اقرأ في العدد الجديد من اللواء الإسلامي
حاتم سلامة يكتب: تعظيم سلام للأزهر وشيخه
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا لقطة مصورة جمعت فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، بالفريق أول ساهر شمشاد مرزا، رئيس هيئة الأركان المشتركة لجمهورية باكستان الإسلامية، في زيارته الأخيرة للأزهر الشريف.. المثير أن الرجل العسكري أدى التحية العسكرية لشيخ الأزهر، وهي لفتة أبهرت الكثيرين، مما جعلها محل تقدير وافتخار.
ثم جاء عقبها تصريح الفريق أول ساهر شمشاد مرزا أعرب فيه عن سعادته بلقاء الإمام الأكبر، وتقدير باكستان؛ قيادةً وشعبًا لفضيلته ولمكانة الأزهر الشريف، وأكَّد قائلًا: "لقاؤكم يُمثل شرفًا كبيرًا، فأنتم رمز لوسطية الإسلام، وتبعثون الأمل في نفوس المسلمين بمواقفكم الشجاعة"، مضيفًا أن الشعب الباكستاني يثق بمنهج الأزهر، ويتابع مواقفه باهتمام واحترام بالغ، ويدعم رؤيته تجاه قضايا العالم الإسلامي.
وأنا حقيقة أمام هذه اللقطة وهذا التصريح الذي يعكس بدقة مكانة الأزهر وشيخه في ربوع العالم الإسلامي، أُصاب بحسرة بالغة، وأنا أتابع بعض الكتاب المصريين الذين يُسّخرون أقلامهم وبرامجهم للهجوم على الأزهر وشيخه وعلمائه، هجومًا يصل إلى حد الافتراء والبهتان والتجني.. إذ بلغ بهم الأمر أن يسموا الأزهر بأنه مَفرخة للإرهاب والتطرف، لأنه يُدرّس مواد الدين ويحمل على عاتقه تعزيز الهوية الإسلامية، ولا يعلم هؤلاء المدعين أنه لولا الأزهر وعلمائه ومنهجه الوسطي المعتدل، لذاقوا من صنوف التطرف ما تضيق معه حياتهم وعيشهم، ولكانوا في حال غير الحال ومصير غير المصير.. وهنا أقول لهؤلاء: إذا كان جيش مصر الباسل يحمي البنيان، فإن الأزهر يحمي العقول والأذهان.
بل يدهمني سؤال آخر أكثر عمقا وحيرة وهو: ما كل هذا الكره الشديد للأزهر، وما كل هذا الحجم الرهيب من البغضاء والحقد والافتراء؟ ماذا يريد هؤلاء، وما أهدافهم التي يطمحون إليها؟
إنني مؤمن أن الأزهر الشريف جزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية، ويومًا ما كان هو الزعيم والقائد الذي يعارك المستعمرين ويشعل عليهم الحروب الطاحنة، التي تفسد عليهم فرحتهم واستقرارهم وأمانهم.. قدم الأزهر الشريف عبر الثورات الوطنية شهداء كثر، بذلوا أرواحهم فداء للوطن، ومع كل هذا التاريخ الزاهي المشرف، نسمع اليوم من يتقول كذبًا على الأزهر الشريف، ولنكن أكثر وضوحًا، فبعض هؤلاء الكتاب، لديهم عقدة وخصومة مع التدين والإسلام نفسه كدين، ولأن الأزهر هو حصن العقيدة الإسلامية كان التنكر له وإعلان الخصومة عليه أمرا بدهيًا.. ولو تتبعت أفكار هؤلاء الساخطين لوجدتهم من أصحاب المفاهيم التغريبية التحررية، التي تريد أن ترى مصر وشعبها بلا دين أو قيم تظلله وتحميه.
ما يعجبني أكثر أن الأزهر الشريف ماض في طريقه غير عابئ بهؤلاء، وغير ملتفت لنحيبهم، وكأنهم يصرخون في الهواء، ولا يرد عليهم سوى صدى أصواتهم الزاعقة بالزيف.. لأن الأزهر مشغول بالبناء والإعداد والتأهيل والتربية والتقويم التي تخدم الأوطان، وتقودها لمستقبل واعد مشرق.. ولو تأملت ذات اللقاء الذي تمت فيه هذه التحية العسكرية، وتأملت تصريحات شيخ الأزهر، لعرفت أن هذه المؤسسة العظيمة لا يمكن أبدا أن تترك مسؤولياتها الضخمة، وتلتفت لهذا الهراء أو تقيم له أي اعتبار واهتمام إذ أشار الخبر "أن شيخ الأزهر أكَّد حرصه على رفع مستوى التعاون العلمي والثقافي مع باكستان، واستعداده لافتتاح مراكز لتعليم اللغة العربية خدمةً لتعلُّم لغة القرآن الكريم، كما أعلن استعداده لزيادة عدد المنح الدراسية المقدمة للطلاب الباكستانيين، بما يلبي احتياجات الشعب الباكستاني، وتخصيص جزء منها لدراسة العلوم التطبيقيَّة، مُعربًا عن ترحيب الأزهر باستقدام وفود جديدة من أئمة باكستان لتدريبهم وصقل مهاراتهم في تفنيد الشبهات المعاصرة والتعامل مع القضايا الفكرية الراهنة."
هذا هو الأزهر أيها العابثون.. يحمل هموم أمة وبناء جيل، وقيادة مسيرة نورانية، يشهد الجميع بسموها وعظمتها، الأزهر رمز العطاء والاستقامة والاعتدال الذي تفخر به مصر، عبر تاريخها القديم والحديث.