ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أَيَّتُهَا المَلِكةُ لَا تَنْزَعِي تَاجَكِ.

ما أحوجنا في زمننا هذا إلي مثل هذه المعاني ، زمن نبذ القيم والعادات والتقاليد ،وعصر استهلاك الأجساد، أجساد النساء في الفضائيات التي اختلط فيها الغث بالسمين وأصبحت المرأة سلعة تعرض للكسب المادي، ولم يعد لديها حق الرفض أو القبول فسطوة المال والشهرة والإغراء أعمتها عن صون كرامتها وحق جسدها عليها،حتى أصبحت مادةرخيصة لدى تجار الفيديو كليب وسوق النخاسة الجديد من الإعلانات الفاضحة والأفلام الهابطة، وصارت عرضة للطلب والعرض في بيوت الموضة وعالمها المريب ، وقد تمتهن كرامتها بإرادتها أو بإرادة غيرها.

وبعد أن صَيَّرَت المرأة نفسها قطعة لحم مكشوفة تسعى إليها الكلاب الضالة لتنهشها ثم تتركها جيفة.

نظرا لذلك كله أقول:

أيتها المرأة لأنت عند الله عظيمة ، وأصبحت ملكة متوجة في ظل الإسلام وأخلاقه ،وجعلك درة مصونة جميلة تهفو إليها النفوس السوية وتتمناها ؛ فتسلك في سبيل الظفر بها الطريق المرسوم ،وتحج إلي بيت طاهر هو سكنها.

ولما كانت النفوس السوية تميل إلي المصون وتحبه بل وتعشق المحفوظ وتتطلع إليه،كافأ رب العالمين أهل الجنة بحور العين، وجعل من جمالهن أنهن كالبيض المكنون فشبههن في بياضهن،وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان،فشبههن ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو الجلدة المُلْبَسة المُح قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها، وغير ذلك من صفات جمال الحور التي ذكرها القرآن الكريم وكلها تدور حول الحفظ والصون والعفة.

وأذكر أنني كنت أنصح الطالبات بالحشمة وارتداء ثوب الوقار، فأضرب لهن مثلا للمرأة المحجبة التي سترت نفسها وحجبتها عما يلوثها، فكانت بذلك مثل الجزار الذي لف لحمه بشاش أبيض جميل وحفظه من الذباب والناموس ، وغير المحجبة كجزار لم يعتن بلحمه ولم يصنه فتركه نهب الذباب والناموس ، فأي اللحمين تشتهين وتحبين أن تأكلي ؟!!!

وعلي الجانب النفسي فقدجبلت النفس البشرية علي الرغبة في معرفة كل مستور ،وتذهب فيه كل مذهب، ومن ثم قالوا: كل ممنوع مرغوب ،أما المكشوف فقد يشتهي شهوة بهيميّة ،ثم تعتاده العين فتزهد فيه ، وهذا ما نقرأ عنه في الغرب الذي يتفنن في الموبقات ،لا لأن الشهوة أشد ؛وإنما لأنها ماتت بالممارسة السهلة ، واعتياد العين لرؤية مفاتن المرأة فلم تعد مثيرة ،فراحوا يستثيرون تلك الشهوة الميتة بالتفنن في الموبقات بجميع أنواعها وأرذلها من مثلية وبهيمية وشذوذ... إلخ .

أرأيتم كيف صان الإسلام المرأة عن الابتذال وحفظ لها جمالها المعنوي وهو امتثالها لأمر ربها وانقيادها له ،وجمالها الحسي فجعلها مرغوبة في الحلال تشتهيها الأنفس السوية وتسعي إليها؟!!( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك ١٤)

وما كثر الطلاق إلا بسبب التفلت من عقال الدين ، والتخلي عن أخلاقه وشرعه. 

أما عن هذا المثل فله قصة ، ومعناه: لا تكون المرأة الحرة ظِئْراً - مُرْضِعة لولد غيرها- وإنْ آذاها الجوع، أي لا ترضع لبنها بالأجرة، ثم تأكلها، وهو مثل يضرب للذي لا يمنعه من صيانته شدّة فقره، ويروى "ولا تأكل ثدييها"، وهذا المثل أول من قاله الحارث بن سليل الأسَدِي، وكان حليفا لعَلْقَمَة بن خَصَفة الطائي، فزارَُه فنظر إلى ابنته الزَّبَّاء - وكانت من أجمل أهل دهرها - فأعْجِبَ بها، فقال له: أتيتُكَ خاطبا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب، فقال له علقمة: أنت كُفْءٌ كريم، يقبل منك الصَّفْو، ويؤخذ منك العَفْو، فأقِمْ ننظر في أمرك، ثم انكفأ إلى أمها فقال: إن الحارث بن سليل سيدُ قومه حَسَبا ومَنْصِباً وبيتا، وقد خطب إلينا الزبَّاء فلا ينصرفَنَّ إلا بحاجته، فقالت امرأته لابنتها: أيُّ الرجالِ أحبُّ إليك: الكَهْلُ الجَحْجَاح، الواصِلُ المَنَّاح، أم الفتى الوَضَّاح؟ قالت: لا، بل الفتى الوضاح، قالت: إن الفتى يُغِيرُك، وإن الشيخ يَمِيرُك، وليس الكَهْل الفاضل، الكثيرُ النائِل، كالحديث السنِّ، الكثير المَنِّ، قالت: يا أمتاه إن الفَتَاة تحبُّ الفتى كحبِّ الرعاء أنِيقَ الكَلاَ، قالت: أي بُنَية إن الفتى شديد الحِجاب، كثير العِتاب، قالت: إن الشيخ يُبْلِي شبابي، ويدنس ثيابي، ويُشْمت بي أترابي، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم، فابْتَنَى بها ثم رَحَل بها إلى قومه، فبينا هو ذاتَ يوم جالسٌ بفِناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبَلَ إليه شَبَابٌ من بني أسد يعتلجون فتنفَّست صُعَداء، ثم أرْخَتْ عينيها بالبكاء، فقال لها: ما يُبْكِيكِ؟ قالت: مالي وللشيوخ، الناهضين كالفُرُوخ، فقال لها: ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَجُوع الحرة ولا تأكل بثدييها.

ثم قال الحارث لها : أما وأبيك لرب غارة شهدتها ، وسيبة أردفتها ، وخمرة شربتها ، فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ،فعيرها ببيع نفسها لأجل المهر، ثم طلقها.

ومعني قولها: «الجحجاح»: السيد السمح. والميّاح: الكثير المعروف، ويغيرك يتزوّج عليك، ويعيرك: يميرك، ويعتلجون: يتصارعون. والحوقل: اللسن، والفنيخ: الضعيف الرّخو. وقول العامة: لا تأكل ثدييها، أي لا تأكل لحم الثدي خطأ لا وجه له، ويجوز على حذف مضاف تقديره أجر ثدييها أو ثمنهما، أو يكون على المجاز، كأنها إذا أكلت أجرهما فقد أكلتهما.

والتعبير بالفعل المضارع في قوله « تجوع» للدلالة علي تجدد هذا الحدث ،فيكون من كل شريف -رجلا كان أو أنثى - في كل زمن ، وفيه استحضار لصورة الحدث الأول له، أي في زمن وقوعه الأول ، وقيد المرأة بكونها حرة فقال « الحرة» للإشارة إلي أن هذه الصفة المفادة من الجملة تكون في الحرة ،وأنَّ مَنْ ترضي بالدنية ليست بحرة ، كالمرضعات اللواتي يٌؤجرن وهُن مرضعات يقمن برضاعة غير أطفالهن مقابل أجر، وقد كان ذلك شائعاً في الماضي ،وكان يُعدُّ عند العربي مَنقصة.

والمثل كله استعارة تمثيلية ،وإجراء الاستعارة أن يقال : شبهت هيئة كريم الأصل عزيز النفس، الذي لا يفضل الدنايا على الرزايا عند ما تزل به القدم - رجلا كان أو امرأة-، بهيئة المرأة التي تفضل جوعها على إجارتها للارضاع عند فقرها بجامع ترجيح ما ظاهره ضرر وفيه سمو النفس وشرفها على ما ظاهره نفع وفيه انحطاط وخسة في كل، واستعير الكلام الموضوع للمشبه به للمشبه، على طريق الاستعارة التمثيلية.

نسأل الله- تعالى- أن يوفقنا لما يرضيه عنا... آمين

تم نسخ الرابط