يظل الأمل مرافق للإنسان خلال مشوار العمر.. مستعد دائماً لاستدعاء قادم من العقل والقلب.. مهما عانى من يأس واكتئاب.. تلك السمة غرسها الله سبحانه وتعالى فى العباد.. واعداً الصابرين على الآلام والظلم بالجزاء الحسن.. ويرشدهم بأن الصبر مفتاح الفرج دائماً.. وفى كل الأحوال.. يتمسك الإنسان بالعبء الذى تنوء منه الجبال إعمار الأرض والحفاظ على نعمة الحياة.. يدرك أنها مسئولية جماعية ولكن يلخص واجبه فى صورة الحلم بالنجاح دعماً للأمان والاستقرار.
ويأتى الحصاد تحت ظلال أسرة تكافح وتعلم وتربى وتسعى لغد أفضل وتوفر الإمكانيات الممكنة لتواصل الأجيال.. قد يسقط خلال مرحلة ما.. الأب.. أو الأم.. يرحلان إلى عالم البقاء.. وكذلك يصابون بالحزن العظيم والألم البالغ.. إذا رحل ابن.. أو ابنة فى بداية سن التفتح والإنتاج.. ولكن سرعان ما تتماسك الأسرة تحت مظلة الأمل.. ورداً للألم وخفضاً للمعاناة.
ومع التسليم بأن الإنسان تمر حياته بالولادة والرضاعة ومراحل الطفولة المختلفة ثم الصبا والمراهقة.. فالشباب وسن النضج واكتساب الخبرات مع السعى لتحقيق الحلم.. بعدها فى النهاية الشيخوخة وما تحتوى عليه من ضعف ووهن بالصحة والحواس.. ناهيك عن تداعيات ضعف النشاط وتزايد المساحة التى يظل عليها داخل المنزل.. يضطر إلى الإقلال من لقاءات الأصدقاء بل والمشاركات الاجتماعية بوجه عام.. وما يلاحقه بعد ذلك من الوحدة ومعايشة الذكريات.. ومهما كان متوسط العمر الذى يظل به على قيد الحياة.. فإن هذا الانقلاب المناخى يضاعف من تأثيره أن الأيام قد أخذته دون أن يستعد لهذه الفترة وبالطبع ليس كافياً ترديد القول »ليت الشباب يعود يوماً«.
هذه التداعيات تتضاعف بصفة عامة بين أبناء الشرق - إلا فيما ندر بالطبع - وبالتالى تحالف الآلام والضغوط وبرد الفراغ الأسرى.. فيسقط الإنسان فى فخ اليأس والاكتئاب.. وهى المشكلة التى واجهها الغرب بحلول متعددة لشغل الفراغ.. يجدون فى التحرر من أعباء الوظيفة مساحة حرة.. شاهدت فى جبال الألب بالنمسا أزواجاً عواجيز يتسابقون للصعود إلى ربوة طبيعية جميلة.. بها مطعم يعمل طوال العام.. وفى ألمانيا عرفت زملاء فى الصحيفة التى عملت بها لبعض الوقت.. يسددون بالتقسيط نفقات رحلة سياحية إلى معالم العالم الشهيرة عند الخروج للمعاش.
ولن نتحدث عن منظومة استثمار خبرات الأجداد.. لبعض الوقت وبأجور رمزية لمن يحتاج.. يقبلون على ذلك مثل السعادة والاهتمام.. ويسعدون أكثر بالتقارب مع الشباب.. أما نحن فنتحدث إما عن الزيارات العائلية للأبناء و الأحفاد لمنزل العائلة.. أو الجلوس على أقرب مقهى للبيت وإن كان قد عرفها مؤخراً.. زيادة تجمعات الأجداد وكبار السن.. لممارسة الرياضيات المناسبة فى الأندية ومراكز الشباب.. أو السفر إلى الموطن الأصلى والاستقرار هناك.. وكذلك أتاحت وسائل الاتصال الاجتماعى لهم فتح حسابات على الفيس بوك.. وتويتر.. وغير ذلك وأصبحوا يملكون أصدقاء على الورق.. لكنهم يدركون فى النهاية أنهم داخل عالم افتراضى.. فائدته الرئيسية أنه أتاح لهم استحضار للذكريات.
أعتقد هنا أن الأمل هو محور الارتكاز.. يدفع الإنسان مهما بلغ من العمر إلى الحل الصواب.. ويجعله سعيداً بالتأمل الذى يساعد العقل على الابتكار المفيد.. مثل كتابة المذكرات.. أو تعلم اللغات.. أو العودة للقراءة.. وجاهزية المشاركة للإشراف على رعاية الأحفاد أو يشجعه على ممارسة هواية مفيدة.. مثل الرسم والكتابة والطهى وعزف الموسيقى...إلخ.. أو حتى يعيد ترتيب مكتبته.. ليخرج منها كتب قيمة ربما لم يكن قد قرأها للانشغال أيام الشباب .. أن يستثمر ما لديه من وقت فى الصلاة والنوافل وفعل الخير.. وبالطبع الدعاء لله سبحانه وتعالى بالتوفيق والسداد.. ولا ينسى واجبه فى تواصل الأجيال.. وصدق الرسول الكريم محمد بن عبدالله عندما قال »إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. صدقة جارية أو علم ينتفع به.. أو ولداً صالح يدعو له.. وهى جميعاً فضائل تنير حياة وآخرة الإنسان.