أسس مدرسة الأصوات الجديدة.. ما لا تعرفه عن محمد الموجي "كامل الأوصاف"
تحل علينا غدا الثلاثاء، ذكرى رحيل الموسيقار المصري العظيم محمد الموجي، الذي غادرنا في الأول من يوليو عام 1995، تاركا إرثاً فنياً خالداً.
وُلد محمد أمين محمد الموجي في الرابع من مارس عام 1923 بإحدى قرى مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ، ونشأ في بيئة تهتم بالموسيقى؛ فوالده الموظف بمصلحة الأملاك الأميرية في بيلا كان عازفاً للعود وهوايته معروفة، كما كان عمه إبراهيم محمد أمين من عشاق الموسيقى ويمتلك مكتبة ضخمة تضم تسجيلات لأساطين الفن مثل الشيخ يوسف المنيلاوي وأبو العلا محمد وزكي مراد وسيد درويش.
قضى محمد الموجي طفولته منغمساً في الاستماع إلى كنوز هذه المكتبة، مما غذى شغفه المبكر بالغناء والموسيقى.
انتقل مع أسرته إلى بلدة دمروه بالمحلة عام 1929، حيث حصل على الشهادة الابتدائية، ثم التحق بمدرسة الزراعة بشبين الكوم، ليكتشف موهبته الموسيقية مدرس النشاط الفني محمد إبراهيم الشامي - عديل الموسيقار رياض السنباطي - وطلب منه تلحين أبيات من مسرحية "مجنون ليلى" لأحمد شوقي، لتصبح هذه المحاولة باكورة أعماله في التلحين.
بعد حصوله على دبلوم الزراعة عام 1944، عمل معاوناً للزراعة في بيلا، ثم في الأوقاف الخصوصية الملكية بإيتاي البارود، لكن شغفه بالموسيقى ظل يلح عليه.
قرر عام 1948 التوجه إلى القاهرة لتحقيق حلمه الفني، بدعم من الملحن الشاب فؤاد حلمي، وفي العام التالي، تقدم لامتحان لجنة الاستماع بالإذاعة التي كان يرأسها مصطفى بك رضا، لكنه لم يوفق.
لم يستسلم، فالتحق بفرقة صفية حلمي الاستعراضية، حيث كان يغني بمصاحبة عوده ويلحن الاسكتشات، وهناك تعرف على الشاعرين علي بحيري وسمير محمود اللذين شجعاه – بدعم مالي من والده – على إنشاء ملهى "البوسفور" بميدان باب الحديد عام 1949 لتنفيذ أفكاره الموسيقية الجديدة.
في هذا الملهى، تعرف على المؤلف الموسيقي فؤاد الظاهري الذي دربه على البيانو، كما غنت له المطربة زينب عبده أغنيتي "صافيني مرة" التي اشتهر بها لاحقاً عبد الحليم حافظ، و"اكتب لك جوابات" التي قدمتها ليلى مراد، إلا أن الملهى أغلق بعد عام واحد بسبب عدم خبرته الإدارية، فانتقل للعمل بملهى الكواكب بشارع عماد الدين.
جرب حظه مرة أخرى مع الإذاعة عام 1950، وأمام لجنة استماع ضمت المايسترو عبد الحميد عبد الرحمن والإذاعي حافظ عبد الوهاب، حظيت ألحانه بإعجاب اللجنة رغم عدم نجاحه كمطرب، لتبدأ علاقته مع الإذاعة ملحناً في الأركان الشعبية، وغنت له حينها فاطمة علي وكارم محمود ومحمد قنديل.
واتسعت دائرة تعاونه بسرعة لتشمل فتحية أحمد وملك ونجاة علي ولور دكاش ومحمد عبد المطلب وعبده السروجي، نال خلالها إعجاب وتشجيع عمالقة التلحين مثل محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب الذي كان محمد الموجي شديد التعلق به ويدين له بالأستاذية، وكذلك رياض السنباطي وفريد الأطرش.
وكانت نقطة التحول عام 1951، عندما سمع عبر الإذاعة شاباً يغني قصيدة "لقاء" لكمال الطويل، فتوجه ليعرف أنه عبد الحليم حافظ وأبدى رغبته في التلحين له، فغنى له الحليم "يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر" من كلمات سمير محمود، ثم "سلامات ازيكم" و"صافيني مرة" لتبدأ شراكة فنية ناجحة أثمرت عن عشرات الأغنيات الخالدة.
جاء التعاون الأبرز في مسيرته مع كوكب الشرق أم كلثوم عام 1956، بعد أن سمعت ألحانه مثل "أنا قلبي إليك ميال" و"يامه القمر ع الباب"، فطلبت من الأستاذ محمد حسن الشجاعي تدبير لقاء بينهما، وبدأ التعاون التاريخي بأغنية "نشيد الجلاء" من كلمات أحمد رامي، ثم توالت الروائع التي خلدت اسمه مثل "يامحلاكي يا مصر"، "انت ع الدفة"، و"حانة الأقدرا" التي تميزت بأسلوب تلحيني فريد وقتها، وكذلك المشاركة في أغاني فيلم"رابعة العدوية"، ثم "للصبر حدود" كأول أغنية عاطفية يلحنها لأم كلثوم، والتي رغم تأخره في تسليمها ومقاضاتها له بسببها، حققت نجاحاً باهراً دفع أم كلثوم لطلب تلحين "اسأل روحك" عام 1970 كآخر تعاون بينهما.
لم تقتصر إبداعات الموجي على هذين العملاقين؛ فقد أثرى المكتبة الموسيقية بأعمال لا تنسى مع فايزة أحمد مثل "يامه القمر ع الباب" و"تمر حنة" و"ليه يا قلبي ليه" و"بيت العز يابيتنا"، ومع محمد قنديل في "يا حلو صبح" و"يا مهون هون"، ومع سعاد حسني في "خدنا أجازة" و"صغيرة على الحب"، ومع نجاة في "عيون القلب" و"الليلة دي"، ومع شادية في "شباكنا ستايره حرير" و"يا قلبي سيبك" و"مين قال لك تسكن في حارتنا" كأول أغنية تلفزيونية مصورة، بالإضافة إلى تعاونه مع معظم مطربي عصره وتلحينه للعديد من قصائد الفصحى.
تميز الموجي بتأسيسه مدرسة للأصوات الجديدة – ليكون الملحن الوحيد الذي قام بذلك – وخرج منها أسماء لامعة مثل محرم فؤاد وعبد اللطيف التلباني وشريفة فاضل ومها صبري.
كما خاض تجربة التمثيل مرتين؛ في فيلم "أنا وقلبي" عام 1957 مع مريم فخر الدين وعماد حمدي، وفيلم "رحلة غرامية" مع مريم فخر الدين وأحمد مظهر وشكري سرحان، وأخرجهما محمود ذو الفقار.
وفي مجال المسرح الغنائي، قدم أعمالاً مهمة مثل "دنيا البيانولا"، "وداد الغزية"، "ملك الشحاتين"، "حمدان وبهانة"، "ملك الغجر"، و"هدية العمر" التي عرضت بدار الأوبرا، وكانت آخر مسرحياته قبل وفاته بعام "الخديوي" من أشعار فاروق جويدة.
لم تقتصر إسهاماته على الأغاني والمسرح، بل امتدت لتشمل تلحين أغاني أفلام وتقديم الموسيقى التصويرية لأفلام مثل "الراقصة والطبال" و"العصابة"، وتصميم موسيقى البرنامج الشهير "أحداث 24 ساعة"، بالإضافة إلى الاسكتشات الغنائية والفوازير.
بلغ رصيده الفني أكثر من 1500 أغنية شكل معظمها علامات فارقة في تاريخ الموسيقى العربية، كل ذلك دون دراسة أكاديمية، مما يؤكد عبقرية موهبته الفطرية، كما يعتبر من القلائل الذين وصلت موسيقاهم للعالمية، حيث حققت اسطوانات أعماله مثل "قارئة الفنجان" مبيعات كبيرة في أوروبا.
وبالنسبة لحياته الأسرية ، فتزوج محمد الموجي من ابنة عمه، وأنجب ستة أبناء هم أمين والموسيقار (الموجي الصغير)، والموزع (يحي الموجي)، وبناته ألحان وأنغام وإلهام الحاصلة على الدكتوراة من المعهد العالي للموسيقى العربية وتعمل أستاذة به.
وتوجت مسيرته بالعديد من الجوائز ومنها: وسام الفنون عام 1961، وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1976، الميدالية الفضية من جمعية المؤلفين والملحنين في باريس عام 1987، نوط الفداء من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عام 1968، وشهادة تقدير من الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 1997 بعد رحيله.
رحل محمد الموجي في الأول من يوليو 1995، لكن روحه ظلت حية في ألحانه التي تجسد مشاعره الصادقة، فما زالت أنغامه كنسيم صيف عليل يلامس وجدان كل عاشق للموسيقى الأصيلة، شاهدة على إبداع فنان صنع مجده بموهبة نادرة وإصرار لا يلين، ليرسم بموسيقاه جزءاً لا يمحى من ذاكرة الأمة الفنية.