كانتْ قسوةُ أبي - رحمه الله - عليَّ أيام الطفولة والصبا عندما أُخطئ في فعل، أو أتجاوز في حديث، هي سببَ استقامتي فيما بعد، وحقا :
قسا ليزدجروا ومن يك حازما يقسو أحيانا علي من يرحم .
كنتُ في صغري - شأن أقراني - كقطعة صلصال لينة، يستطيعُ النحاتُ تشكيلَها قبل أن تيبس وتجف، فإن جفتْ صار من الصعب تطويعُها، وأعيت صاحبَها حيلُ تشكيلها .
أمسك أبي عصا تقويمي من المُنتصف، فكانت حالُه معي .. قسوة من غير قهر، وتدليلا من غير إفراط، فظللتُ مُستمسكا بمعاني الذوق والأدب والأخلاق طوعا أو كرها .
كانت أفراحُ العُرس، والليالي المِلاح أنشودتَنا في الصغر، فما إن ننطلق من بيوتنا كعصافير خرجتْ من أعشاشها، تُحلق في الفضاء الواسع، حتي نندسّ في حِلق الحريم، حيث تجلس إحداهن تُغني، وحولها بقيةُ النساء يُصفقن ويُرددن أغاني تتكرر في كل حفل كـ(نقوط) للعروس، من تلك الأغاني : ( ادحرج واجري يا رمان، وتعال علي حجري يا رمان)، ومثل : (يا اللي ع الترعة حود ع المالح)، ومثل : (عند بيت أم فاروق .. أي أي .. الشجرة طرحتْ برقوق .. أي أي)، وغيرها من أغانٍ شعبية يرددها كورال السيدات وأطفال ( الحِتة ).
أمَّا الحالُ مع العريس فكان مُختلفا، إذ يفرشُ أهلُه أمام البيت أو في (دوار) الناحية حصيرا مصنوعا من السمار، يجلس عليه المدعوون، يستمعون للمزمار البلدي، ويُدخنون الشيشة، أو ينفثون دخان السجائر، بينما يجلس (حَلّاق) الناحية علي كرسي من الخيزران أمام باب الدوار لاستقبال المدعوين، والترحيب بهم بعبارة: (وشوبش علي حياة العريس)، إذ كان هذا الحلاق ينتفض كمن مسَّه تيارٌ كهربي، أو لدغته أنثى عقرب، كلما وفد وافد، ويقول بأعلى صوته، بعدما ينفحه ذلك الوافد (قرش تعريفة) : ( وعمي فُلان - ذاكرا اسمه - عُقبال عنده)، وكلما كان عطاء المدعو سخيا، كان ترديد الحلاق لاسمه بصوت فيه تنغيم أوضحَ وأشدّ !
في هذه الأفراح،كان واجب الضيوف كوبا من (شربات الورد)، وسيجارة، يلتقطها المدعو من علبة سجائر يمر بها صاحبُ الفرح علي (المعازيم) .
وفي أحد هذه الأفراح، وبدلا من أن أتجه لحِلق السيدات، حيث الطبل والغناء للرمان والمالح وبيت أم فاروق، توجهتُ لبيت العريس، وجلستُ علي الحصير، أترقبُ احتفاء صاحب الفرح بي، بـ(كوب الشربات)، والسيجارة، وكانت الصدمة، إذ اكتفى لتحيتي بكوب الشربات فقط، و حرمني السيجارة لصغر سني، فظل شُغلي الشاغل هو كيف أحصلُ علي هذه السيجارة؛ لأفوز بواجب الضيافة كاملا شأني شأن الكبار !
ظللتُ سادر الفكر، أتحين الفرصة، وأبحثُ في رأسي عن وسيلة أستلُ بها سيجارة من علبة سجائر صاحب الفرح، ولكن هيهات هيهات، إذ أحكم الرجلُ عليها قبضته، وجعلها في شِغاف قلبه !
وبعقيدة الإصرار علي الهدف - التي كنتُ أتحلى بها صغيرا، و فارقتني كبيرا، وأجزم أنّ وراء ذلك عين حاسد - قلتُ لابد أن أبحث عن حيلة أخري؛ لأفوز بتلك السيجارة اللعينة !
فعزمتُ أن أُغافل أحدّ من فازوا بهذا العطاء الثمين، وحُرِمتُ منه لصغر سني .
كان الحلُّ عند عمي (رمضان) الذي نسي سيجارته بجواره، وانهمك في سحب الأنفاس من (الجوزة)، وكانت عبارة عن برطمان من الزجاج، عليه غطاء به فتحتان : إحداهما في المنتصف لتخرج منها ماسورةٌ من الخشب، يُثبت عليها حَجَر (المِعسل) وفوقه قطعٌ الفحم المتوهجة، والفتحة الثانية جانبية، يخرج منها عودٌ من الغاب المجوف، يشفطُ من خلاله المُدخِن الهواء، فيتجه الدخانُ من الحجر إلي البرطمان، ثم يصعد مرورا بقطعة الغاب ويخرج من فمّ المدخن وأنفه، فتعتريه حالة نشوة، وسطل، يقول بعدها: (مسا الخير)، إيذانا بانتقال ماسورة الغاب إلي فمّ مُدخنٍ آخر، وهكذا دواليك .
وصل عمي (رمضان) لحالة من الهذيان، نسي بسببها السيجارة بجواره، فتسللتْ إليها يدي، وألقيتها في (عبّي)؛ لأهرب بها إلي البيت، وأخلو بها خلوة غير شرعية، وساعتها سيكون لي معها شأنٌ آخر !
عدتُ بصيدي الثمين إلى البيت، وكان قاعا صفصفا لغياب والديَّ في الحقل، واستغراق أختي الكبري (فايزة) في النوم، فهرولتُ إلي المطبخ، وأحضرتُ علبة ثقاب، أشعلتُ بها السيجارة، والتقمتها بفمي، وأخذتُ نفسا عميقا، هيج رئتي، فانتابني سعالٌ حاد كاد يفلق قلبي، وتفارق بسببه روحي جسدي . استيقظتْ أختي فزعة علي صوت سعالي، فرأت احمرار وجهي، واغروراق عيني بالدموع، كما لو كنتُ ألفظ أنفاسي الأخيرة، فأسرعت بإحضار كوب ماء، وربتت على ظهري، حتى هدأت نوبة السعال بسبب ذلك النفس اللعين .
اطمأنت أختي لسلامتي، وأنني مازلتُ علي قيد الحياة، ولم أشعر بعدها إلا وأصابعُ كفها تهوي علي وجهي، وتصرخ بأعلى صوت : لابد أن يكون لأبيك معك موقفٌ .. أنت ولد (تَلفان) .
لم يُكذب أبي خبرا، أو يطل غيابه، إذ عاد لتوه من الحقل وكان لعصاه معي حديثٌ آخر بعدما قصَّت عليه أختي الخبر !