ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في لحظة واحدة، تحولت مياه خليج السويس الهادئة إلى مسرح مأساوي، حين انقلب الحفار البحري "آدم مارين 12" أثناء قطره إلى موقع عمله في منطقة جبل الزيت. ثلاثون رجلًا كانوا على متنه، ليسوا مجرد طاقم عمل، بل آباء وأبناء وإخوة، كلٌ منهم يحمل حلمًا صغيرًا في قلبه، وسعيًا حلالًا يقتات به أسرته، وحبًا كبيرًا للحياة.
لم يكن الحفار مجرد قطعة حديدية تطفو فوق البحر، بل كان منصة أحلامهم، وسفينتهم نحو الأمل. فوقه حملوا تعب الأيام، وأمنيات العودة، وخوفًا خافتًا من المجهول. لكن المجهول لم ينتظر طويلًا، والقدر كان أسرع من كل التوقعات.
22 ناجيًا خرجوا من رحم المأساة.. عادوا بأجسادهم المرتجفة وعيونهم الممتلئة بالذهول، ليحكوا عن لحظة غرق، وعن موتٍ مرّ عليهم وهم على قيد الحياة. و4 جثامين خرجت من البحر صامتة، لا تنطق سوى بوجع النهاية، وكأنها تقول: "كنا هنا، نحاول فقط أن نعيش". أما 4 آخرون فما زالوا مفقودين.. أجسادهم تحت الماء، لكن ذكراهم فوق الأرض، تُشعل قلوب ذويهم انتظارًا وأملًا في خبر، ولو كان النبأ موجعًا.
خلف هذه الأرقام، حكايات لا تُروى في نشرات الأخبار. هناك في بيوت بعيدة، أمهات يُحدّقن في هواتفهن، يرتجفن كلما رنّ جرس الاتصال، وآباء يخفون دموعهم خلف صمتٍ ثقيل، وأطفال يسألون بأبسط الكلمات وأكثرها إيلامًا: "هو بابا اتأخر ليه؟ ليه ما كلمنيش؟"
هؤلاء ليسوا إحصاءات، ولا مجرّد أسماء في قائمة. هؤلاء بشر.. لهم وجوه، وذكريات، وضحكات، وخطط مؤجلة. تركوا وراءهم بيوتًا تنتظر، وأحلامًا تتأرجح بين النجاة والغياب.
ما حدث ليس مجرد حادث بحري.. إنه جرس إنذارٍ مدوٍ بأن أرواح العاملين في أعماق البحر ليست هامشية. هم عُمّالٌ بسطاء لكنهم جنود حقيقيون. يواجهون الأمواج، والبرد، والظروف القاسية، كي تستمر عجلة الإنتاج، ويظل الوطن واقفًا على قدميه.
هؤلاء الرجال لا يطلبون الكثير، فقط الأمان.. وسائل سلامة حقيقية، وتأمين يليق بخطورة عملهم، واحترام يوازي حجم تضحياتهم.
وفي النهاية، يبقى المشهد محفورًا في الذاكرة: في قلب البحر، سقط الحفار.. لكن إرادة الحياة ظلت تطفو، تروي لنا قصة شهداء لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا مفاتيح آلاتهم، وارتدوا خوذهم، وذهبوا إلى البحر بحثًا عن لقمة كريمة. فكان البحر آخر من احتضنهم، وأول من كتب أسماءهم في سجل الشرف.
رحم الله من رحل، وحفظ من نجا، وأعاد المفقودين إلى أحضان ذويهم.
هذه ليست نهاية القصة، بل بدايتها.. لعلّها توقظ الضمائر، وتُنصف من ضحّوا من أجل لقمة عيشهم.

تم نسخ الرابط