ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تقديم:

في مسرح الدولة الحديثة، حيث تتشابك خيوط التنمية مع سيادة القانون، تقف شخصية محورية على عتبة تحول تاريخي هي مأمور الضبط الإداري والقضائي.

فطويلاً، ارتسمت صورته في الوعي الجمعي الحكومي والقضائي والشعبي، كحارس صارم لأسوار المدينة، يتربص بالخارجين عن النص، وسيفه هو نص القانون المسلول، وغايته هي العقاب بعد أن تقع الواقعة. حيث كانت وظيفته أشبه بوظيفة المؤرخ الذي يسجل الأخطاء، لا الفنان الذي يبدع ويوفر الفرص. لكن رياح العصر، المحملة بعبق الابتكار وضغوط التنافسية العالمية، تدعونا اليوم إلى إعادة قراءة هذا الدور، بل إلى إعادة اختراعه بالكامل. فلم يعد كافيًا أن يكون القانون درعًا يحمي، بل يجب أن يصبح رافعة تبني؛ وهنا، يتحول مأمور الضبط من حارس جامد إلى مهندس ديناميكي، يشارك في تشييد صروح المستقبل.

إن مقالتنا هذه ليست مجرد دعوة للتغيير، بل هي شهادة على تحول بدأ بالفعل، نستلهم فيها من نموذج أبوظبي الرائد نبراسًا، ونستأنس بتجارب دول سبقتنا في هذا المضمار، من دقة "المُقنِع" الياباني إلى مرونة "البراغماتي" الصيني، ومن حكمة "الشريك" الاسكندنافي إلى سرعة "المُسرِّع" الكوري. إنها رحلة لاستكشاف كيف يمكن للصلاحيات والواجبات الضبطية، حين تُصقل بالحكمة وتُؤطّر بالرؤية التنموية، أن تتحول إلى قوة ناعمة تزرع الامتثال في تربة الثقة، وتحصد الازدهار في حقول المجتمع الواعي.

أولا: القطيعة الفلسفية – من منطق "الردع" إلى عقيدة "الدفع نحو التنمية"

تقليدياً، قام الضبط الإداري والقضائي على فلسفة الردع. فالهدف الأسمى كان منع وقوع المخالفة أو الجريمة، وإن وقعت، فضبط مرتكبها وتقديمه للعدالة ليكون عبرة لغيره. هذا المنطق، ورغم ضرورته للحفاظ على الحد الأدنى من النظام العام، إلا أنه يحمل في طياته بذور قصوره في عالم اليوم، فهو يتسم بـ :

1. التكلفة الباهظة: فمنظومة قائمة على الملاحقة والتقاضي والعقاب هي منظومة مكلفة ماديًا وبشريًا، تستنزف موارد الدولة في معالجة أخطاء كان يمكن تلافيها.2. خنق الابتكار: فالخوف من العقوبة قد يدفع الأفراد والشركات إلى التمسك بالحد الأدنى من الامتثال، وتجنب أي محاولة للتطوير أو الإبداع قد تحمل في طياتها مخاطر تنظيمية غير محسوبة.3. العلاقة العدائية: تخلق هذه الفلسفة التقليدية، علاقة من الشك المتبادل بين السلطة والمجتمع، حيث يُنظر إلى رجل الضبط كخصم، لا كشريك في تحقيق المصلحة العامة التي تتعانق مع مصالح مجموع الافراد في المجتمع. في حين أن تكون علاقة الدولة بالمجتمع اشبه بعلاقة الوالد بأبنائه وأسرته.

أما الفلسفة الجديدة، التي تتبناها نماذج عالمية متقدمة، فتنطلق من عقيدة "الدفع" نحو الأفضل. فهي لا تلغي العقاب، بل تجعله الملاذ الأخير. غايتها الأولى هي بناء قدرات الأفراد والمنشآت على الامتثال، وتحويل الالتزام بالقانون من عبء إلى ميزة تنافسية. إنها تنظر إلى المخالفة البسيطة ليس كجريمة تستوجب العقاب الفوري، بل كعرض لمرض يستدعي التشخيص والعلاج؛ قد يكون نقصًا في المعرفة، أو ضعفًا في الموارد، أو سوء فهم للتشريع. وهنا يتدخل مأمور الضبط الجديد، لا كجلاد، بل كمرشد ومستشار وخبير وممكّن وداعم.

ثانيا: سيمفونية عالمية للتطبيق التنموي - دروس من الشرق والغرب

إن التحول نحو الضبط التنموي ليس فكرة مثالية غير واقعية، بل هو ممارسة راسخة في عدد من الدول الأكثر تطورًا في العالم، ولكل منها إيقاعها الخاص في عزف هذه السيمفونية ونعرض فيما يلي لأهم التجارب ذات الصلة.

1- اليابان ونظام قانوني يوصف بفن الإقناع الهادئ: 

في اليابان، تكشف التجربة عن هندسةٍ قانونيةٍ دقيقة تُزاوج بين «قوّة النصح» و«ظلّ الردع»: قانونٌ يُنظم التوجيه الإداري وحدوده؛ تفتيشٌ يعمل بالتعليم أولًا وبالجزاء عند اللزوم؛ قضاءٌ يحرس الحدود بين المشورة والتصرف؛ وأجهزةٌ قطاعية- في كافة أنشطة المجالات التنموية- تحوّل «التوجيه» إلى عمليةٍ معيارية قابلة للقياس. هذه السيمفونية قابلةٌ للتوطين عربيًا متى اقترنت بتشريعاتٍ واضحة، ونماذجَ موحدة للتقارير، ونشرٍ دوريّ للبيانات، وضمانةٍ قضائية لا تتسامح مع تعطيل الإجراءات أو التوصيات ذات الأثر القسري غير المبرر.

ففي اليابان، يعتبر "التوجيه الإداري" منظم بموجب الفصل الرابع من القانون رقم 88 لسنة 1993 بشأن الإجراءات الإدارية وتعديلاته - حيث يحاط بمبادئ الطابع الاختياري وحظر المعاملة المجحفة، وتنظيم التوجيه المتصل بالترخيص، وهو أداة رئيسية في يد الإدارة. بدلًا من إصدار أوامر وفرض غرامات فورية، تلجأ الوزارات والهيئات إلى إصدار توصيات وإرشادات غير ملزمة قانونًا، لكنها تحمل وزنًا أدبيًا كبيرًا.

- مثال عملي: وزارة الصحة والعمل والرفاهية، عند تفتيشها على الشركات، قد تجد مخالفات لساعات العمل. بدلًا من فرض غرامة مباشرة، تصدر وثيقتين: "توصية بالتصحيح" للمخالفات الواضحة، و "مذكرة توجيه" للمجالات التي يمكن تحسينها. هذا الأسلوب يمنح الشركة فرصة لتصويب أوضاعها طواعية، ويحول المفتش إلى مستشار يساعدها على فهم القانون وتطبيقه بشكل أفضل، مما يحافظ على العلاقة التعاونية ويحقق الامتثال بفعالية أكبر.

وفي اليابان أيضا نجد القضاء يرسم الحدود: متى يبقى «التوجيه» نصحًا؟ ومتى يصير «تصرفًا» قابلاً للطعن؟ ففي قضية تعليق البناء قضت المحكمة العليا (16 يوليو/تموز 1985) بأن تعليق سلطة البناء إصدار «شهادة تأكيد البناء» لمجرد وجود نزاعٍ مجاور مع توجيهٍ إداري للطرفين يُشكّل فعلًا غير مشروع بموجب قانون مسؤولية الدولة؛ لأن إجراءات التأكيد—بحسب قانون البناء—هي بطبيعتها عملٌ فحصيّ واجب الأداء خلال أجلٍ محدد متى استوفت الشروط، ولا يجوز تجميدها بغطاء «توجيه». إن هذا الحكم يحمي «الحق في القرار الإداري خلال الميعاد» من الابتزاز الناعم.

وفي قضية أخرى في 15 يوليو/تموز 2005 قررت المحكمة العليا أن توصية وقف إنشاء مستشفى الصادرة استنادًا إلى نصٍ في قانون الطب القديم تُعدّ «تصرفًا إداريًا» قابلًا للطعن إذا ارتبطت—بدرجةٍ عالية من اليقين—بآثارٍ قانونيةٍ جسيمة، مثل رفض اعتماد المنشأة كمقدِّم خدمةٍ مؤهّلٍ للتأمين الصحي. فالعبرة بالنتيجة العملية لا باللافتة الشكلية: «توجيه بلا قسر» يظلّ توجيهًا؛ أمّا إن تحول إلى حرمانٍ فعلي، فقد دخل دائرة «التصرف». وهكذا نجد ان القضاء الياباني يضع قيدين متكاملين على التوجيه الإداري:

(أ) منع تعطيل البتّ في الطلبات أو تعليق الاختصاصات بحجة التوجيه.

(ب) إسباغ صفة «التصرف» على التوصيات التي تُنتج أثراً مُلزِمًا أو حرمانًا فعليًا، بما يفتح باب الرقابة القضائية عليها.

2- مرونة التنين الصيني البراغماتية:

لتحقيق أهدافها التنموية الهائلة، تبنت الصين مفهوم "الإنفاذ القانوني القائم على الخدمة" و "الإنفاذ المرن". فالفكرة هي أن الهدف القانوني ليس معاقبة الشركات، بل مساعدتها على النمو ضمن إطار القانون.

- مثال عملي: في مناطق صناعية عديدة، بدلًا من إغلاق مصنع يخالف معايير بيئية بسيطة، تقوم هيئة حماية البيئة بإرسال خبراء لمساعدة المصنع على تعديل عملياته وتركيب فلاتر جديدة، مع وضع جدول زمني للتصويب. كما تتبنى السلطات مبدأ "قائمة المخالفات البسيطة التي لا تستوجب العقاب الفوري"، مما يمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة مساحة للتنفس والتعلم من أخطائها دون أن تتعرض لضربة قاضية.- ومن خلال الإرشاد القضائي السياساتي على مستوى الدولة لتصحيح «المخالفات البسيطة» بدلا عن العقاب اكد القضاء على جملة أمور، منها:o وزارة العدل (2024) شددت في مذكرة توجيهية معممة على المحاكم على أن مَن استوفى شروط «المخالفة الأولى الخفيفة مع التصحيح» ثم عُوقب، فعلى المحكمة إلغاء قرار الغرامة؛ وهو توجيه يترجم المادة 33 من قانون العقوبات الإدارية إلى معيار تقاضٍ واضح.o المحكمة الشعبية العليا (2025) : دعت محاكم البلاد إلى تصحيح «المخالفات المُغالَى في عقوبتها» في قضايا الجزاءات على القطاع الخاص، وتعزيز فحص التناسب ومواءمة الجزاء مع خطورة الفعل.o النيابة العامة العليا (2024) : أبرزت في «الكتاب الأبيض للعمل الادّعائي الإداري» حملاتٍ مشتركة لتوحيد تطبيق «التناسب» و«اللاعقوبة للمخالفة الأولى» عبر القضاء والادّعاء والهيئات الرقابية؛ ما يُقوّي سلسلة الإنفاذ الخِدمي من التشريع حتى التقاضي.

3- شراكة مبنية على الثقة في النظام القانوني الاسكندنافي:

في دول مثل الدنمارك والنرويج والسويد، العلاقة بين الدولة والمجتمع مبنية على درجة عالية من الثقة. وينعكس هذا في ممارسات الضبط التي تدمج بشكل مؤسسي بين "الإشراف" و "الإرشاد".

- مثال عملي: هيئة السلامة المهنية النرويجية تعلن أن هدفها الأساسي هو "التوجيه"). عند زيارة موقع بناء، لا يبحث المفتش عن الأخطاء فقط، بل يقدم استشارات حول أفضل الممارسات لضمان سلامة العمال. اما العقوبات مثل "الأوامر"و "الغرامات" تُستخدم فقط في حالات الإهمال الجسيم أو تكرار المخالفات، مما يعزز ثقافة المسؤولية المشتركة.- وفي السويد يجيز قانون بيئة العمل السويدي (1977:1160) لهيئة بيئة العمل إصدار أوامر/محظورات مع غرامة تهديدية لضمان الامتثال؛ وهو تجسيد لنموذج “التوجيه مع إمكانية الإلزام”. وتطبيقا لذلك ألغت المحكمة الإدارية العليا أمراً مُقروناً بغرامة تهديدية صدر عن الهيئة لافتقاره للسند القانوني الكافي؛ وقررت أن السلطة يجب أن تُحاجِج الضرورة والتناسب عند اللجوء للغرامة، لأن الأصل هو الإرشاد ثم التدابير الأقل تقييداً. هذا الحكم أرْسى معياراً يُلزِم السلطة بضبط استخدام “الفيتِه” بحدود المشروعية والتناسب.- وفي الدنمارك يقرّر قانون بيئة العمل الدنماركي صلاحيات الإشراف والإرشاد والأوامر، مع نظام جزائي متدرّج أساسه الغرامة ويُشدَّد في الحالات الجسيمة أو المتكررة؛ وهو ما يكمّل فلسفة “التوجيه قبل العقوبة” وفي حكم 27 مايو/أيار 2025 بشأن نزاع توقف عمّالٍ عن العمل لعيوب في السقالات، سُجِّل أن هيئة بيئة العمل لم تُغلق السقالة بل أصدرت “أمراً عاجلاً” لحسابات الإنشاء، وبقي الاستخدام ممكناً مع متابعةٍ إرشادية—وهو مثالٌ عملي على تقديم المشورة والتدبير التصحيحي قبل العقوبة. وفي حكم 14 سبتمبر/أيلول 2021 في نزاع بيئة عملٍ نفسي، ثبّتت المحكمة أن تقييم هيئة التفتيش لم يُفضِ إلى أوامر أو حظر، ما يعكس إيثار الحوار والإرشاد متى أمكن.

ويبين مما تقدم ان الدول الإسكندنافية بينها قاسمٌ مشترك هو أدواتٌ تشريعية تُمكِّن المفتش من الإرشاد أولاً، ثم أوامر محدّدة قد تُقرن بـغراماتٍ تهديدية أو إدارية، مع رقابةٍ قضائية تُشدد على سند النص والتناسب عند الانتقال من التوجيه إلى الردع.

4- كوريا وسنغافورة وماليزيا: ثلاثي النمور الآسيوية للابتكار المعزز قانونا: 

- كوريا الجنوبية - المُسرِّع: تبرع كوريا في استخدام "صندوق الحماية التنظيمي" وهو آلية تسمح للشركات المبتكرة بإطلاق منتجات أو خدمات جديدة في بيئة تجريبية خاضعة للإشراف، مع إعفائها مؤقتًا من بعض القيود التنظيمية. هنا، لا يكون دور المراقب / المفتش هو المنع، بل المراقبة والتوجيه لضمان أن الابتكار لا يأتي على حساب السلامة، مما يسرّع وتيرة التطور التكنولوجي ويسمح باختبارها في بيئة حقيقية خاضعة للرقابة. وقد أدت هذه الآلية إلى ولادة ابتكارات مثل روبوتات التوصيل ذاتية القيادة، وآلات بيع الأدوية الذكية، وتطبيقات البلوك تشين في مدينة بوسان." قانون تعزيز تطوير وتعميم الروبوتات الذكية 2023 وتطبيقا لذلك قضت المحكمة العليا الكورية في 27 أكتوبر 2016، بالتشديد على لزوم مراعاة ضمانات الإجراءات (إخطار مسبق وإتاحة إبداء الرأي) قبل فرض جزاءٍ إداري؛ فالإخلال بالإجراءات يمسّ مشروعية القرار حتى في إطار تحقيقاتٍ/رقابةٍ مرنة. كما قضت في سوابق مدنية (2008/2013): انه إذا التزم الموظف بحدود الإرشاد غير القسري ولم يتجاوزها إلى الإكراه أو الانحراف، لا تقوم مسؤولية الدولة عن أضرارٍ ترتبت على الامتثال للإرشاد؛ أما إذا فقد الإرشاد المشروعية أو التناسب فقد تنعقد المسؤولية.- وتطبق سنغافورة ببراعة "التفتيش القائم على المخاطر" (Risk-Based Inspection). فبدلًا من معاملة جميع الشركات بنفس الدرجة من التدقيق، تركز هيئة البناء والتشييد (BCA) مواردها على المشاريع والمقاولين ذوي المخاطر الأعلى، بينما تمنح ثقة أكبر للشركات ذات السجل الحافل بالالتزام. هذا النهج لا يزيد من كفاءة الرقابة فحسب، بل يكافئ الشركات الملتزمة.- وفي ماليزيا – تم ابتكار نظام المصمم المشارك: فمن خلال فرقة العمل الخاصة PEMUDAH، تشرك ماليزيا القطاع الخاص بشكل مباشر في عملية تصميم وتحسين اللوائح التنظيمية. هذا النهج التعاوني يضمن أن تكون القوانين عملية وداعمة لبيئة الأعمال، ويحول عملية الإنفاذ من مواجهة إلى حوار مستمر.

ثالثا: نموذج أبوظبي - التقاء الرؤى وتجسيد المستقبل:

في خضم هذه التجارب العالمية، يبرز نموذج أبوظبي ليس كمجرد تطبيق آخر، بل كتوليفة متطورة وتركيب مبتكر يجمع أفضل ما في هذه الفلسفات. إن تجربة الإمارة في إعادة اختراع دور مأمور الضبط تمثل نموذجًا عالميًا رائدًا، لأنها لم تكتفِ بتعديل جزئي، بل تبنت إعادة هيكلة شاملة قائمة على عدة ركائز:

1. الإطار التشريعي الداعم: تحديث القوانين لتضمين أدوات مرنة مثل التوجيه، والإنذار، والتصالح، قبل اللجوء إلى العقوبات المشددة.2. الاستثمار في الإنسان: إطلاق برامج تدريب مكثفة لمأموري الضبط، من خلال أكاديمية أبوظبي القضائية – دائرة القضاء أبوظبي ، لا تركز على الجانب القانوني فحسب، بل تشمل مهارات التواصل، والجوانب الفنية وحل المشكلات، وفهم بيئة الأعمال، ليتحولوا إلى "سفراء للتنمية".وكخبراء للتوعية والإرشاد والتوجيه والتطوير والدعم .3. الثقافة المؤسسية الجديدة: ترسيخ ثقافة تقوم على الشراكة والخدمة، حيث يتم تقييم أداء مأمور الضبط ليس فقط بعدد المخالفات التي حررها، بل بمدى نجاحه في رفع مستوى الوعي والالتزام في القطاع الذي يراقبه ومدي تحقيق المرفق العام الذي ينتسب اليه لمستهدفاته الاستراتيجية التنموية من خلال الافراد والجهات والشركات الممارسة للأعمال والخدمات محل التنظيم.

إن نموذج أبوظبي يقدم للعالم درسًا بليغًا: " في إن التحول الحقيقي لا يكمن في تغيير النصوص القانونية فحسب، بل في تغيير عقلية من يطبقونها".

رابعا: المأمور الجديد.. ضمير التنمية الحي

ولإننا نقف على أعتاب عصر جديد للإدارة العامة والقانون الإداري المنظم للمرافق العامة القائمة على تنظيم الأنشطة الحياتية التنمويةالمختلفة، وعصر لا يُقاس فيه نجاح الدول بصرامة قوانينها، بل بمدى قدرة هذه القوانين على إطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع. فمأمور الضبط، في حلته الجديدة، هو تجسيد حي لهذه الفلسفة. فلم يعد مجرد عين ساهرة على تطبيق القانون، بل أصبح عقلًا مبدعًا يساهم في تطويره، ويدًا مرشدة تساعد على الالتزام به، وقلبًا مؤمنًا بأن غاية النظام هي تحقيق الازدهار الإنساني.

إن الطريق الذي رسمته أبوظبي، وأنارته تجارب اليابان والدول الاسكندنافية وغيرها، هو مستقبل إنفاذ القانون. إنه دعوة مفتوحة لكل دول أوطننا العربية لتطلق العنان لهذه القوة التنموية الناعمة، وتحول مأموري الضبط من حراس جامدين على بوابات الماضي، إلى شركاء فاعلين في رحلة بناء المستقبل.

تم نسخ الرابط