ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

عائشة عبد الهادي ليست مجرد اسم في دفتر الحكومة، بل صفحة مشرقة في سجل النساء المصريات اللاتي اقتحمن السياسة بقوة، وفرضن وجودهن بعمل وجهد وصدق. 

هي نموذج نفتقده اليوم، وسط صخب الوجوه الباهتة والشخصيات المحايدة. 

لقد رحلت عن المشهد، لكن ظل حضورها باقياً، كلما سألنا: أين النساء من طراز عائشة عبد الهادي؟

حين نذكر الوزيرات في تاريخ الحكومة المصرية، لا يمكن أن يغيب اسم عائشة عبد الهادي، أول سيدة تتولى حقيبة وزارة القوى العاملة والهجرة، ليس فقط لأنها شغلت منصباً وزارياً في مجال لطالما سيطر عليه الرجال، بل لأنها قدمت نموذجاً فريداً للمرأة السياسية، القادرة على الجمع بين الواقعية الشعبية والحسم الإداري، بين الانتماء الوطني والجرأة في المواجهة.

لم تكن عائشة عبد الهادي وزيرة "فنية" فقط تدير الملفات من وراء المكاتب، بل كانت وزيرة سياسية بالدرجة الأولى. تعرف الشارع المصري جيداً، تعرف لغة العمال ومطالبهم، وتعرف لغة الدولة وأدواتها، وتعرف أكثر متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تواجه، ومتى تنسحب. 

هذه الحكمة لم تأتِ من فراغ، بل من رحلة صعود طويلة بدأت من القاع، من قلب الطبقة العاملة التي انتمت لها شكلاً ومضموناً.

ولدت عائشة عبد الهادي في بيت بسيط، وخرجت منه لتلتحق بسوق العمل في سن مبكرة، لتكون واحدة من النساء اللاتي اختبرن قسوة العمل اليدوي وهموم "الوردية". 

لكنها لم تكتفِ بذلك، بل التحقت بالعمل النقابي، وسرعان ما صعدت في مراتب الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، حتى أصبحت من أبرز الوجوه النسائية في العمل النقابي والسياسي في آن.

تدرجت داخل الاتحاد، وكانت أول امرأة تدخل مكتبه التنفيذي، وظلت صوتاً قوياً مدافعاً عن حقوق المرأة العاملة، ثم انتقلت لتتولى وزارة القوى العاملة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، فتركت بصمة واضحة في ملفات التدريب، والهجرة، وتشغيل الشباب، والعلاقات الدولية العمالية.

ما ميّز عائشة عبد الهادي عن كثيرين، هو الصدق في التعبير، والوضوح الذي يصل أحياناً إلى حد الصدام، لكنها لم تكن تخشى المواجهة. 

كانت تدافع عن مواقفها بقوة، وترد على الانتقادات بثقة، وتبني قراراتها من واقع خبرة ميدانية وقراءة واعية للواقع.

 في أكثر من مناسبة، أثبتت أنها ليست مجرد وجه نسائي في الحكومة لإكمال الصورة، بل كانت حاضرة بقوة في كل الملفات الكبرى.

في زمن كانت فيه مشاركة المرأة في السياسة لا تزال خجولة، كانت عائشة عبد الهادي حالة خاصة، بل استثناءً يثبت أن المرأة المصرية إذا أُتيحت لها الفرصة، يمكن أن تكون رقماً صعباً في أي معادلة. 
واليوم، حين نفتش في الصفوف الحكومية، نكاد لا نجد امرأة سياسية من نفس الطراز. 

كثير من الوجوه النسائية باتت أقرب إلى الإداريات، لا السياسيات. 

كثيرات يُجدن إدارة الملفات، لكن قليل منهن يملكن الكاريزما، والانتماء، والخبرة الشعبية، والقدرة على المواجهة، كما كانت تملكها عائشة.

تم نسخ الرابط