حين يختبرك الله بالمنح: فتنة العطاء أعظم من فتنة المنع!!!!
اعتدنا أن نرى الابتلاء في صورة المنع، في الحرمان، في الألم الذي يحفر أثره في القلب. لكن القليل منا يدرك أن العطاء أيضًا اختبار، وأن فتنة النعم أشد من فتنة المصائب.
فحين يمنحك الله، فهو يراقب: هل ستشكر أم تطغى؟ هل ستزداد قربًا أم تغتر؟ هل ستدرك أن العطاء ليس لك، بل هو أمانة في يديك؟
النعم التي تُنسي صاحبها نفسه
كم من قلب انحرف بسبب رخاء لم يعرف كيف يحمله! وكم من يد كانت معطاءة حتى اختبرها المال، فقبضت على النعمة كأنها لن تزول! هناك من يسقط حين يواجه الشدة، وهناك من يسقط حين تفتح له الدنيا أبوابها، لأن الروح التي لم تتعلم الانكسار لله في وقت النقص، لن تحسن السجود له في وقت الوفرة.
التاريخ مليء بأمثلة لمن اختُبروا بالمنح، فسقطوا في الغرور، واستبدلوا الشكر بالنسيان. فرعون لم يكن رجلا فقيرا، بل ملكًا متوجًا، لكنه غرق في وهم الامتلاك حتى ظن نفسه إلها. وقارون لم يُسحق بفقره، بل بكنوزه، لأنه لم يدرك أن النعمة التي لا تصحبها بصيرة، تصبح لعنة على صاحبها.
العطاء مسؤولية لا مكافأة
كل ما يمنحك الله إياه ليس دليل رضاه عنك، بل هو وسيلة لاختبار قلبك.
إن كنت موهوبًا، فكيف تستخدم موهبتك؟ إن كنت ذا مال، فهل تراه أداة للخير أم حصنًا لك وحدك؟ إن كنت ذا سلطة، فهل ترفع بها المظلومين أم تزيد بها الطغيان؟
العطاء الحقيقي هو أن تملك الشيء دون أن يملكك. أن تعيش في النعمة دون أن تغرق فيها. أن تدرك أن كل ما في يديك سيزول يومًا، ولن يبقى منه إلا ما أنفقته في الخير.
حين يمنحك الله، فإنه يسألك...
ليس السؤال عن كم تملك، بل عن كيف تتصرف فيما تملك. ليس عن عدد الفرص التي أتيحت لك، بل عن عدد الفرص التي منحتها لغيرك.
"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"
فالنعمة ليست مقاما للراحة، بل ساحة للاختبار. وإذا أعطاك الله، فلا تظنن أنك ناجٍ، بل تأهب لأن تُسأل: ماذا فعلت بما أعطيت؟