ads
الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

٠٠لو كان الموت يجامل أحدا لأمهله حتي تشبع منه الحياة لكنه تحداه بالداء العضال فعجز عن تحديه ثم خنس عنه حينا ليختلسه في غفلة من الطبيب والعائد٠

كانت الفترة التي اختطفه فيها اشبه بالفترة التي تأخذ من أواخر الشتاء وأوائل الربيع وتجمع بين أواخر الصيف وأوائل الخريف  فيها أمشاج من الخدر والبرد والجدب وأمشاج من الحس والدفء والخصب وبين هذه الأمشاج رفرفت روحه كالفراشة الهائمة في الخميلة تحوم علي الزهر وترف علي الماء وتخفق علي العشب ثم  تسقط في النور لتغيب فيه كما تغيب الروح المطمئنة في فضاء الأبدية كان رحيله بين السحر والفجر حيث ينسلخ النهار من الليل وينبثق النور من الظلام لتنسم روحه كما ينسم الطفل النائم ثم تنطلق ليصبح كالشهاب التمع حينا ثم انطفأ كان نجما من نجوم الأدب ونجوم الأدب عندنا معدودون وكانت نجوميته منحة ربانية لاتنال بالحيلة أو التوصية وخلو الساحة ولكن بجهاده واجتهاده وعصاميته وكفايته العالية٠غرس غصن الأدب فأثمر وأطلع هلال علومه فأقمر وصوب سهام نقده  فأصاب الغرض وعالج سموم قريضه حتي نقه من المرض٠ كان ثروة ثقافية يصعب العوض عنها والعزاء فيها وبدأ غراس هذه الثروة في حقبة تشاهبت نجومها وتراصدت شهبها وتصدر المشهد شرذمة من أعقام الفكر وأعزابه التقوا علي فوضي من المثاقفات لا يجمعها سوي التناقض والاستلاب وتدمير الذات وكان طيب الله بالرضوان ثراه منقوعا في تراثه فأقسم بالليل اذا يغشي ليجعلن بيعتهم نسيئة وتجارتهم رديئة وبضاعتهم مزجاة٠ كان استنهاض الذات يومئذ بالقياس علي الأخر  وأنالت الكلونيالية تراثنا ماينال المصحر وسط العاصفة من اضطراب الريح حول مصباحه ووقوف الدجي دون اصباحه فقد وضعت المثقف العربي ضمن مشروعها وأوهمته لكي تستقطبه أنها الضمان الوحيد لانتشاره ليظل مفضولا بالتثقف وعليه بذل مقادته وهي فاضلة  بالتثقيف ولها ان تصعر خدها وانتشر ذلك بين المستغربين انتشار الظلام المضل والغاز الخانق وتسلل الي كتاباتهم تسلل الجنادب في الأجادب لتجعلها جنة يرعاها خنازير وانخدعوا بهذا الوهم فمشوا مكبين علي وجوههم كما تمشي  القنيصة متوكئة علي عصا الصائد تنقنق للقمحة  لاتدري ماتحتها من فخاخ هي أدني من شراك نعلها٠ لا يهم وقتئذ ان يكون المثاقف وراقا يتسلل من السقوف الي الرفوف ثم يسقط علي الحواشي ويتسكع بين الهوامش والمماشي ولكن المهم أن ينظر من صير الباب ليملأ عينيه من  شيئ غيره ويمدهما الي مايتمتع به سواه ثم يعود كالعبد المملوك لا يقدر علي  شيئ وهو كل علي مولاه يحمل بيارقه في موكب جنازة ويخدم موائده في حفلة عرس فاذا انتهت المهمةاستغنوا عن خدماته فأدبر ووجوه الماضي تلعنه كانت الساحة يومئذ حبلي بالمصائد والمصائر والمصائب الثقافية فالتفكيكية تولد ولادة قيصرية والبنيوية كعين الذئب الناعسة والواقعية تكشر عن أنيابها  والشعرية تنشأ في الحلية وقصيدة النثر تمشي  علي استحياء والعولمة  كالنار تحت الهشيم والتناص أجاءه المخاض الي كريستيفا بعد أن ظل  أمدا يراود باختين ويساوم سوسيير ٠الحداثيون كالذئاب  تقعي جلوس البدوي المصطلي كل متربص  يفغر فاه ويهرت اشداقه وغدوا كالأخطبوط الذي أمن الحوت فسيطر علي الماء ومعظم  اليابسة٠ فما حيلة الصقر  الكناني  وقد قذفت  به  الريح  بين  سفي  الرمال  وعصف  السمائم ٠لم يشأ شأن الكثيرين  أن يجنح الي التقية الأكاديمية ليقف من هذه الايديولوجيات موقف تماثيل المسرح من شخوص التراجيديا تظل تنظر وتنتظر حتي يتحلل هذا الوافد من الداخل ويسقط ذاتيا٠ ولكنه جنح  الي معادلة تقوم علي التطعيم والتقليم  وبذا تفصل المثاقفة عن الايديولوجيا وتضيئ منطقة العشي الدلالي الواقعة علي خط التماس بين صوت الأخر المعلن وهوامشه المقموعة ٠الوافد والتراث كلاهما فيه الغث والسمين فما كان سمينا يتجرعه ويسيغه وماكان غثا يركمه جميعا ويصنع به ماصنع عثمان بكل مصحف  غير  مصحفه٠كان انتماؤه لتراثه الاسلامي بوصفه الهوية والماهية والمتن الكبير الذي يشمل الدين والسياسة فضلا عن الفن  والثقافة وأساليب الحياة فاذا ما حاججته بأن التراث ضيق وهوللماضي لا للحاضر استدرك في  سرعة الفطن الحاضر الذي لايتعطر بالماضي مريض فرط فيه اساته والماضي الذي لايترمم بالحاضر  طلل رحل عنه أهله وتراثنا عرضنا وهو في سعته وضيقه كالشمس ساعة الظهيرة فالناظر اليها مهما كان بصره حديدا لايدرك من اشعتها المشرقة الا ما يغض طرفه ويملأ جفنيه ولا يحس من حرارتها المحرقة الا مايلفح جلدهويفتح عينيه وانعكس ذلك علي محاضراته ومحاوراته وأحاديثه الاذاعية وكان صلب القناة لا يتحرك ولا يتورك ويؤثر ان يضرس بأنياب علي أن يصانع في أمور تمس هويته مهما كانت قليلة فان تحليت بالصبر وجاملته بالاصغاء تمكنت بينكما الألفة وان خالفته لم ييبس مابينكما وظل كالعاطفة السامية تتماس في رفق وتنفرج  في  سهولة وقال مازحا يلطف من جهامة الجدل لعلك  أكلت لحم جزور وأحدثت في تراثنا ولن تطهر حتي تغتسل بالغسلين وتتحمم باليحموم وتتيمم سبع مرات احداهن بتراب  تبره وبعد ليل غاشي الجوانب وطريق وعر المسالك وسري تشاهبت نجومه وتراصدت شهبه تحققت نبوءته واذا فجر سمائه المنيرة تلوح للعيان ليبصرها العميان ويسمعها الصمان فتمنحه  الدولة وساما  يأتلق عليه من جبينه لمعة كأنه صبح يوم الجمعة أو فجر عرفة علي نهار مزدلفة وانحن اولاءعلي أثره نراجع  ترانيمه حرفا حرفا ونرشف من سلافها رشفا ونتروح بها تروح الظل وقت الوطيس ونأتلف بها ائتلاف الجليس بالانيس كلما شع نورها في افاقنا ولاح فسبحان فالق الاصباح أديب ترقت برقة أدبه الأرواح وشاعر تحلت بزهر معانيه الأدواح وعالم تجمعت فيه محاسن العلماء كما تجمعت في الروضة محاسن الربيع وداعية متبصر علي كانت رسالته في المجتمع رسالة الفنان يجمل بريشته عوار الحياة يضع يده في خسارتها فتربح وينفخ من روحه في عكارتها فتصفو٠وشأن أبناء الشرقية بنته الطبيعة بنية طائية يداه أندي من الليلة الماطرة لا تمسي لديه ضيفا وليس قري سوي مخ النعام حتي لتخاله من سلالة حاتم  وماكان الشبه بينه وبينه الا الصبر ومدوامة العطاء وأيناس الجليس وصباحة الوجه وتلك هي سيمياء اسمه ولقبه  انه وفقا لبطاقته  " صابر عبد الدايم يونس صبح " له من دلالة لقبه حظ من قولهم وأينما أبصرت عيناك ذا لقب الا ومعناه ان فكرت في  لقبه كان بين الأدبيين كممدوح ابي الطيب واحد من ناس دنياه وليس منهم  ٠٠لسانا نظيفا وقلبا عفيفا وعقلا حصيفاوروحا شفافة بعيدة عن  شنأن الحرفة وحجاب المعاصرة ومعارك الأهواء التي تقصم الظهر وتقصف العمر  وكان ينطوي علي تورع ينفي الغل عن ضميره والكيد في تقريره وهو في ذلك أنم من زجاجة علي مافيها فعلي لسانه جنانه وفي وجهه ترجمانه٠ ثم تعاقبت امواج السنين علي شاطئ الحياة  وهو محمول علي عواديها الرعن تدفع بعضه مع الرمل وبعضه مع الزبد و"القلب المفتوح" ينحت من عمره كما يأكل السيف من غمده ٠٠لم نكن مجرد صديقين ترافقا  في اللجنة العلمية الدائمة للأدب أمينا ومقررا بل كنا روحين في جسد ٠٠  ٠٠حزنت لموته قبل  موته وقد رأيت الالم يلح عليه فلم  يترك  منه الا مغيضا بقيعة واشفقت من عيادته في دارته  بعد أن حوقل العائد واستيأس الطبيب ولم يستبقيا أملا في شفائه الا ماتبقيه النار من لفتة العود اذا صار وقودا٠وبالأمس سكت العندليب  في  وحشة  الدوح  ونعته  بلابل  الأدواح وأسرته من حوله تتألم تألم الموجوع وتئن أنين المفجوع ترفع الي السماء يديها ولا تملك مسارب عينيها كانت تتألم وتظهر الجلد كانت تهرب من المشهد بالدمعة الباردة والزفرة الحري تقابل لفح التألم بجلد المضطر وتعلل النفس بالأمال رب ان شئت فالفضاء مضيق واذا شئت فالمضيق فضاء وبين الألم والأمل نفس تذوب وجسم يذبل ٠روح تتفطر الما وتتقطر أملا وبين التقطر والتفطر أخذته سنة طالت فصارت اغفاءة انفلت منها الي الأخرة كماتنفلت القطرة من المطرة ٠٠أرجو ياصديقي ان أكون قدرتك بعض قدرك يوم هاتفتني في مرضك وكنت تود فلم تغن الودادة لو اسمعك رثاءك في حياتك فاعترتني يومها رعشة العصفور  بلله  القطر وقلت لعمرك ما أدري واني لأوجل علي أينا تعدو المنية أول وانا اذ  انعاك اليوم فانما اشهد  في سجل الشرف والفضيلة والعالمية
انك كنت انسانا عاش في قلوبنا وخط فيها  خطوطا عميقة بعمق انسانيته ومروءته وأدبيته وعالميته وكرمه  ونبل أخلاقه وأن المكان الذي شغلته في قلوبنا سيظل الفضاء  الرحب  الذي  خلا  برحيلك

تم نسخ الرابط