أدي التحول نحو الواقع الافتراضي، وتغول مواقع التواصل الاجتماعي في غياهب المناحي الحياتية، وبزوغ فجر "الجمهور الرقمي" كأحد أبرز المؤثرين على هذه المواقع الاجتماعية إلي انتشار ظواهر إعلامية، واجتماعية، وفكرية، ألقت بظلالها على بنية المجتمع وخصائصة الاجتماعية والنفسية، وقيمه وثوابته الدينية، ومرتكزاته الأخلاقية.
ومن بين أبرز هذه الظواهر تأتي ظاهرة "الترند" أو "المحتوي الرائج" كنتاج طبيعي لحالة السيولة والفوضي التي عمت مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أثارت العديد من التحديات أمام ضبط المشهد الإعلامي الرقمي، وإحاطته بسياج من المسؤولية، وتوجيهه نحو المسار الصحيح في دفع الأفراد والهيئات والمؤسسات إلي التوظيف الأمثل للوسائط الإلكترونية والتقنيات في تحقيق الغايات والآمال والطموحات التي تعج بها عقول أصحاب السواعد الفتية.
"ظاهرة غريبة على مجتمعاتنا" انتشرت كالنار في الهشيم، ليتعوذ منها الفطن اللبيب كما يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
"ظاهرة غير طبيعية" أفرزتها مواقع التواصل الاجتماعي لتتوغل في كل مناحي الحياة، وتعكر صفو الحياة وطهارة القلب ونقاء المياه.
"ظاهرة مؤسفة" حولت "المواقف الهادفة" و"القيم النبيلة" إلي وسيلة للتربح، والتكسب، والاتكالية، دون مراعاة لقيم مجتمعية، أو مبادئ أخلاقية، أو براءة طفولية، أو مواقف بطولية.
"ظاهرة خطيرة" تسعي لتجريد أرض مصريتنا الخصبة من "خصال الخير" التي تجذرت في جينات هذا الشعب كالرضا، والقناعة، والبساطة، لينتشر العفن لدي البعض دون تأفف، أو تمعر وجه، ودون إزالة أو إماطة.
"ظاهرة مقيتة" حولت الجميع إلي سلعة تباع وتشتري عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير عابئة بطبيعة إنسانية، أو كرامة بشرية، داستها أقدام الذيوع والانتشار، وجني الأرباح، وحصد الأموال دون تريث، أو انتظار، أو رضا بما وهبه رب البرية.
"ظاهرة مخيبة للآمال" يستغلها أشباه النجوم، وأنصاف الرجال للظهور الملفت، والتربح، والتكسب في الحال، دون مراعاة ليوم الحساب، وساعة الحشر، ودنو الآجال.
"ظاهرة قميئة" تلقفتها يد الخطيئة لتهين كرامة البشر، وتدنس أعراض الرجال بألفاظ جارحة، وحركات فجة، ملؤها الإسفاف، والتبرج، والابتذال.
" ظاهرة مريبة" تضيع الأجيال، ولا تحتاج للسفر آلاف الأميال، وتقتل الطموح والآمال، وتجعل "العمل الجاد" أمر صعب محال، وضرب من وحي الخيال.
"ظاهرة فجة" يتسلق البعض جدرانها ليقفز فوق المحتوي الرائج -حسنا كان أم سيئا، هادفا كان أم تافها-؛ ليحقق مآربه، ومكاسبه علي حساب الآخرين، ويروج لسلعته وبضاعته ليصبح في مقدمة الركب بعد أن كان فى زيل القائمة مع المتأخرين.
هذه "الظاهرة" أطلت علينا بوجهها القبيح لتستنزق الأوقات، وتستهلك الطاقات، وتنشر اليأس بين أهل الجد والعزم من سائر الطبقات، وتحول الجميع ليكون من أهل العوز الإلكتروني وأصحاب الفاقات، وتؤصل لثقافة المكسب السريع دون حاجة للسعي والجد في أصعب الدروب والطرقات.
"ظاهرة" تحتاج إلي "دراسة متعمقة" ووقفة جادة متأنية" وخطوات فاعلة ناجزة من أولي الأمر وأصحاب القرار وأصحاب الأيادي الحانية، والحريصين على مصلحة هذا الوطن، وعلي الآخرة لا الفانية.
والسؤال الذي يفرض نفسه -بقوة-، ويحتاج إلي إجابة واضحة: متي نوظف الواقع الرقمي لخدمة أهدافنا المجتمعية، والحفاظ على ثوابتنا الدينية، وتدعيم هويتنا وثقافتنا، ومرتكزاتنا الأخلاقية والقيمية؟!
متي نقوم بدورنا في تصحيح المسار الرقمي، وتوظيف أدواته وتقنياته بما يعود بالنفع على أوطاننا، ويدعم أواصر الهوية في بلادنا؟!
للإجابة على هذا السؤال وللتخلص من هذا الداء العضال نحتاج إلي مشرط جراح ماهر، يستأصل الورم الخبيث من جسد الواقع الرقمي الافتراضي، ويشخص المرض بدقة متناهية، ويضع العلاج الأمثل الذي يعيد للمشهد الرقمي والواقع الافتراضي الحياة من جديد.