في السنوات الأخيرة، برز عدد من الوجوه الجديدة تحت مسمى “يوتيوبر”، يقدمون محتوى تحليليًا سياسيًا واقتصاديًا على المنصات الرقمية. وهذا في جوهره تطور إيجابي، إذ يتيح للمواطنين فرصة لفهم ما يدور حولهم من أحداث داخلية وإقليمية ودولية من زوايا متعددة، تختلف حسب رؤية وخلفية كل صانع محتوى.
لكن، وكما أن لكل ظاهرة وجه مضيء، فقد ظهر لها وجه آخر قاتم لا يمكن تجاهله. لقد تحول عدد من هؤلاء اليوتيوبرز، في الآونة الأخيرة، من ناقلين للمعلومة ومحللين للأحداث، إلى متنافسين شرسين لا يهمهم سوى عدد المشاهدات، ونسب التفاعل، وما يترتب عليه من دخل مادي متصاعد. وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
الوعي ليس ترفًا، ولا يجب أن يُعامل كمنتج قابل للبيع والشراء. حين يستخدم اليوتيوبر عناوين مضللة، مثيرة، بل ومقلقة أحيانًا، لجذب الانتباه، دون أن يكون لمضمون الحلقة علاقة حقيقية بهذه العناوين، فإنه لا يخدع المتابع فقط، بل يضرب أحد أهم ركائز بناء الوعي: الثقة.
عندما ينشغل صانع المحتوى بإسقاط الآخر وتشكيك الناس في كل ما يقال من منافسيه، دون دليل حقيقي، فهو لا يبني وعيًا نقديًا، بل ينشر الفوضى والارتباك في عقول المتابعين. المواطن البسيط في النهاية يتساءل: أصدق من؟، والنتيجة: ضياع البوصلة وتشوش الإدراك.
اللوم لا يقع فقط على صناع المحتوى، بل أيضًا على الجمهور ، فالمتابع الذكي لا يُساق بالعناوين، ولا يجعل من نفسه طرفًا في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل. يجب أن يتعلم المشاهد التمييز بين من يحترم عقله ويقدم له محتوى رصينًا، وبين من يلهث وراء “الترند” ويستغل الخوف أو الإثارة لتحقيق الربح.
التحليل السياسي والاقتصادي ليس ترفيهًا، ولا مساحة للادعاء أو المبالغة. أن تكون صاحب منصة ومحتوى يعني أنك اخترت أن تكون جزءًا من تشكيل وعي الناس. فإن لم تكن على قدر المسؤولية، فأنت تساهم – دون قصد أو بقصد – في تزييف الواقع، وبث القلق، وهدم الثقة بين المواطن والمعلومة.
من حقك أن تُكافأ على تعبك، وأن تحقق دخلًا من مجهودك، ولكن ليس من حقك أن تُخيف الناس، أو تضللهم، أو تبيع لهم الوهم من أجل زيادة الأرباح. فحين يتحول الإعلام إلى “سبوبة”، يصبح المواطن ضحية، وتصبح الحقيقة أول الغائبين.
رسالتي إلى المواطن :
الوعي مسؤوليتك أنت أيضًا ، لا تجعل من نفسك صيدًا سهلًا لعناوين براقة، ولا تسلّم عقلك لأي شخص لمجرد أنه يجيد الكلام. اسأل، تحقق، قارن، ثم احكم. وكن واعيًا أن بعض من يظهرون على الشاشات لا يمثلون الحقيقة، بل يمثلون أنفسهم ومصالحهم.
في النهاية ما بين الرسالة والسبوبة، خيط رفيع اسمه “الضمير المهني”. وما بين اليوتيوبر والمواطن، علاقة يجب أن تبنى على الشفافية والاحترام المتبادل. فإما أن نبني وعيًا، أو نعيش في وهم إعلامي لا يقل خطورة عن الجهل نفسه .