الشُهْرَةُ.
الشُهْرَةُ مَظْهَرٌ اِجْتِمَاعِيٌّ يُصْبِحُ بِهِ المَشْهُورُ مَعْرُوفًا بَيْنَ النَّاسِ، سَوَاءً كَانَتْ هَذِهِ الشُهْرَةُ عَلَى نِطَاقٍ ضَيِّقٍ كَحَيٍّ أَوْ مَدْرَسَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ عَلَى مُسْتَوىً أَوْسَعْ كَالشُهْرَةِ بَيْنَ طَلَبَةِ العِلْمِ أَوِ بَيْنَ الأَطِبَاءِ أَوِ المُهَنْدِسِينَ ومن في طبقتهم ،أَوْ تَكُونُ عَامَّةً عَلَى مُسْتَوَى البَلَدِ أَوِ عَلَى مُسْتَوَى العَالَمِ.
وَالشُهْرَةُ قَدْ تَكُونُ فِي أَمْرٍ مَحْمُودٍ كَالشُهْرَةٍ بِالعِلْمِ أَوِ الصَّلَاحِ أَوْ نَفْعِ النَّاسِ أَوِ المَهَارَةِ فِي صَنْعَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَقَدْ تَكُونُ الشُهْرَةٌ فِي أَمْرٍ مَذْمُومٍ كَمَنْ يَشْتَهِرُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ يَشْتَهِرُ بِأَذَاهُ وَشَرِّهِ، أَوْ يَشْتَهِرُ بِسَبَبِ آرَاءٍ يُخَالِفُ بِهَا الدِّينَ وثوابته ومسلماته أَوِ الأَعْرَاف أو يشتهر بفن هابط مرذول أو غير ذلك من إسفاف.
ووسائل التواصل الاجتماعي من أخطر ما أنتجه العقل البشري في عصرنا المعاش ،بل هي أخطرها حتى أصبحت قائدة للمجتمعات ومؤثرة، وبزغ من خلالها مشاهير- كما قلت- ما بين قدوات، وبين هادمين لثوابت الدين -قولا أو سلوكا - أو مضيعين للقيم والأعراف الاجتماعية، فالمتأمل لوسائل التواصل عالمياً أو محلياً والمتابع لها، يجد ذاك المبتكر أو المفكر أو العالم وغيرهم ممن يستفاد منهم في النهضة والتقدم وهو يبث تلك الرسائل الإيجابية والمحفزة لمتابعيه، ويصنع منهم منتجين يسهمون في تنمية أوطانهم، فهؤلاء هم أصحاب رسالةسامية مثمرة، أخلاقهم سامقة وفكرهم ناضج، فهم نسمة ربيع تهب على العقول فتحييها علمًا ومعرفة وخلقا، جعلوا من تلك الشهرة سلمًا للصعود بفكر أفراد المجتمع إلى كل ما يحقق مستهدفات دينهم ووطنهم، وصنف آخر همه اللهو واللعب، وهدم القيم الثابتة والراسخة رسوخ الجبال ، قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ أَسْهَلُ عَلَى نُفُوسِ الشَّبَابِ فِي أُمَّةٍ حَدِيثَةِ الوَعْيِ مِنْ إِغْرَائِهِمْ بِالشُّهْرَةِ عَنْ طَرِيقِ الفَنِّ وَالرَّقْصِ.
ويقول - أيضا-: لَا يُعْجِبْكَ مِنَ الشُّهْرَةِ حَلَاوَةُ التَّصْفِيقِ؛ فَإِنَّ مَعَهَا مَرَارَةَ التَّصْفِيرِ، وَلَا مَدَائِحُ المُعْجَبِينَ؛ فَإِنَّ فِيهَا مَنَاوِحَ ــ جَمْعُ مَنَاحَةٍ ـــ الحَاسِدِينَ.
مرض التقليد:
ومنه صور الشباب البادية في المجتمع كرؤوس الشياطين، الذين قلدوا الشرقيين والغربيين في ملابسهم، وطريقة كلامهم وعاداتهم، فلا ترى إلا السلاسل في الرقاب، والمعاصم على الأيادي، والعلك في فمه، يحاكي الأنثى في أخص ما تميزت به من ملبس أو عادة أوتكسر وميوعة، ووقع كثير من شبابنا المسلم في وهدة التقليد، كأنهم في جهد حثيث لاستجلاب اللعنة الواردة في الحديث:" لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء"، وأثمر التقليد في بعض المجتمعات الراقية ماديًّا عن صور موغلة في التجافي عن التميز الإسلامي في الفكر والسلوك ونمط الحياة، فحالهم يصرخ بأن الغرب له السبق والحق في أن يقود الحياة في كل شأن:
وكان كعنز السوء قامت بظلفها
إلى مدية تحت الرماد تثيرها
إن الشباب هم قوة الأمة وعماد نهضتها، ومبعث عزتها وكرامتها، وهم رأس مالها وعدة مستقبلها، هم ذخرها الثمين وأساسها المتين، عزهم عزنا، وضعفهم ضعفنا، وخسارتهم خسارتنا؛ فدورهم في الحياة دور عظيم جدًّا، ومن يطالع سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجد أن معظم أصحابه كانوا شباباً، وكثيرا من أتباعه -عليه الصلاة والسلام -كانوا من الشُّبَّان الفتية، أصحاب الهمم العليا ، والنفوس الزكية، الذين زعزع الله بهم عروش كسرى وقيصر؛ فأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ما كان أصحاب النبي محمد
إلا شبابًا شامخي الأفكـار
من يجعل الإيمان رائده يفز
بكرامة الدنيا وعقبى الدار
يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «شاب نشأ في طاعة الله».
ولَمَّا كانت الأسرة أهم خلية يتكون منها جسم المجتمع البشري إذا صلحت صلح المجتمع كله ، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، وفي كنفها يتعلم الإنسان أفضل أخلاقه ،فلَمَّا كانت كذلك كان عليها العبء الأكبر في تقويم سلوك الفرد الذي هو لبنة من لبنات المجتمع ،وتوجيهه إلي النافع المفيد.
وكذلك دور الإعلام الهادف، والمدرسة والجامعة والجامع والمعلم والأستاذ والعالم، كل أولئك لهم دور عظيم مع الأسرة في تصحيح المفاهيم المغلوطة ،وتقويم المعوج بكشفه وبيان وجه الصواب.
وأخيرا أقول: إن المشاهير لهم انتشار واسع على مستوى العالم ومتابعتهم تتم بضغطة زر، ومن هنا تضاعف عبء المسئولية على كل راعٍ في أسرته وفي موقعه أن يجتهد في توجيه من يرعاهم ويبين لهم الحق من الزائف، وأن يرشدهم للصواب ويجتهد في ذلك ويربيهم على تقوى الله، وأن يغرس في قلوبهم القيم والعقيدة السمحة الصحيحة وحب الوطن وألا ينجرف إلى كل من يريد الإساءة للدين والوطن وهدم القيم والانحلال الأخلاقي والأدبي، كما يسأل الله لهم أن يحفظهم بحفظه ويكلأهم برعايته، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه