٠٠لو كان الموت يجامل أحدا لأمهله حتي تشبع منه الحياة لكنه تحداه بالداء العضال فعجز عن تحديه ثم خنس عنه حينا ليختلسه في غفلة من الطبيب والعائد٠
كانت الفترة التي اختطفه فيها اشبه بالفترة التي تأخذ من أواخر الشتاء وأوائل الربيع وتجمع بين أواخر الصيف وأوائل الخريف فيها أمشاج من الخدر والبرد والجدب وأمشاج من الحس والدفء والخصب وبين هذه الأمشاج رفرفت روحه كالفراشة الهائمة في الخميلة تحوم علي الزهر وترف علي الماء وتخفق علي العشب ثم تسقط في النور لتغيب فيه كما تغيب الروح المطمئنة في فضاء الأبدية كان رحيله بين السحر والفجر حيث ينسلخ النهار من الليل وينبثق النور من الظلام لتنسم روحه كما ينسم الطفل النائم ثم تنطلق ليصبح كالشهاب التمع حينا ثم انطفأ كان نجما من نجوم الأدب ونجوم الأدب عندنا معدودون وكانت نجوميته منحة ربانية لاتنال بالحيلة أو التوصية وخلو الساحة ولكن بجهاده واجتهاده وعصاميته وكفايته العالية٠غرس غصن الأدب فأثمر وأطلع هلال علومه فأقمر وصوب سهام نقده فأصاب الغرض وعالج سموم قريضه حتي نقه من المرض٠ كان ثروة ثقافية يصعب العوض عنها والعزاء فيها وبدأ غراس هذه الثروة في حقبة تشاهبت نجومها وتراصدت شهبها وتصدر المشهد شرذمة من أعقام الفكر وأعزابه التقوا علي فوضي من المثاقفات لا يجمعها سوي التناقض والاستلاب وتدمير الذات وكان طيب الله بالرضوان ثراه منقوعا في تراثه فأقسم بالليل اذا يغشي ليجعلن بيعتهم نسيئة وتجارتهم رديئة وبضاعتهم مزجاة٠ كان استنهاض الذات يومئذ بالقياس علي الأخر وأنالت الكلونيالية تراثنا ماينال المصحر وسط العاصفة من اضطراب الريح حول مصباحه ووقوف الدجي دون اصباحه فقد وضعت المثقف العربي ضمن مشروعها وأوهمته لكي تستقطبه أنها الضمان الوحيد لانتشاره ليظل مفضولا بالتثقف وعليه بذل مقادته وهي فاضلة بالتثقيف ولها ان تصعر خدها وانتشر ذلك بين المستغربين انتشار الظلام المضل والغاز الخانق وتسلل الي كتاباتهم تسلل الجنادب في الأجادب لتجعلها جنة يرعاها خنازير وانخدعوا بهذا الوهم فمشوا مكبين علي وجوههم كما تمشي القنيصة متوكئة علي عصا الصائد تنقنق للقمحة لاتدري ماتحتها من فخاخ هي أدني من شراك نعلها٠ لا يهم وقتئذ ان يكون المثاقف وراقا يتسلل من السقوف الي الرفوف ثم يسقط علي الحواشي ويتسكع بين الهوامش والمماشي ولكن المهم أن ينظر من صير الباب ليملأ عينيه من شيئ غيره ويمدهما الي مايتمتع به سواه ثم يعود كالعبد المملوك لا يقدر علي شيئ وهو كل علي مولاه يحمل بيارقه في موكب جنازة ويخدم موائده في حفلة عرس فاذا انتهت المهمةاستغنوا عن خدماته فأدبر ووجوه الماضي تلعنه كانت الساحة يومئذ حبلي بالمصائد والمصائر والمصائب الثقافية فالتفكيكية تولد ولادة قيصرية والبنيوية كعين الذئب الناعسة والواقعية تكشر عن أنيابها والشعرية تنشأ في الحلية وقصيدة النثر تمشي علي استحياء والعولمة كالنار تحت الهشيم والتناص أجاءه المخاض الي كريستيفا بعد أن ظل أمدا يراود باختين ويساوم سوسيير ٠الحداثيون كالذئاب تقعي جلوس البدوي المصطلي كل متربص يفغر فاه ويهرت اشداقه وغدوا كالأخطبوط الذي أمن الحوت فسيطر علي الماء ومعظم اليابسة٠ فما حيلة الصقر الكناني وقد قذفت به الريح بين سفي الرمال وعصف السمائم ٠لم يشأ شأن الكثيرين أن يجنح الي التقية الأكاديمية ليقف من هذه الايديولوجيات موقف تماثيل المسرح من شخوص التراجيديا تظل تنظر وتنتظر حتي يتحلل هذا الوافد من الداخل ويسقط ذاتيا٠ ولكنه جنح الي معادلة تقوم علي التطعيم والتقليم وبذا تفصل المثاقفة عن الايديولوجيا وتضيئ منطقة العشي الدلالي الواقعة علي خط التماس بين صوت الأخر المعلن وهوامشه المقموعة ٠الوافد والتراث كلاهما فيه الغث والسمين فما كان سمينا يتجرعه ويسيغه وماكان غثا يركمه جميعا ويصنع به ماصنع عثمان بكل مصحف غير مصحفه٠كان انتماؤه لتراثه الاسلامي بوصفه الهوية والماهية والمتن الكبير الذي يشمل الدين والسياسة فضلا عن الفن والثقافة وأساليب الحياة فاذا ما حاججته بأن التراث ضيق وهوللماضي لا للحاضر استدرك في سرعة الفطن الحاضر الذي لايتعطر بالماضي مريض فرط فيه اساته والماضي الذي لايترمم بالحاضر طلل رحل عنه أهله وتراثنا عرضنا وهو في سعته وضيقه كالشمس ساعة الظهيرة فالناظر اليها مهما كان بصره حديدا لايدرك من اشعتها المشرقة الا ما يغض طرفه ويملأ جفنيه ولا يحس من حرارتها المحرقة الا مايلفح جلدهويفتح عينيه وانعكس ذلك علي محاضراته ومحاوراته وأحاديثه الاذاعية وكان صلب القناة لا يتحرك ولا يتورك ويؤثر ان يضرس بأنياب علي أن يصانع في أمور تمس هويته مهما كانت قليلة فان تحليت بالصبر وجاملته بالاصغاء تمكنت بينكما الألفة وان خالفته لم ييبس مابينكما وظل كالعاطفة السامية تتماس في رفق وتنفرج في سهولة وقال مازحا يلطف من جهامة الجدل لعلك أكلت لحم جزور وأحدثت في تراثنا ولن تطهر حتي تغتسل بالغسلين وتتحمم باليحموم وتتيمم سبع مرات احداهن بتراب تبره وبعد ليل غاشي الجوانب وطريق وعر المسالك وسري تشاهبت نجومه وتراصدت شهبه تحققت نبوءته واذا فجر سمائه المنيرة تلوح للعيان ليبصرها العميان ويسمعها الصمان فتمنحه الدولة وساما يأتلق عليه من جبينه لمعة كأنه صبح يوم الجمعة أو فجر عرفة علي نهار مزدلفة وانحن اولاءعلي أثره نراجع ترانيمه حرفا حرفا ونرشف من سلافها رشفا ونتروح بها تروح الظل وقت الوطيس ونأتلف بها ائتلاف الجليس بالانيس كلما شع نورها في افاقنا ولاح فسبحان فالق الاصباح أديب ترقت برقة أدبه الأرواح وشاعر تحلت بزهر معانيه الأدواح وعالم تجمعت فيه محاسن العلماء كما تجمعت في الروضة محاسن الربيع وداعية متبصر علي كانت رسالته في المجتمع رسالة الفنان يجمل بريشته عوار الحياة يضع يده في خسارتها فتربح وينفخ من روحه في عكارتها فتصفو٠وشأن أبناء الشرقية بنته الطبيعة بنية طائية يداه أندي من الليلة الماطرة لا تمسي لديه ضيفا وليس قري سوي مخ النعام حتي لتخاله من سلالة حاتم وماكان الشبه بينه وبينه الا الصبر ومدوامة العطاء وأيناس الجليس وصباحة الوجه وتلك هي سيمياء اسمه ولقبه انه وفقا لبطاقته " صابر عبد الدايم يونس صبح " له من دلالة لقبه حظ من قولهم وأينما أبصرت عيناك ذا لقب الا ومعناه ان فكرت في لقبه كان بين الأدبيين كممدوح ابي الطيب واحد من ناس دنياه وليس منهم ٠٠لسانا نظيفا وقلبا عفيفا وعقلا حصيفاوروحا شفافة بعيدة عن شنأن الحرفة وحجاب المعاصرة ومعارك الأهواء التي تقصم الظهر وتقصف العمر وكان ينطوي علي تورع ينفي الغل عن ضميره والكيد في تقريره وهو في ذلك أنم من زجاجة علي مافيها فعلي لسانه جنانه وفي وجهه ترجمانه٠ ثم تعاقبت امواج السنين علي شاطئ الحياة وهو محمول علي عواديها الرعن تدفع بعضه مع الرمل وبعضه مع الزبد و"القلب المفتوح" ينحت من عمره كما يأكل السيف من غمده ٠٠لم نكن مجرد صديقين ترافقا في اللجنة العلمية الدائمة للأدب أمينا ومقررا بل كنا روحين في جسد ٠٠ ٠٠حزنت لموته قبل موته وقد رأيت الالم يلح عليه فلم يترك منه الا مغيضا بقيعة واشفقت من عيادته في دارته بعد أن حوقل العائد واستيأس الطبيب ولم يستبقيا أملا في شفائه الا ماتبقيه النار من لفتة العود اذا صار وقودا٠وبالأمس سكت العندليب في وحشة الدوح ونعته بلابل الأدواح وأسرته من حوله تتألم تألم الموجوع وتئن أنين المفجوع ترفع الي السماء يديها ولا تملك مسارب عينيها كانت تتألم وتظهر الجلد كانت تهرب من المشهد بالدمعة الباردة والزفرة الحري تقابل لفح التألم بجلد المضطر وتعلل النفس بالأمال رب ان شئت فالفضاء مضيق واذا شئت فالمضيق فضاء وبين الألم والأمل نفس تذوب وجسم يذبل ٠روح تتفطر الما وتتقطر أملا وبين التقطر والتفطر أخذته سنة طالت فصارت اغفاءة انفلت منها الي الأخرة كماتنفلت القطرة من المطرة ٠٠أرجو ياصديقي ان أكون قدرتك بعض قدرك يوم هاتفتني في مرضك وكنت تود فلم تغن الودادة لو اسمعك رثاءك في حياتك فاعترتني يومها رعشة العصفور بلله القطر وقلت لعمرك ما أدري واني لأوجل علي أينا تعدو المنية أول وانا اذ انعاك اليوم فانما اشهد في سجل الشرف والفضيلة والعالمية
انك كنت انسانا عاش في قلوبنا وخط فيها خطوطا عميقة بعمق انسانيته ومروءته وأدبيته وعالميته وكرمه ونبل أخلاقه وأن المكان الذي شغلته في قلوبنا سيظل الفضاء الرحب الذي خلا برحيلك