حيثيات الحكم في الدراك ويب: علم بلا أخلاق يقود لإنهاء حياة صغير شبرا
المحكمة تكشف أبشع جرائم الإنترنت المظلم.. قتل وخطف وتمثيل بجثة طفل بغرض التصوير والبيع
ينشر موقع خلف الحدث حيثيات الحكم في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"الدارك ويب"، والصادر فيها حكم من محكمة جنايات شبرا الخيمة برئاسة القاضي أيمن فؤاد، بمعاقبة المتهم الأول بالإعدام شنقًا، والمتهم الثاني – الحدث – بالسجن 15 سنة.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها، في الجناية رقم 9800 لسنة 2024 جنايات قسم أول شبرا الخيمة، والمقيدة برقم 1287 لسنة 2024 كلي جنوب بنها، إن واقعات الدعوى حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليها وجدانها وارتاح لها ضميرها، استخلاصًا من سائر أوراقها بما تضمنته من تحقيقات واستدلالات وما دار بشأنها بجلسات المحاكمة، وعلى نحو تكاد تراه المحكمة رؤى العيان، كما استقر بعقيدتها استقرار الإيمان من قيام المتهمين طارق أنور عبد المتجلي حسن، وعلي الدين محمد علي محمد الزيات، بالاتفاق والاشتراك في قتل المجني عليه أحمد محمد سعد محمد عمدًا مع سبق الإصرار، وباستعمال عقاقير طبية، وما اقترن وسبقه من خطفه بالتحايل واستدراجه إلى الشقة مسرح الجريمة، في نموذج إجرامي مستحدث هو الأقبح والأبشع، وعلى نحو يتأبّى على الآذان سماعه، ويعزّ على الأعين رؤيته، ويشقّ على العقول تصديقه، ويصعب على القلوب تحمله.
نموذج يؤكد أن التقدم بدون أخلاق، والعلم دون أدب، والمعرفة دون قيم، هي حرث في الماء وقبض في الهواء. وحتى لو اعتقد البعض بثرائه من جراء هذا التقدم والعلم والمعرفة، إلا أنه انتصار بلا مجد ونجاح بلا فخر، وفي النهاية يبقى البعض بشرًا بلا إنسانية.
ويبدأ فجر وقائع الدعوى بذلك المتهم الطفل علي الدين محمد علي محمد الزيات، المولود في 10/4/2009، والذي يعيش على نحو مستقر في كنف والديه بدولة الكويت الشقيقة، صحبة شقيقه وشقيقته الأصغر، ويحظى بقدر حسن من التعليم، ويعيش في ظروف معيشية طيبة بحال عمل والده هناك وبحثًا عن لقمة العيش وتوفيرًا لفرص أكثر لأبنائه.
ولكن يقول الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فلم يكن من ذلك الطفل المتهم إلا أن هداه طمعه، واستحوذ عليه جشعه، وسوّلت له نفسه، ومكّنه علمه وذكاؤه من استغلال هاتفه الجوال والحواسيب الآلية وبرامج الإنترنت في ارتكاب الجريمة، بعدما هداه عقله المنحرف – وليس المريض – ونفسه المجرمة – وليست المضطربة – وعن إدراك واختيار حرّ ومميز، واستسهال في الخروج عن القانون، وإرضاء نزوات نفسه وتحقيق ثراء سريع من المقابل المالي الذي طمح إليه وولع به، من كمية المشاهدات وتكرارها لما يُنتجه من أفلام ومقاطع، والغرابة والتفرد في محتواها، ولو كان محتوى مجرمًا ومضمونًا آثمًا.
فأنشأ حسابًا على موقع (فيسبوك) باسم "دكتور علي عبدالله"، ونجح في الحصول على صور لأعضاء جنسية – بعضها لأطفال صغار لضمان التفرد – ونشرها بذات الحساب، إلى أن حظر موقع فيسبوك حسابه، وفقًا لمعايير النشر والتدوين بالبرنامج. وأعاد الكرّة في عام 2023، منشئًا حسابًا باسم "علي عبدالله"، وناشرًا ومروجًا لصور وفيديوهات كثيرة على ذات الشاكلة بحسابه الأول، ولمرة أخرى، حظر موقع وبرنامج فيسبوك حسابه.
وإثر شبق الثراء، وشهوة المال، وهوس المعرفة، وتطويرًا لتجارب نشاطه الإجرامي، تمادى في خبراته الآثمة، فطوّر من بحثه، وتوصّل إلى مواقع الإنترنت المظلم (الدارك ويب – dark web)، وهي جانب من شبكة المعلومات الدولية، لا يتم الدخول إليه إلا باستخدام برامج متخصصة، ويُستعمل من قبل المجرمين والأشخاص الذين يتاجرون بالأشياء غير المشروعة، ويصعب رصدهم وتتبعهم، ويمكن دخولها ببرامج حجب عنوان المستخدم (IP Address).
وعلم بأن كل مشهد وكل مشاهدة لها سعر، وأنه يمكنه تحقيق مبالغ هائلة وثراء سريع دون تتبع شخصه، وحال كونه من معجبي الفيديوهات والصور العنيفة (Gore Videos) ومن مشاهديها الدؤوبين، استقر عقله المجرم على التحصّل على مقاطع مرئية توثّق ارتكاب جرائم قتل وتعذيب وتمثيل بالجثث للاحتفاظ بها وبيعها على الشبكة، والتربح منها.
فهداه عقله المجرم، في مطلع عام 2024، إلى أن يبدأ بصناعة فيديوهات عنيفة تتضمن سحب عينات من بني آدمين، وتشريح، وخنق، وضرب، وقتل إن أمكن، وبيعها وترويجها لهواة أفلام العنف والدم (Gore Videos)، ونشرها لاحقًا على مواقع الإنترنت المظلم (Dark Web)، حال إتمامه السن القانوني لفتح حساب بنكي في الكويت.
وبالفعل، أنشأ صفحة على موقع فيسبوك باسم "علي خالد (Ali Khaled)"، ودخل من خلالها على مجموعات خاصة بزراعة الكلى لمرضى الفشل الكلوي في مصر، وهداه ذكاؤه — ولعله بالحق ضلّله — إلى استهداف مصر تحديدًا، لكثرة مواطنيها واحتياجاتهم، مستغلًا عوزهم وحاجتهم للمال.
روّج منشورات في هذه المجموعات لصيد فرائسه وتجنيد شركائه، بصياغة استدراجية بالغة الدهاء، معلنًا أنه طبيب ومحتاج لمتبرعين، ونشر بتاريخ 24/3/2024 منشورًا يطلب فيه متبرعين مصريين بأعمار من 6 إلى 18 عامًا، مقابل مبلغ مالي كبير، سعيًا منه للعثور على شخص يتفق معه على تنفيذ مراده.
وتلقف ضالته المنشودة، وعثر على صنوان إجرامه في شخص المتهم طارق أنور عبد المتجلي حسن، كعقلية إجرامية أخرى نافسته في انعدام الوازع من ضمير، وغياب الخوف من رقيب، وشابهه في السعي إلى تحقيق الثراء السريع من خلال مواقع الإنترنت وبرامجه، ومجموعات التواصل المغلقة، وإشباع جشعه بالاتجار في الوجع، والتربح من المرضى وراغبي التبرع بالأعضاء.
وإثر مروره بضائقة مالية، أنشأ المتهم طارق أنور حسابًا باسم "زياد إبراهيم" على موقع فيسبوك، واشترك في ذات المجموعة الخاصة ببيع الأعضاء البشرية، سعيًا منه — وتكرارًا لخبرة سابقة — لبيع عضو من أعضائه مقابل مبلغ مالي. وبتاريخ 14/4/2024 قرأ المنشور الخاص بالمتهم علي الدين، وتواصل معه عبر تطبيق ماسنجر، واتفقا على تنفيذ الجريمة.
وبناءً على تحريض المتهم علي الدين، وبهدوء لا يشوبه اضطراب، وروية لا يعتريها تعجل، اتفقا وأصرّا على خطف الطفل المجني عليه أحمد محمد سعد محمد، المولود في 18/4/2009، عن طريق استدراجه تحايلاً إلى مسكن المتهم الأول واحتجازه بداخله، وتخديره وقتله عمدًا مع سبق الإصرار، والتمثيل بجثمانه، واستخراج أعضائه.
وبعد أن أرسل المتهم طارق صورة المجني عليه للمتهم علي الدين لبيان مدى توافقه مع الشروط المطلوبة التي أبلغه بها، ومنها أن يكون دون الثامنة عشرة ونحيف البنية — لفتح شهية المتابعين — أوهم المتهم علي الدين شريكه طارق بأنه سيحصل على الملايين مقابل بيع أعضاء الطفل، بينما كان غرضه الأساس هو توثيق الجريمة في مقاطع مرئية، والاحتفاظ بها تمهيدًا لبيعها عبر الإنترنت المظلم.
وكلف المتهم علي الدين المتهم طارق بشراء عقاقير مخدرة، وأمده بأسمائها، ومشرط طبي، ونصحه بتعاطي أدوية تعينه على الهدوء، وتُسهل عليه ارتكاب الجريمة، وعاونه بالأعمال المجهزة والمسهلة والمتممة لها.
وفي مساء اليوم التالي 15/4/2024، توجه طارق إلى مقهى العديني بمنطقة شبرا الخيمة، متحينًا مقابلة المجني عليه الطفل بالمكان الذي اعتاد التردد عليه، وجلس بالمقهى وشاركه جلسته بعض الشهود، حتى حضر الطفل المجني عليه، وأوهمه طارق بأنه اشترى له هدية.
طلب منه طارق همسًا — حتى لا ينتبه الشهود — الذهاب معه لمسكنه لتسليمه الهدية. فوثق فيه الطفل، وذهب برفقته، فاستدرجه تحايلاً إلى الشقة المعدة سلفًا بالجريمة، في العقار رقم 8 بحارة البستان، بالدور الثالث بعد الأرضي، يمين الصاعد.
وبوصولهما، وما أن ظفر بضحيته، حتى سقاه العصير المخدر، فأفقده الوعي، ثم أجرى طارق مع علي الدين عدة مكالمات مرئية ومكالمات فيديو مباشرة، أثناء تنفيذ الجريمة، لتوثيقها، واستقاء التوجيه والمساعدة.
وقام طارق بخنق المجني عليه بحزام جلدي، ثم سقاه المزيد من العقاقير المخدرة، وخنقه مرة أخرى، وقصدًا لقتله عمدًا مع سبق الإصرار، حتى تيقنا من وفاته.
وبتوجيه من علي الدين، مثّل طارق بجثمان الطفل، فشق بطنه واستخرج أمعاءه، وقلبه، وكبده، وعينه اليمنى، وخصيتيه، واقتطع أجزاء من لحمه.
وعقب الانتهاء، وكلف علي الدين شريكه طارق بالبحث عن ضحية أخرى لتكرار الجريمة، فترك طارق الجثة، وتوجه إلى ميدان رمسيس.
إلى أن تم اكتشاف الجريمة وضبط طارق، الذي أقر تفصيليًا، ثم ضُبط المتهم الثاني بالكويت ورُحل إلى مصر، وأقر هو الآخر، ليتطابق اعتراف كل منهما، وتنكشف صورة الخطف والقتل، والاتفاق المسبق، وشهوة المال الرخيص.
فالأول قتل بغرض بيع الأعضاء، والثاني قتل لتحصيل المال من بيع المقاطع. وكلاهما، جمعتهما خيانة الطفولة، وجريمة الإنترنت المظلم.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
وحيث إن المحكمة، وهي بصدد تقدير العقاب، لم تجد سبيلًا للرأفة أو متسعًا للرحمة، ولا سيما أن الرحمة والرأفة على متهمٍ غير مستحق، هي قسوةٌ على مجنيٍّ عليه لا يستحق،
وإنما رأت، وبإجماع آراء أعضائها، وجوبَ القصاص من المتهمين حقًّا وعدلًا، وإن كان ثانيهما طفلًا، فصار القلم مقيَّدًا وإن كان اللسان طليقًا، فأقصى عقابٍ يناله وفقًا للحماية الجنائية لقانون الطفل – دون الإعدام أو السجن المؤبد – هو السجن خمس عشرة سنة، وهو ما تقضي به المحكمة على المتهم الثاني: علي الدين محمد علي محمد الزيات.
أما المتهم الأول، فهو محلٌّ لكامل العقاب بنصوص القانون، مستحقٌ لمعاقبته بالإعدام، وعلى نحو ما قضت به المحكمة بإجماع آراء أعضائها، بإعدام المتهم الأول: طارق أنور عبد المتجلي حسن، امتثالًا لقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى... وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ – صدق الله العظيم.