قرر عبد الحميد، نجل الشيخ رشيد الخياط – هكذا كان يلقبه أهل قريتنا – أن يتمرد على مهنة الحياكة التي ورثها عن أبيه وجده. عزم على السفر إلى القاهرة بحثًا عن عيشة رغدة، وسعة في الرزق، ومكسب سريع.
نزل عبد الحميد في حي بولاق أبو العلا، حيث أقام عند خاله الحاج منصور الفار، صاحب الكشك الصغير والعتيق لبيع الجرائد والمجلات والكتب والروايات الأدبية القديمة، الذي يقع بجوار مقهى شهير بوسط القاهرة، يرتاده الكُتّاب والشعراء وبعض الفنانين.
وفي أحد الأيام، اصطحبه خاله إلى المقهى، وهناك تعرّف على “عم مندور”، مساعد الريجيسير في ستوديو مصر. وما لبثت أن نشأت بينهما ألفة سريعة، قربتها جذور “عم مندور” الريفية، وكأن كلاً منهما وجد ضالته في الآخر. عبد الحميد، الشاب القروي الذي أبهَرته أضواء العاصمة، كان بالنسبة لمندور التربة الخصبة التي يمكن أن يزرع فيها خيالاته الجامحة. حكى له عن صولاته وجولاته مع الفنانين، مؤكدًا – دون خجل – أنه لولاه لسقطت السينما بأكملها! وأن المخرجين يعتبرونه الجندي المجهول خلف نجاح أي فيلم.
والحقيقة أن عمل “عم مندور” لم يكن يتجاوز توزيع السيناريوهات على الفنانين في بيوتهم، وتذكيرهم بمواعيد التصوير!
لكن عبد الحميد، بسجيته البسيطة، صدّق كل ما قيل له. انبهر بمغامرات “عم مندور” الشيقة، وراح يتخيل نفسه جزءًا من هذا العالم الساحر. ثم، دون مقدمات، قال له:
– “يعني إنت كده ممكن تشغّلني في السينما وتخلّيني أبقى ممثل؟”
أطرق عم مندور برأسه، بدا وكأنه يفكر بعمق، ثم هرش في رأسه قائلًا:
– “سيبني أفكر… لحد ما أشوف لك فرصة.”
ومع تكرار إلحاح عبد الحميد، قال له ذات يوم:
– “خلاص… القصة جاهزة! وبدل أجرة الفنانين وجشع المخرجين والدعاية، أنا هوفر لك كل الفلوس، وهنعمل فيلم يكسر الدنيا ويقلب الوسط الفني. وهتكون إنت البطل الوحيد! وهنسمي الفيلم (عودة النذل)… إنتاج وإخراج وتمثيل عبد الحميد الترزي!”
انبهر عبد الحميد بالفكرة، وأعطى كل ما يملك من مال لـ “عم مندور”. لكنه سرعان ما اكتشف الحقيقة المُرّة: لقد كان الممثل الوحيد… والمتفرج الوحيد أيضًا!
ضاع كل شيء، خسر “تحويشة العمر”، وعاد إلى قريته كما خرج منها، ولسان حاله يردد:
“أنا عبد الحميد الترزي… وبس!”
ولست هنا بصدد مناقشة ما إذا كان عبد الحميد ضحية جهل “عم مندور”، أم ضحية عماه البصر والبصيرة معًا. لكن العبرة التي لا ينبغي أن تغيب: أن العمل الفني الحقيقي لا ينجح إلا بروح الجماعة، ولا يستقيم أن يكون شخص واحد هو الممثل والمخرج والناقد والمنتج في آنٍ واحد.
وراء كل عمل ناجح كاتب موهوب، وفريق تمثيل متكامل، وأدوار ثانوية، ومنتج كريم، ودعاية واعية، وفوق كل هؤلاء مخرج محترف يستنفر الطاقات، ويوجّه الجميع لإنجاح العمل.
ومن سنن الله – تعالى – في هذا الكون، أن يسير عمران الحياة على تعدد المواهب واختلاف القدرات؛ فهناك الطبيب، والمهندس، والمعلم، والفلاح، والحرفي، وعامل النظافة، وماسح الأحذية. لم يخلق الله – عز وجل – بشرًا يحتكر كل ألوان العلم، حتى وإن كان نبيًّا مرسلًا!
وكذلك هو الحال في الدول والمجتمعات: الأمم الرائدة لم تنهض إلا على أسس التعددية، وتقدير التخصص، وإعلاء قيمة الكفاءة، وتفعيل دور المؤسسات.
رحم الله الفنان القدير “الضيف أحمد”، صاحب اسكتش “عودة النذل”،
الذي يبدو أنه لم يكن مجرد هزل… بل نبوءة مبكرة لما يمكن أن يحدث حين تغيب البصيرة ويُختزل العمل الجماعي في فرد واحد