ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كان قدر الإمام الأكبر أن يتولى مشيخة الأزهر في مرحلة غير مسبوقة في تاريخنا العربي؛ فبعد توليه بعام تقريبا اندلعت في عالمنا العربي بداية من تونس ما أطلق عليه فيما بعد أحداث الربيع العربي، والذي لم يكن في حقيقته إلا تخطيط غربي لتغيير خارطة منطقتنا العربية لرسم ما أطلقوا عليه الشرق الأوسط الجديد، وبطبيعة الحال فإن مصرنا  في صدارة الدول التي كان يراد لها أن تدخل في حالة من الفوضى التي أطلق عليها الغرب أيضا الفوضى الخلاقة، وحين وصلت موجة الهرج والمرج مصرنا، انقلب حال مصرنا من الهدوء والاستقرار إلى حالة من الفوضى والأحداث الدامية، وانتشر التخريب للممتلكات العامة والخاصة، وأمام هذا الطوفان قرر الرئيس السابق محمد حسني مبارك التنحي وتكليف المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد، ومع أن الأزهر الشريف كغيره من مؤسسات الدولة كان مستهدفا، وكان شيخه الأكبر على قائمة اغتيالات هذه الجماعات التخريبية، إلا أن أزهرنا لم يكن ليتخلى عن دوره الديني والوطني، فجمع الأطراف التي حاولت أن تقود المشهد في رحابه محاولةً لصرفهم عن استخدام العنف والتحاور السلمي الذي يرفع راية مصر أولا، ويقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية والفئوية، وأصدر الأزهر بقيادة إمامه العديد من البيانات التي تحرم الدماء والأموال، وتحذر من الانقسام والانسياق وراء توجيهات خارجية لا تريد لمصرنا إلا السقوط، وبفضل عناية الله وحفظه لبلدنا كللت جهود الدولة المصريَّة ومؤسساتها وفي مقدمتها الأزهر والكنائس المصريَّة بقيادة المجلس العسكري في إفشال المخططات الغربية، وبقيت مصرنا دون تغيير أو تقسيم، وبفشل مخطط إسقاط مصر فشل المخطط الكبير لمنطقتنا بل لشرق أوسطنا، وإن كنا قد تكبدنا كثيرا من خسارة الأرواح والأموال عامة كانت أو خاصة، فانتظمت مؤسسات الدولة وقيادتها السياسية؛ ليعود وطننا إلى مكانته الطبيعية ميزان استقرار وتنمية لمنطقتنا العربية بكاملها، وبعد الهدوء والاستقرار الأمني توجه شيخ الأزهر لتكوين كيانات تدعم الاستقرار والأمن المجتمعي، بل وتتخطى حدود المحلية إلى الإقليمية والعالمية، فبعد اعتداءات على بعض الكنائس المصرية وبخاصة كنيسة القديسين بالإسكندرية، قرر شيخ الأزهر تأسيس بيت العائلة المصريَّة، هذا الكيان الذي أسسه الإمام الأكبر في 2011م،ويعملُ هذا البيت الفريد من نوعه على منع الفتن الطائفيَّة ووأدها إنْ هي أطلتْ برأسِها، ونشر ثقافةِ التعايشِ في ظلِّ المواطنة الكاملة التي لا تفرقُ في الحقوق والواجبات بين أبناءِ الوطن الواحد، ومقر هذا البيت قلب مشيخة الأزهر بالقاهرة، وهو المقر الذي يقود منه الإمام الأكبر الأزهر بجهاته كافة، كما أطلق مجلسَ حكماءِ المسلمين و يترأسه الإمامُ الأكبرُ شيخ الأزهر، وقد وُلِدتْ فكرتُهُ في رحاب الأزهر الشريف، ومقرُّه الدائم في دولة الإمارات العربية المتحدة، ورسالةُ هذا المجلس التي أُعْلِنَتْ عندَ إطلاقِه في 19 يوليو 2014م هي: نشرُ السِّلم بين الناس وتعزيزُ ه، وإعلاء مبدأ المواطنة أساسًا للتعايش، والعملُ على نزع فتيل الأزمات، وتجنب استخدام القوة لحسم الصراعات، كما يعملُ على إخمادِ نيرانِ الحروب إنْ هي اشتعلتْ، حيث يطالبُ المتقاتلين بالجلوس على موائد الحوار؛ لإنهاءِ خلافاتِهم سلميًّا، كما أطلقت وثيقة الإخوة الإنسانية التي تحولت إلى هيئة الأخوة الإنسانية، وقد وقَّعَ بنودَ وثيقتها الإمامُ الطيبُ وبابا الفاتيكان في عاصمة دولة الإمارات العربيَّة أبو ظبي في 4 فبراير 2019م، ويظهر من اسمها أنها تهدف إلى العمل المشترك بين أتباع الديانات والثقافات كافة في ضوء المشتركات الإنسانية، والتي لا تختلف عليها الرسالات السماوية، ولا حتى الثقافات البشرية، كما أطلق الإمام الأكبر جولات حواريَّة بين الشرق والغرب، فعقد الأزهر الشريف العديد من الحوارات بينه وبين الكنائس الشرقية والغربيَّة، قادها شيخ الأزهر بنفسه، في مصر وخارجها ، ولا يزال فضيلةُ الإمام الأكبر حاملًا عصى التَّرحال يطوفُ في شرق العالم وغربه باحثًا عن السلام العالميِّ وداعيًا إلى التعايش بين البشر كافة في ظل المواطنة الكاملة، لاسيما بعد عودة الحوار بين الأزهر والفاتيكان في عام 2016م، كما عقد الأزهر الشريف سلسلة من المؤتمرات والندوات التي تسعى لإقرار السلم المجتمعي والتعايش بين المواطنين على مختلف انتماءاتهم ومنها: مؤتمر الحرية والمواطنة – التنوع والتكامل، في 28 فبراير 2017م؛ ليطلق فيه هذا المبدأ ويؤكده ويخاطب القادة وأصحاب القرار بإرساء هذا المبدأ، واعتبار الأقليات في دولها تقف على قدم المساواة مع مواطني دولهم يستظل الجميع بظل المواطنة الكاملة، وترسيخا لهذا التوجه عقد مجلس حكماء المسلمين برعاية ملك البحرين حمد بن عيسى في 2022م في عاصمة البحرين المنامة مؤتمرًا حاشدًا دعا فيه الإمام الكبر في حضور بابا الفاتيكان إلى حوار إسلامي إسلامي بين المسلمين كافة على اختلاف مذاهبهم العقدية والمذهبية، وهو ما تحقق قبل شهر في المنامة أيضا حيث عقد مؤتمر الحوار الإسلامي الإسلامي، أمة واحدة ومصير مشترك، شارك فيه المسلمون سنَّة، وشيعة، وإباضية، وتمحور حول قضية واحدة وهي العمل المشترك لمجابهة التحديات، دون التعرض إلى مناقشة القضايا المتعلقة بالتوجهات العقدية أو المذهبية، ونظرا إلى النجاح الكبير الذي حققه هذا المؤتمر، قرر الإمام الأكبر عقد نسخته القادمة في القاهرة، ومازال إمامنا الأكبر - حفظه الله - يصل بين الليل والنهار في عمل لا يقوى عليه الشباب- متعه الله بالصحة- من أجل الإنسانية وقضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وموقف الأزهر من أحداث غزة المنكوبة يعلمه القاصي والداني، وهو موقف يتناغم مع موقف الدولة المصرية، وكل حر في عالمنا على ندرتهم.
حفظ الله مصرنا وأزهرها وعلماءه وشيخهم الأكبر.

تم نسخ الرابط