ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

إن صنع السياسات في الولايات المتحده الأمريكية لا يخضع بالمطلق لعقلية الرئيس، وطرق تفكيره، ولا حتى الفريق المعاون له في العمليه الإنتخابية،  ولا مستشاريه بعد الفوز ،وإنما للأمه الأمريكيه تقاليدها العميقه ، والمتجذره في إتخاذ القرارات ، التي هي في الأصل والأساس مجموعة أفكار صادره عن خزانات التفكير ، ومراكز البحوث والدراسات ، يتم تدويرها في أروقة الجامعات، والمؤسسات الحكوميه ، والمستقله، ثم ينحاز الإجماع إلى المرشح :( أراؤه- برنامجه - سيكولوجيته - خلفيته الاجتماعيه والثقافية- انحيازاته....إلخ ) الذي يلائم ما تحتاجه الولايات المتحدة الأمريكية في كل مرحلة من تاريخها ، ومع صعود ترامب للولاية الثانيه ارتبطت قراراته بمشروع هيريتيج للحكم مع بداية العام ٢٠٢٥م ، رغما عن أنه كان حريصا على ألا ترتبط توجهاته بهذا المشروع أثناء حملته الانتخابية، فإذا بالعالم يفاجئ بأنه يطبقه حرفيا ، ما جعل مراكز الأبحاث والجامعات في العالم تعود إلى هذا المشروع ، ودراسته لمعرفة انعكاساته على دولها ،ومن ثم  يأتي هذا المقال مقدمة لأن يكون المشروع المشار إليه موضع الإهتمام في البحوث العلمية،  ورسائل الماجستير والدكتوراه في كلية الدراسات الأسيويه العليا بجامعة الزقازيق، لاحتوائه - أي المشروع - على التصورات السياسية ، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية الصادرة عن مركز الدراسات الأسيويه بمؤسسة هيريتيج العريقه....!!!

رونالد ترامب لايرى غير نفسه ، وقد ساقته الأقدار لأن يكون الرئيس لأكبر وأهم دولة في العالم ولدورتين رئاسيتين، رغما عن كل المغالطات،  والمخالفات التي ارتكبها ، والعدد الهائل من التحقيقات، والملاحقات القضائيه، في كل أنواع الجرائم، من تهرب ضريبي إلى فضائح غير أخلاقية، مرورا بجريمة اقتحام الكونجرس والتحريض على البلطجه،  والعنف ،إلى آخر هذه الموبقات،  ومع كل ذلك عاد لينتقم، ولم يجد ما يساعده على توجيه الضربات المرتده لكل خصومه سوى من خطة هريتيج الجاهزه ، والمعده سلفا كمشروع للقياده، والتي تعتمد في جوهرها على مجموعه من التحليلات العميقه. 

يريد الجميع أن يعرف لماذا يتصرف رونالد ترامب على هذا النحو من الفجاجه،  والغطرسه، وقد ألقى السياسة وما تتطلبه وراء ظهره ؟؟

لماذا يبدو كممثل بارع قد تقمص الشخصية الكاسرة الآسره ، والدور الذي كتب له بعناية فائقة من حكومة العالم الخفيه ، وتجمع المال والأعمال؟

لماذا نجح في الإنتخابات، وكيف ؟ وهو الملاحق بأكثر من ٤٥٠ قضيه مختلفة التنوع من الجرائم التي قدم بها للعداله ؟؟!!

من مجالات عمل هيريتيج: ( مجلة مراجعة السياسات - كتاب التأثير تفويض القياده - محور التجريب الإستراتيجي مركز الدراسات الأسيويه ١٩٨٣م - شبكة سياسات الدول ١٩٩٢م - مؤشر الحرية الإقتصادية ١٩٩٥م - الإشارة اليوميه ٢٠١٤م - مشروع الحكم ٢٠٢٥م)

ينتهج مفكروا هيريتيج نهجا ثوريا استبداديا يدعونه استردادا أميركا ، إذ بعد كل هذه المظالم حول العالم ، والقرصنة الممنهجه لاقتصادياته تحت مزاعم من أن الرأسمالية المتوحشه يجب أن تجدد نفسها باضطراد،  يرون أن الحضارة الأنجلو سكسونيه كانت معطاءة أكثر مما ينبغي ، لابد من التخلي عن السياسات التي كبلت أميركا منذ ستينيات القرن الماضي ، وتتجلى المزاعم الإمبراطورية الجديده لأفكار ومعتقدات هيريتيج فيما يلي:-

- توسيع صلاحيات الرئيس بحيث أن جميع الموظفين الفيدراليين خاضعين حكما لسلطة الرئيس ، بما في ذلك وزارة العدل من أجل السماح لرونالد ترامب بمقاضاة منافسيه السياسيين ، حتى لو جاء ذلك على حساب قتل الكفاءات ،بل قتل الديمقراطية الأمريكيه الأمثوله...!!!

- إستبدال موظفي الخدمه المدنيه الفيدراليه القائمه على الجدارة بأشخاص موالين لترامب : ( تفكيك البيروقراطية الحكوميه ببناها وتقاليدها العميقه ) 

- السيطرة الحزبية على الوكالات الحكوميه الرئيسيه، بما فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي في وزارة العدل، ووزارة التجارة، ووزارة الأمن الداخلي ،بمعنى التحصين شبه الكامل من ملاحقات الخصوم المنافسين والمحتملين ...!!!

- خفض الضرائب على الشركات ، وفرض ضريبة دخل ثابته على الأفراد ...!!!

- معارضة أي مساعدات عسكريه للخارج بما في ذلك إلغاء الدعم المقدم لأوكرانيا وقيمته ٤٠ مليار دولار ، ولعل هذا ما يفسر صراخ ترامب في وجه زلينسكي عند زيارة الأخير له ، وتحميل سلفه بايدن مسؤولية هذا الدعم الخاطئ...!!!

- يدعو مشروع هيريتيج إلى ما يسميه دعاته : ( سياسة تجارية عادله للرسوم الجمركية المتبادلة ) الأعلى على الإتحاد الأوروبي،  والصين ، والهند،  لتحقيق التوازن التجاري ، ما دفع ترامب إلى المغالاة في فرض رسوم جمركية باهظة على كل دول العالم،  إتجاه أحدث ضجه عارمه لم يسهم فقط في تقويض الإقتصاد الأمريكي ،وإنما ضرب التحالفات ، والتجمعات الإقتصادية حول العالم في الصميم ، وأصابها بالارباك الشديد...!!!

خطة هيريتيج صادرة عن أحد أهم مراكز التفكير في الولايات المتحده الأمريكية المعنيه بإحياء التقاليد العتيقه التي جعلت من هذه الأمة تتسيد العالم ، وتدير شؤونه من خلال قوى المركز العملاقه ، وبخاصة ثالوث الإقتصاد : ( البنك الدولي- صندوق النقد الدولي- منظمة التجاره العالميه ) ، وعلى الرغم من أن الخطه،  والتصور الذي يقع في ٩٠٠ صفحه صادرين قبل تولي ترامب ولايته الثانيه ، إلا أنه وفريقه قد تلقفاها كإستراتيجية جاهزه للعمل بموجبها ، والتي من أهم أولوياتها مايلي :

- إعطاء المسؤولية ، والإدارة، والمهام لذوي الحظوه من أهل الثقه، الذين بمقدورهم خدمة أفكار الرئيس ، وشرعنتها، رغما عما قد يعتريها من مناحي قصور،  أو عدم معقوليه، أو حتى فساد أخلاقي، وقيمي كبير...

- العوده إلى مبدأ منرو القديم المؤسس ، والذي قوامه الأساس:( أن أميركا للأمريكيبن ) ولا مكان فيها للرحمه، أو الإنسانية، أو مبادئ العدل ، والحقوق،  وغيرها من الشعارات التي لم تعد تتناسب وقوة العظمة والكبرياء الأمريكيين .

- يستتبع هذا التجرد أن تكون مشاريعها الخارجيه لايلزمها إجماع دولي ، أو حتى موافقات من مجلس الأمن ،أو البحث عن تبرير أخلاقي يقبله رومانسيوا السياسه حول العالم من النخبه المفكره التي عليها أن تعمل وفق الرؤيه الأمريكيه. 

- أن القوى الراديكاليه من الجماعات ، والفواعل السياسيه من غير الدول ، ومن الدول عليها أن تجلس أمام الرئيس الأمريكي الذي يحكم العالم لا جلوس الند للند، وإنما في وضع القرفصاء ،والاستجواب كالمتهم الذي عليه أن يعلن كل فروض الولاء والسمع ، والطاعة العمياء مثلما هي الحاله التي جسدها الرئيس الأوكراني  زلينسكي .

- أن الدول والحكومات المارقه والتي شكلت خرائط ومعاقل للشر،  ومارست التخريب في الجيوستراتبجي الأمريكي ينبغي عدم التفاوض معها ففي ذلك وفق خطة هيريتيج مضيعة للوقت ، وانتقاص من هيبة أميركا،  ينبغي أن تدك رأسها دكا دكا ، يستوي في ذلك كلا من:-

  - حركة حماس الفلسطينيه

   - جماعة الحوثي في اليمن 

   - المرشد الإيراني،  والحكم في إيران 

- التعويل على دول إقليميه صديقه لهندسة تبريد المنطقة من الصراعات إذا ما كان في ذلك مصلحة لأميركا،  ومن هذه الدول :( مصر، والسعوديه ، وتركيا،  وقطر ، والإمارات العربية المتحدة ) ، وهؤلاء هم الحلفاء التاريخيين،  ولكن عند حالات الاستقطاب العنيف ، تتوخى أميركا الحذر في قضايا مثل:

    - رفض مصر لتهجير الفلسطينيين من غزه ،أو أن تكون سيناء هي الوطن البديل

  - الاشتباك السعودي الحوثي حول مستقبل اليمن ، وعدم وصول عاصفة الحزم إلى مبتغاها

  - اشتباك مصالح الإمارات في الصراع الداخلي في السودان ، وإصرار الجيش على وجود مساعدات عسكرية إماراتية لقوات الدعم السريع التي يعتبرها متمرده،  وميلشيا خارجه عن القانون

  - اشتباك تركيا في أكثر من ملف يختص بالرعايه الأمريكيه المطلقه مثل : ( الأكراد في سوريا والعراق،  قوات فجر ليبيا الإخوانية في طرابلس ، ومشكلات غاز المتوسط )

 

- الدين في منظومة هيريتيج للقرن الحالي ... منذ البدايه حدد ترامب موقفه من الأديان ، وكان عرابوه هم مؤسسوا الفهم الإبراهيمي كمخرج أخلاقي من صدام الحضارات ، وبرعايته، وفي ولايته الأولى تم عقد سلسلة من الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة ثم البحرين، وأقيم المجمع الإبراهيمي في دولة الإمارات ليجسد قدرة الأديان على التعايش ، دونما صراع ، غير أن هيريتيج للقرن الجديد ، تعتقد أن الانحياز لإسرائيل يجب أن يكون له حدود ، والانتصار النهائي منعقد بالضروره لمصلحة الحضارة الأنجلو سكسونيه، وأن الحضارات جميعها إلى زوال- بحسب مفكروا هيريتاج - عدا المسيحية،  وما وظيفة أي رئيس أميركي إلا وضع لبنه في هذا الطريق الطويل الشاق،  والصعب ، لتهيئة الأرض لعودة المسيح عليه السلام ليحكم الألف سنة السعيده، وبحلول منتصف مايو ٢٠٢٥م سيقوم ترامب بزيارة كلا من السعوديه ، والإمارات، وقطر كإجراء من إجراءات الدبلوماسية الروحيه لتوسيع نطاق الاتفاقات الإبراهيمية لينضم إليها فاعلين دوليين جدد مثل السعوديه ، وتركيا ، وقطر  ...!!!

- الدراسات الأسيويه في خطة هيريتيج للقرن الجديد ستنصرف بحكم الضروره إلى حيث الكلمات المفتاحية،  والأفرع الرئيسيه التي تضمنت ما يلي:- 

  - إعادة النظر في تقاليد الحكم وتطوير الواقع التاريخي العتيق...

  - أليات الدفاع المشترك ، وتطوير شراكات بين الجيوش ومؤسسات الأمن الداخلي...

  - الرعايه العامه في الزراعه ، والتعليم ، والطاقه، وحماية البيئة من ضروريات الاستحداث ، والتطوير لبرامج جديده ، وعصريه...

  - الإقتصاد:- يحتاج إلى ثوره غير تقليديه،  بحيث أن الاحتيال البرئ ، وتدوير رأس المال وفق المنظومات الليبرالية الكلاسيكية قد وصلت إلى نهايتها ، لابد من استحداث طفرات جديده ، وأولها مضاعفة الرسوم الجمركيه، وأن الصدمه والمفاجأة والارتدادات السلبية على الإقتصاد الأمريكي يمكن أن تؤجل العلاجات لكن لاتعني التراجع أبدا....

  - الوكالات المستقله،  وهنا يعمل ترامب لحساب رجال المال والأعمال ، وهو على رأسهم ، صون الحقوق المتحصله من نجاحات إقتصادية فرديه لأن ذلك وحده ما يحقق الوعود التي تضمنها خطة هيريتيج  ، وهي : ( رفاهية الأسره... تفكيك الأطر العميقه للدولة الإداريه... سيادة الأمه وحدودها... الحريه الفرديه واكتساب المزيد من الحقوق )...!!

من صميم شواغل أميركا في خطة، ومؤسسة  هيريتيج قارة أسيا ، ولذلك خصصت لها مركزا للبحوث والدراسات ضمن دوائرها العامله، ففي أسيا رجع الصدى للسياسات الأمريكيه حول العالم  فهناك :-

- النهوض الصيني ومايمثله من تحديات إقتصادية  مستقبلية للقوه الأمريكيه ، وهي الدوله التي تجرأت على إنشاء تجمع البريكس كبديل محتمل لكل من يفكر في مقاومة نزعة الهيمنه للدولار ،والبعد عن المركز ...!!!

-  روسيا بوصفها الدولة التي ورثت عن الإتحاد السوفيتي قوته وهيمنته  ،ولا زالت قادره على المنافسه العسكريه ،ولديها تقاليدها، ومصانعها،  وتحالفاتها التي باستطاعتها تأجيج حربا بارده جديده على نار هادئة....!!!

- إسرائيل وما تمثله من أهمية لصانع القرار في أميركا ، والاستحواز على أصوات الناخبين اليهود من رجال المال والأعمال ، فضلا عن المؤسسات اليهوديه الداعمه للسياسات الأميركية ..!!

- دول الخليج حيث الحلفاء التاريخيين ، وأكبر قاعدة أميركية خارج الولايات المتحدة الأمريكية في السيليه وخور العديد بدولة قطر ، والدعم المادي اللامحدود من السعوديه والإمارات العربية المتحدة...!!!

- دول مهمه في التفاعلات التعاونية والصراعيه مثل تركيا ،وإيران،  وكوريا الجنوبية والشماليه،  والهند ، وماليزيا ، وباكستان ثم فلسطين وما تمثله من الاستقطابات الحاده والعنيفه بين العرب وإسرائيل وأميركا ....!!!!

- مصر هي الدولة المركزيه المحوريه المعنية بكل ذلك ، ورغما عن أنها دولة أفريقيه تعتز بامتدادها الأسيوي بنص الدستور، إلا أنها الدولة الفاعله في كل هذه المحاور والملفات، والتفاعلات التعاونيه التي تحتاجها الولايات المتحدة الأمريكية في أسيا لثبات سياسه مصر الخارجيه على إحترام المواثيق الدولية ، وعدم التدخل في شؤون الدول ، والحفاظ على تماسك الجيوش العربية ، ودعم الأزهر الشريف في رسالته حول العالم بوصفه المرجعية السنيه للوسطية والإعتدال، والوقوف في وجه مشاريع التفكيك للدوله القوميه ، ومحاربة الفكر التكفيري ،ومقاومة الإرهاب والتطرف ، ولديها أكبر جيش في المنطقه ،وعدد هائل من الجامعات ، ومراكز البحوث ، والقوه الناعمه في الثقافه ،والفنون ، والأداب ، فهي بلد التأثير الفعال والنافذ في كل دول المنطقه ....!!!!

- أميركا تريد أن تخلد ذكراها في التاريخ بل تريد أن تختزل التاريخ في شخصها، ويعتقد دعاتها بأن التأريخ ينتهي بنهاية أميركا ، فكما كان هناك قرون قد ارتبطت بالدول والحضارات مثل : ( الإمبرياليه الروسيه - الهولنديين- البرتغاليون- الهند-  العثمانيون - البريطانيون - الفرنسيون ... وغيرهم ) تريد أن يكون هذا القرن الذي نعيشه قرنا أمريكيا خالصا،  ومشروع هيريتيج يؤسس،  ويؤصل لذلك : ( القرن الأمريكي الجديد )...!!!

تم نسخ الرابط