ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لم يكن خوفُ أخواتي عليَّ مُصطنَعا، ولا حرصُهم عليَّ مُتكَلَّفا، بل كان خوفَ طبع، وحرصَ فِطرة وجِبِلةٍ معا.

كنتُ الولدَ الوحيد، الذي عاشَ لأبوين كادحين لم ينالا أيَّ قَدرٍ من التعليم في المدارس النظامية، بل تعلَّما في مدرسة الحياة كثيرا من المُثل والمبادئ، وربَّوا أبناءهم علي تلك المبادئ، التي كان من أهمها القناعةُ والرضا بالمقسوم، فكانت أمي كثيرا ما تُقبل كفها بطنا وظهرا، وتُردد علي أسماعنا: الرضا بالمقسوم عبادة !

عشتُ - علي غير شطارة مني - لأبويَّ بعد موتِ العديد من الذكور لأمي في الشهور الأولي من الوضع، بل منهم من نَزلَ سَقطا، دونَ أن تَكتملَ به فرحتُها، فكنتُ - بفضل دعاء والديَّ - الناجيَّ الوحيدَ من براثن ذلك الشبحِ المُخيف (الموت)، الذي ما انفك يَسرقُ إخوتي الواحد تلو الآخر، تاركا أمي لا يرقأ لها دمع، بعدما عَجزتْ عن أن تأتي لأبي بولدٍ ذكر، يكون عَونًا له، وسندًا في تلك الحياة الصعبة، التي كان وما زال العيالُ فيها عزوة بحق .
ظل ظَهرُ أبي مُنكسرا - هكذا قالوا لي - حتي جئتُ للحياة فكستْ الابتسامةُ وجهه، وغطي البشرُ مُحياه، ومن قبله المسكينة أمي .
في بيتنا الريفي - الذي كان عبارة عن دَورٍ أرضي مبنيِّ من الطوب الأحمر، خلافا لمُعظم بيوت القرية المبنية من الطوب اللبن، وتعلوها (أطوافٌ) من روث المواشي الجاف، الذي يُستخدم كوقودٍ لأفران الخبيز بالمنازل - عشتُ كما يعيشُ الملوك والأمراء عيشة سؤدد، وأبهة وسط الخدم والحشم، إذ كانتْ كلُّ طلباتي من أخواتي البنات مُجابة، ولا تجرؤ إحداهُن علي أن تدوسَ لي علي طرف؛ لأنني كنتُ ديكَ البرابر، راسمَ الفرحة علي وجه والديَّ بعد طول انتظار وشوق !
كنت إذا شعرتُ بالعطش هرولت إحداهن تُسابق الريح لتجيء لي بالماء قبل أن أطلب، وإذا اشتهيتُ الطعام تبارين جميعا في تجهيز (المحمر والمشمر)؛ مخافة أن أُخبرَ والديَّ - خاصة أمي رحمها الله - بأنهن تأخرن في خدمتي، فيكون عقابُهن وخيما !

في أحضانِ أسرتي، عشتُ حياةَ ترفٍ ونعيم، أأمر فأُطاع، وأطلب فأُجاب، وأتكلم فيسمعون، وأُغني رغم أن صوتي نشازٌ فيطربون لغنائى !

ورغم هذا النعيم، الذي حسدني عليه الكثيرون آنذاك، لم أكنْ أشعر بالسعادة الحقيقية، إذ كنتُ محروما من اللعب مع أقراني؛ مخافة أن يُصيبني ضررٌ ، أو يلحقَ بي مكروه .
كان خوفُ أسرتي عليَّ زائدا على الحدِّ، فكان أشبه بقيدٍ من حديد يعوق حركتي، ويُكبل حُريتي، بل ويقتُل فرحتي، التي كنتُ أختلسُها مراتٍ قليلة، ولفترات محدودة، حينما أُغافل أخواتي، وأنطلق إلي الشارع أثناء وجود والديَّ بالحقل .

كان الشارعُ عالمي المنشود، وطالما تطلعتُ إليه من شُرفة منزلنا، كما يتطلعُ السجينُ إلي عالم البَشر، ويعُدُّ الأيام والساعات في زنزانته انتظارا للحظة الإفراج عنه !

في ظهيرةِ أحد الأيام، غافلتُ أختي الكبري التي خَلدتْ للنوم بعد يوم عمل شاق، بدأ مُنذ الصباح، حيث قامتْ بتنظيف البيت وتنظيمه، و(تشميس) الفرش والغطاء، وتحضير طعام الغداء، وملء (زير) الماء من إحدى الطلمبات الحبشية المجاورة لنا بساقية (جبر)، وجبر اسم عائلة مشهورة بقريتنا، وتقوم كذلك بملء قِلال الفخار قبل رجوع أبويَّ من الحقل؛ للاستمتاع بشرب الماء باردا بعد الغداء في أيام الحر القائظ !
أقول: في ظهيرة ذلك اليوم، غافلتُ أختي، وانطلقتُ إلي الشارع ككتكوت كَسرَ جدار البيضة، وخرج يرفرف بجناحيه فرحا بذلك العالم الواسع حيث اللهو واللعب .
بعد شَوطٍ من اللعب، تفصدَ بسببه جبيني عرقا، آويتُ إلي ظل جدارٍ لأستريحَ بعضا من الوقت، وأستعيدَ نشاطي، هنالك مرَّ عليَّ شابٌ يُمسك بين سبابته والوسطي بسيجارة، يرفعها إلي فمه ليأخذ نفسا عميقا، فيخرج من فمه دخانٌ أبيض يتطاير .
أعجبني هذا المنظر، فعزمتُ علي أن أكتنه هذا المذاق، الذي جعل الشاب، يتراقص مع كلِّ نَفَس، فشرعتُ أقتفي أثره، وأتحسسُ خطاه، فكنتُ مثل ظله، أقف حينما يقف، وأسير حينما يسير، بل وأغذُّ في السير كلما أسرع الشابُ خطاه، أنتظر على أحرّ من جمر تلك اللحظة الحاسمة، التي يرمي فيها الشاب (عَقِب) السيجارة إلي الأرض فألتقطُه، وأضعه في فمي لأذوقَ ذلك الطعم، وأُخرجُ من أنفي ذلك الدخان الأبيض، الذي سرعان ما يختفي بعدما يرسمُ شبكة عنكبوتية !

مشي الشابُ مسافة طويلة، جعلتني علي يقين بأنني سأتوه عن البيت لا محالة، ولكني قُلتُ (ولو)، المُهم أن أظفر بهذا (العقب)، وساعتها سأكونُ قد فزتُ فوزا عظيما !

بعد طول انتظار، وكثرةِ تبتُلٍ ودعاء، تحققتْ أُمنيتي المنشودة، ورمي الشابُ عقب السيجارة من يده، فالتقتطه يدي، وقبل أن أضعَه في فمي، ألفيتُ أبي أمامي عائدا من الحقل، إذ كان الطريق الذي سلكه الشاب، هو نفس طريق عودته، وبدلا من الفوز بنَفسٍ أو نفسين من عقب السيجارة، أكلتُ(عَلقة) لم يأكلْها حمارٌ في مَطلع !
من غواية السيرة الذاتية
[email protected]

تم نسخ الرابط