ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

 نَصَبَ من حولها شِراكَ الوهمِ باسمِ الحُب. 

صدَّقته التلميذة ابنة ‏السادسة عشر بقلبٍ غَض، ‏تعلَّقت به. 

دعاها إلى "الدَّرسٍ"... هذه المرة ليس ‏في "السِنتر" وإنما في شقته، ابتسمَت ودخلَت… جلسَت. 

‏تَقدَّم.

 مَدَّ يده. ‏

راح يتحسس ما لا يجوز أن يُمَس. 

قاومَت. 

طرحها على الأريكة. 

جثَم ‏فوقها. 

استطاعت أن تفلت. 

غادرَت. ‏

         هكذا بدت الأوراق متساندة، شكاية الأبوين، ورواية التلميذة، ‏وصورٌ مُستنسخة من مُراسلات "واتساب" يغلب عليها عتابٌ صريح من ‏جانبها: "لماذا فعلتَ هذا يا أستاذ؟!". 

وتحريات سايرَت كل هذا. ‏

        جناية هتك عرض قاصر بالقوة ممن له سلطة عليها. 

على الظاهر ‏مالت عقيدتنا أول الأمر إلى معاقبته بالإعدام، فلا يستقيمُ لقاضٍ أن تأخذه ‏رأفة مع جريمة يُستغلُّ فيها نفوذ التعليم ويُلوَّثُ بها وجدان المجتمع. ‏

         بعد سماع المرافعة، خلَونا إلى المداولة، قلَّبتُ صُور المراسلات مرَّةً ‏أخرى. لا جديد... حتى وقعَت عيني على صفحة مُهملة تحمل كلمة واحدة ‏بلا سياق ظاهر: " صباحووو".‏

       كلمة قصيرة بنبرة حميمية لا رسمية. 

نبَّهتُ زملائي إلى هذه ‏التفصيلة، فرأينا استدعاء التلميذة لمناقشتها. ‏

        حضرت ومعها هاتفها، تبين أنَّ الرسائل لم تُمحَ. ظهر التسلسل على ‏النحو التالي: من رقمه إلى رقمها فجر يوم الواقعة: تأكيدٌ للموعد واللقاء. 

رَدٌّ ‏منها: "صباحووو". 

يليها: "صباح الهنا... جاهزة".‏

        وبعد علم ذويها بما جرى، رسالة منه: "امسحي الشات" ثم تَبدَّلَ ‏خطابُها إلى عتاب. 

حاصرتُها بالرسائل وبتسلسلها. 

سالت دمعة على خدِّها وقالت ‏الحقيقة:

          المدرّس شاب عُرفَ بوسامته وحُسن شرحِه. أفردها بعناية وكلام ‏لطيف، جعلها تظن أنها "استثناء". استجابت عاطفيا ودخلت عالم المراسلة ‏الدافئة من باب الثقة، ثم لبَّت دعوته، ووقعت التجاوزات الأولى برضاها ‏حتى حدود "لا يجب أن تُمس" قبل أن ينتفض قلبها ويقطع اتصال أمها ‏اللحظة فتهم بالمغادرة. ‏

          وبعد انكشاف الأمر، نسجَت الروايةَ على أنَّ ما وقع كان غَصبًا ‏محضًا، خشيةَ الفضيحة وغضب الأهل. هكذا ثبُت باعترافها، لا بتكهُّنٍ منّا.‏

         رسالة من كلمة واحدة، أثبت أنَّ الإكراه لم يكن تامًّا من بدايته، ‏وثمَّة موعدٌ رضائيٌ سبقَ ما ادُّعي من عنف، ثم تبدّل الموقفُ لاحقًا تحت ‏ضغط الأسرة والمجتمع.‏

        عليه، لم تسقِط الإدانة؛ بل أدين المدرّس عن أفعالٍ ثابتةٍ، غير أن ‏العقوبة نزلت من حدّها الأقصى الذي كان يلوح أوّلًا إلى الحبس سنتين؛ ‏صونًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب.  ‏

      تفصيلةٌ واحدة - كلمة «صباحووو» على ظهر ورقةٍ مهمَلة -‏قلبَت مسارَ حكمٍ كان يتَّجه إلى الإعدام؛ لأنّ الله يكتب العدلَ بأدقّ الأقلام، ‏ويجعل من أصغر الحروفِ حُجّةً إذا شاء. 

التفاصيلُ تُصوِّب الميزان، ‏وأصغرُها قد يكون أصدقها حين يلتقطها قلبٌ يَستحضرُ رقابةَ السماء.‏

        كلمةٌ، ساقها اللّطيفُ على صفحةٍ مَنسيَّة، وسخَّر البَصرَ ليلتفتَ ‏إليها في اللحظة التي قدَّرها هو، لتُخرج من قلب الزحام دليلاً لا يضِلُّ. 

كأنّ ‏يدًا رحيمةً أمسكت بكفِّنا في المداولة لتقول: هنا يقف الميزان.    ‏

        فابحث عن الله الذي كان فوقَ القلوب قبل المقاعد، يُذكِّرنا أنَّ ‏العدل في الأرض ظُِلٌّ من عدل السماء، وأنّ «وما يعلمُ جنودَ ربّك إلّا هو»؛ ‏يصنع منها دليلًا في ورقةٍ مُهملة، ويجعلها مفتاحًا يُغلق بابَ الغُلوِّ ويفتح بابَ ‏الإنصاف. فإذا جاءت الإشارة - ولو في حرفٍ يتيم - نهض الميزان إلى ‏موضعه الصحيح.‏

تم نسخ الرابط