خريطة صناعة المفتي الرشيد في العصر الرقمي
باحثون في المؤتمر الدولي العاشر للإفتاء بين التحذير والتقنين والتطبيق
واصل المؤتمر العالمي العاشر للإفتاء، الذي تنظمه دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعماله لليوم الثاني على التوالي، وسط حضور دولي واسع من كبار علماء الشريعة والمتخصصين في الشأن الديني والتقني من مختلف دول العالم، تحت عنوان "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي".
وفي إطار فعاليات اليوم، عقدت الجلسة العلمية الخامسة برئاسة فضيلة الشيخ أحمد البدوي، رئيس مجلس الإفتاء بكينيا، تحت عنوان: "استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين المقاصد والمآلات"، والتي ناقشت الدور المعاصر للذكاء الاصطناعي في الإفتاء، ومخاطره، وفرصه في تطوير صناعة المفتي الرشيد، من خلال مجموعة من الأبحاث العلمية القيمة.
افتتح الجلسة الدكتور عمر نهاد محمود، الأستاذ المشارك بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في أبو ظبي، ببحثه بعنوان "الفقه الافتراضي وأثره في صناعة الفتوى والمفتي في ظل الذكاء الاصطناعي". ركَّز الباحث على إبراز مكانة الفقه الافتراضي كأداة تربوية ومنهجية لبناء القدرات الاجتهادية للمفتين في مواجهة نوازل لم تقع بعد، مشيرًا إلى أن هذا الفقه ليس طارئًا على التراث الإسلامي، بل امتداد طبيعي للتراث الاجتهادي.
وأوضح الدكتور عمر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة في تحليل المعطيات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بما يدعم الأداء الإفتائي دون أن يحل محل المجتهد البشري، مقترحًا نموذجًا تكامليًا يجمع بين الفقه الافتراضي والتقنيات الحديثة، يتيح التدريب المحاكي للنوازل المتوقعة واستخدام التحليل البرمجي للنصوص الشرعية في توليد رؤى فقهية منضبطة، داعيًا إلى دمج هذا النوع من الفقه في مناهج إعداد المفتين وإنشاء وحدات بحثية متخصصة داخل مؤسسات الإفتاء للتعامل مع التحديات الرقمية المستجدة.
وفي سياق تطوير الخطاب الإفتائي في الغرب، قدم الدكتور المهاجري زيان، رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في جنيف، سويسرا، بحثه بعنوان "صناعة المفتي الرشيد في أوروبا.. مواجهة فوضى الفتوى والتأثيرات الأيديولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي". استعرض الباحث التحديات التي تواجه الجاليات المسلمة في أوروبا نتيجة انتشار الفتاوى غير المنضبطة، وغياب المرجعية الموحدة، واستغلال بعض الجماعات التطرفية للتقنيات الحديثة في التأثير على الشباب المسلم، محذرًا من خطورة التلاعب بالخطاب الديني عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأشار الباحث إلى أن دمج التكنولوجيا الحديثة في خدمة الإفتاء، ضمن رقابة شرعية ومهنية صارمة، يمثل فرصة لنشر الفتاوى الصحيحة على نطاق أوسع، مؤكدًا أهمية تأسيس هيئة أوروبية عليا للإفتاء مستقلة، وإطلاق منصات رقمية تحت إشراف بشري متخصص، مع برامج تأهيلية للمفتين لفهم السياقات الاجتماعية الأوروبية، وضمان توجيه الفتوى بما يخدم المسلمين في بيئة متعددة الثقافات دون الانحراف أو التسييس.
وفي نفس الجلسة، تناول الدكتور محمد الأمين سيلا، رئيس قسم البحوث والدراسات بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، موضوع "المفتي الرشيد في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي"، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي يُعد سارقًا لما يبذله الباحثون والكتاب من جهود علمية، ومشدّدًا على أن المفتي والمستفتي متلازمان، وأن الالتزام بما يعلمه المفتي للمستفتين واجب حتى لا يُقام عليه الحجة، مؤكدًا أن قول "لا أدري" للمفتي دليل على أمانته العلمية، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي.
كما ناقش الأستاذ الدكتور علي عثمان شحاتة، رئيس قسم الثقافة الإسلامية بكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر، في بحثه "الذكاء الاصطناعي والفتوى في عصرنا بين ضرورة الحذر وآليات الاستفادة"، الموازنة الدقيقة بين الفرص والمخاطر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على العملية الإفتائية. وأكد شحاتة أن الفتوى ليست رأيًا شخصيًا أو سلعة رقمية، وأن الاعتماد على التقنية بلا إشراف علمي دقيق يشكل تهديدًا للمنهجية العلمية والفهم المقاصدي للواقع.
وأشار الباحث إلى أهمية إنشاء منصات رقمية ومحركات بحث فقهية موثوقة، تخضع للهيئات الشرعية الرسمية، لتوفير محتوى ديني موثوق، وتحصين المجتمع من الفوضى الإفتائية، مع تدريب الكوادر الشرعية على استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة علمية مسؤولة، وإعداد مراكز بحثية متخصصة في تقاطع الشريعة والتقنية لتطوير أدوات إفتاء رشيدة.
واختتمت الجلسة بتأكيد جميع الباحثين على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لتطوير الفتوى وتحليل السيناريوهات المستقبلية، شرط أن يتم ذلك في إطار مؤسسي رقابي، يحافظ على المرجعية الشرعية، ويصون ثوابت الدين، ويعزز كفاءة المفتي في مواجهة تحديات العصر الرقمي دون المساس بالاجتهاد البشري أو استبداله.