كان فضيلة الإمام الطيب، يحتل مكانة عظيمة من قلب الدكتور المحرصاوي، وكان إذا تحدث عن هذا الحب فإن الكلمات كانت تعجزه - وهو البليغ الفصيح - عن التعبير عما يموج في قلبه من مشاعر حبه لفضيلته، فكم حكى من حكايات عن تعامل فضيلة الإمام معه وبخاصة في سفرياته معه خارج الوطن ؟ وكيف كان فضيلته لا يستريح ولا يطمئن إلا إذا اطمأن على الوفد المرافق له فردا فردا، وكم حكى عن مممازحات الإمام معهم ليخفف عنهم لأواء السفر والبعد عن الوطن.
كنت أراه- وهو يتحدث عن فضيلته عند استقبال الرؤساء والملوك له- تبدو عليه ملامح الزهو والفخر، بهذه المكانة التي وصلت إليها مؤسسة الأزهر بفضل شخصية الإمام التي اكتسبت احترام وتقدير كل المسلمين في كل أنحاء العالم،
كان فضيلة الإمام بالنسبة له ليس رئيس مؤسسة، هو يشتغل تحت قيادته، بل كان يرى فيه أبوة حانيةكان يفتقدها، وإنسانية كان يحتاجها، وقلبا يحتويه عند الملمات والشدائد.
كان يشعر أنه طالما في عهدة الإمام، ومحط ثقته فهو في أمن وأمان واطمئنان، وكان هذا يدفعه ليعمل بالليل قبل النهار وهو مطمئن أن هناك من يدعمه ويسانده؛ لأن الإمام كان يعرف فيه إخلاصه في العمل، وكان يدرك أنه لو أخطأ، فإن الإمام سيحتسبه له على أنه خطأ المجتهد- هكذا كان يقول - ولذلك فقد انطلق بهذه الثقة محاولا بكل جهده أن يجعل الجامعة في مصاف الجامعات العالمية، وقد فعل وحصلت الجامعة في عهده على تصنيفات عالمية عالية، ثم خرج إلى المعاش والجامعة في سباقها - ولا تزال- نحو التميز ، ويأبى الإمام أن يجعله يستريح ليلتقط أنفاسه- كما كان يريد - فأسند إليه رئاسة أكاديمية الأزهر لتدريب الأئمة والوعاظ، وبمجرد استلامه لها وكأنها قد مستها نفحة إلهية من النشاط والحيوية ففي شهور قليلة استطاع المحرصاوي بهمته وعزيمته، أن يجعل لها مقرا مستقلا يليق بها عبارة عن دور كامل في مجمع البحوث الإسلامية، ثم تسابق إليه أهل البذل والعطاء ممن يعرفونه ويثقون فيه فقاموا بتجهيز المبنى، من قاعات، ومكاتب ، وفرش، وشاشات، وسبورات الكترونية، وكاميرات مراقبة، ثم بفكره الاستراتيجي ورؤيته السديدة للدور العالمي الذي يجب على الأكاديمية أن تنهض به - أحدث تطويرا في الدورات التدريبية ، فنوع فيها، وفتح لها مجالات متعددة، جعلت كثيرا من الدول التي تتابع نشاطها عن كثب ترسل دعاتها وأئمتها للتدريب في الأكاديمية، وكان آخر دورة تدريبية للوافدين من سبعة دول - عدد منها لم يسبق له إرسال أي إمام للأكاديمية- تلك الدورة - للأسف- لم يشاهد حفل تخرجها ، لأنه كان قد ارتقى إلى هناك إلى روح وريحان وجنات نعيم.
وعلى إثر نعي الناعي بخبر وفاته هبت المؤسسة بكل مكوناتها (مشيخة وجامعة) بعد أن أصدر فضيلة الإمام توجيهاته بأن يكرموا مثواه بكل ما وسعهم الجهد، وأن ينفذوا كل ما يريده أبناؤه، ولم يتأخر رجال المؤسسة- جزاهم الله خيرا - على بذل كل الجهد لتكريم الجسد النقي الطاهر، فقامت إدارة الجامعة بقيادة رئيسها المبارك ونوابها الكرام، وكثير من العاملين بها بتقديم كل جهد لتكون الجنازة حتى تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير بما يليق بمقامه رحمه الله، فتهيأ الجامع الأزهر لاستقبال الجثمان وجموع المشيعيين الخفيرة وعلى رأسهم القيادات الوطنية، وممثلي الدول العربية والإسلامية، ثم أقامت له الجامعة سرادق عزاء يليق بمقامه كعالم من أهم رجالات الأزهر الشريف في العصر الحديث خدم جامعته بكل تفان وإخلاص حتى احتلت المكانة التي تليق بها بين جامعات العالم.
رحم الله العالم الجليل، والإداري القدير الدكتور المحرصاوي وأسكنه فسيح جناته.