!
ولم أنطق بعدها ..فقط حاولت أن أحتوى السيدة الوحيدة .. الغريبة..
التي كانت توفِى نذرًا إلى الله من أجلي لكنها هي التى احتوتني .
=======
" أتمشى متمهلًا كلَّ سنىّ من أجل مرارة نفسى"
سفر أشعياء.
ما أصعب أن ترى المرض يغزو جسدًا لطالما كان مفعمًا بكل صفات الحياة حتى يبدو وكأنه في طريقه إلى السكون الأبدي .
ما أصعب أن ترى جسدًا يذبل وقد كان يفيض من قوة الروح ونضارة المحبة .
ما أصعب أن يكلَّ السن من مرارة النفس .
لقد مرضت أم مريم ووهن الجسد وارتسمت ملامح السنين بوجهها .
لم تعد تقدر على الذهاب إلى قداس الأحد فأحضرت إليها أشرطة البابا شنودة لكى نستمع إليها معًا .
هي مضجعة فوق سريرها وأنا بجوارها ممسكًا بيدها التي انبثقت عروقها تكاد تشق جلدها من أثر الزمن .
كنا نقترب من خريف ١٩٨١ وقد صرت قاضيًا وقد بدا أن الأجواء في مصر تتجه نحو توتر غير مسبوق ينبئ عن غضب مستعر منذ أحداث يناير ١٩٧٧ التي قدر لى أن اشترك فى تحقيق بعض القضايا التي نتجت عنها ولقد أنصفت فيها من كان يستحق الإنصاف وهم كُثر كما كانت توصيني دائمًا أم مريم .
كنت أقضى عندها معظم فترات الليل بل وكنت أحيانًا عندما يشتد بها المرض أقضي الليل كله عندها قائمًا عند قدميها وأنا أردد فى نفسى: " طوبى للغرباء .. طوبى للغرباء ... !
كان اليوم هو الأحد الأخير من شهر سبتمبر .
عند الصباح توجهت إلى أم مريم .
وجهها كان مشرق رغم أن جسدها بدا فى حالة وهن شديد .
لسانها بدا وكأنه يتمتم أكثر من أنه ينطق .
ابتسامتها لم تغادر وجهها رغم الحزن الطاغي عليه .
كل التناقضات كانت حاضرة .
الألم والسكينة .. الفرح والحزن .. الحياة والموت .
ما أصعب تلك التناقضات التي لا يمكن أن نستوعب حضورها بداخلنا .
كانت أكثر الكلمات وضحوحًا عندما قالت لى وهى تتشبث بيدى:
لا تتركني ياولدى .. لا تتركنى ... !
عندها بكيت كما لم أبكي من قبل وهي تحاول أن تربت على قلبي بعينيها المبللتين بالدموع .
ثم أخذنا الصمت .
لم يكن هناك داع لكلمات .
كان الصمت أبلغ .
كلانا قد فهم الآخر .
هي تطلب مني ألا أتركها وأنا فهمت ماذا تقصد .
إنها الوحيدة .. الغريبة ..
وصمت نبض قلب أم مريم .
وارتخت يديها بين يدي رخوة السكون الأبدي .
وارتجف قلبي كما لم يرتجف من قبل وأخذت أردد بما استطعت أن أستجمعه من كلمات مبللة بالدموع: لن أتركك .. لن أتركك ..
هكذا كان القداس الأخير..
طفل العاشرة الذى كان يلهو بأجواء الكنيسة مع الصبية بعد انتهاء الصلاة هو الذى يبكي أم مريم فى قداسها الأخير .
ولم أترك أم مريم كما أوصتني ..
مرت السنون وتغير كل شئ.
أصبحت قاضيا بمحكمة الاستئناف وانتقلنا أنا أمي إلى بيت جديد وأضحى عندى أسرة من زوجة وطفلة أسميتها مريم ولكني احتفظت بمنزلنا القديم ومنزل أم مريم وكلما اشتقت إليها جئت إلى هنا .. إلى شقتها الصغيرة..
اتلمس بقلبي كل شئ..
وكل الذكريات تتداعى أمامى في ترابط مذهل عجيب وعندما يضيق صدري ألقى بنفسي هنا فأرى طفل العاشرة وشاب العشرين ورجل الثلاثين ثم هذا الذى يخطو العمر به عقده الرابع وعند المغادرة أستمع إلى صوتها يتهادى إلىَّ من خلف الغمام يقول:
يا ولدي .. ردد دعاء يونس
ردد دعاء يونس..
فأقول: "لا إله أنت سبحانك"
تلك كانت قصتي مع أم مريم ..
تلك كانت قصتي أنا والقبطية .. !