ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

كانت قاعات المحاكم رمزًا لرهبة القانون وهيبته، بأعمدتها الحجرية وأروقتها الخشبية. 

لكن المشهد تبدّل ، حيث صارت المنازعات تُولد وتكبر في فضاءات الإنترنت المعقّدة، وتتحرك بسرعة لا تُحتمل داخل اقتصاد رقمي لا ينام.

هنا أدركت الصين أن العدالة لا تُرمَّم بطلاءٍ إلكتروني على جدران قديمة، بل تُعاد هندستها من الأساس لتتلاءم مع زمن البيانات والذكاء الاصطناعي. 

وبينما فضّلت دولٌ أخرى – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – إدخال التقنية على استحياء داخل هياكلها التقليدية، قفزت الصين قفزةً استراتيجيةً جريئة، فحوّلت التقنية من “أداة” إلى “جوهر” لمستقبل القضاء.

مقالتنا هذه ليست سردًا لتاريخ تقني فحسب، بل دعوة مفتوحة لفضائنا العربي كي يختار طريقه، هل نكتفي بنوافذ إلكترونية في مبنى العدالة القديم، أم نبني مبنًى جديدًا للعدالة الرقمية للصقور والنسور العربية على غرار تجربة التنين الصيني؟

أولًا: الصين تقفز إلى المستقبل

في هانغتشو 2017 ظهر ميلاد أول محكمة إنترنت متخصصة،فلم تكن قفزة الصين نحو القضاء الرقمي ترفًا، بل استجابة لضغطٍ واقعيّ. 

ففي هانغتشو، عاصمة التجارة الإلكترونية، قفزت قضايا هذا القطاع من نحو 600 قضية عام 2013 إلى أكثر من 10,000 قضية في 2016. مع بطء في الإجراءات ووزيادة في تكاليف التقاضي عبر الأقاليم في ظل الآليات التقليدية. 

وفي عام 2015 أطلقت المحكمة العليا لمقاطعة تشيجيانغ مشروعًا تجريبيًا لمحكمة إلكترونية للتجارة بالتعاون مع “علي بابا”، قبل أن تُصادِق اللجنة المركزية لتعميق الإصلاح الشامل في 26 يونيو 2017 على إنشاء محكمة إنترنت متخصصة في هانغتشو. وفي 18 أغسطس 2017 وُلدت أول محكمة إنترنت في العالم، ثم توسّع النموذج سريعًا بافتتاح محكمتي إنترنت في بكين وغوانغتشو في سبتمبر 2018، لتتشكل نواة استراتيجية وطنية للعدالة الرقمية.

1 - إطار قانوني يبتكر “اختصاصًا مركزيًا”

في 6 سبتمبر 2018 أصدرت المحكمة الشعبية العليا وثيقة تنظّم عمل محاكم الإنترنت وحدّدت باقة اختصاصها النوعي في أحد عشر نوعًا من القضايا المرتبطة بالفضاء الرقمي، تمثلت فيعقود التسوق والخدمات عبر الإنترنت، والقروض الرقمية، وحقوق المؤلف للأعمال المنشورة رقميًا، ونزاعات أسماء النطاق والانتهاكات المدنية على الشبكة. 

والأهم أن هذه المحاكم مُنحت اختصاصًا “مركزيًا” يمتدّ على نطاق المقاطعة وربما على المستوى الوطني، بغضّ النظر عن أماكن الخصوم. إنه ابتكار لا نظير له في قواعد الاختصاص التقليدية، وضع محاكم الإنترنت في منزلة قانونية فريدة، فهي ليست “محاكم متخصصة” بالمعنى التشريعي الصارم بعد، لكنها مدعومة مباشرة من أعلى سلطة قضائية باعتبارها أداةً لضبط حوكمة الفضاء السيبراني وصياغة قواعده.

2- قاعة محكمة لا تنام بلا جدران:

لم تقف الصين عند إنشاء محاكم متخصصة، بل أعادت تعريف التجربة القضائية ذاتها. 

فهي تُنجَز كل مراحل الدعوى عن بُعد، تسجيل إلكتروني، تبليغات، تبادل مذكرات، وجلسات تُعقد عبر الفيديو والبث المباشر. وهكذا صارت العدالة خدمة متاحة عبر منصة موحّدة وهاتف ذكي، والأثر الملموس نحو 78% من قضايا محكمة بكين للإنترنت كان أحد أطرافها خارج المدينة، وتمكّنوا من التقاضي دون سفر. وتشير الإحصاءات إلى أن المحكمة وفّرت على المتقاضين قرابة 29.87 مليون كيلومتر من التنقّل في عامها الأول، أي ما يعادل تقريبًا 800 يوان و16 ساعة لكل متقاضٍ. انخفض متوسط زمن الفصل إلى نحو 38 يومًا فقط، وقُبل 98% من الأحكام دون طعن، وهي مؤشرات على ثقة عامة ورضا ملموس.

3- ابتكارات حاكمة للأدلة والحقوق الرقمية :

1) بلوك تشين لتأمين حجّية الأدلة:

ففي 27 يونيو 2018 قبلت محكمة هانغتشو للإنترنت دليلًا محفوظًا على سلسلتي كتل (بيتكوين وFactom) في نزاع حقوق نشر، مؤكدةً أن البلوك تشين يضمن سلامة الأدلة وصعوبة العبث بها.

 ولاحقًا كرّست المحكمة الشعبية العليا هذا المبدأ في قواعد محاكم الإنترنت (مادة 11)، مع الاعتراف بالتوقيع الإلكتروني والطابع الزمني الموثوق. ثم أُنشئت منصة قضائية موحّدة للبلوك تشين تُخزَّن عليها البيانات والأدلة على المستوى الوطني؛ وبحلول أواخر 2019 كان قد أُودِع عبرها أكثر من 194 مليون سجل إلكتروني.

2)  السوابق القضائية للذكاء الاصطناعي والبيانات:

- حقوق الصورة الافتراضية: فقد قضت محكمة بكين للإنترنت بأن إنشاء “أفاتار” يُحاكي صورة شخص وصوته دون إذنه انتهاكٌ لحقه في صورته وشخصيته، وألزمت المطوّر بالتعويض والاعتذار، مؤكدة امتداد الحماية إلى الهوية الافتراضية.- حقوق الصوت المُولّد بالذكاء الاصطناعي: وفي دعوى رفعتها فنانة دوبلاج، قرّرت المحكمة أن النسخ الاصطناعية لصوت الشخص تُحمى إذا أمكن للجمهور ربطها بصاحبها الحقيقي؛ واُعتُمد هذا النهج في قانون الحقوق الشخصية ضمن القانون المدني (2020).- الإبداع بواسطة الذكاء الاصطناعي (قضية Li ضد Liu)،نوفمبر 2023: فقد اعترفت المحكمة بالحماية لصور فنية مُولَّدة عبر منصة ذكاء اصطناعي حين يُثبت أن للمستخدم إسهامًا فكريًا خلاقًا في التوجيه والصقل، في اتجاه مغاير لنهج الولايات المتحدة الذي يضيّق حماية النتاجات ذات الإسهام البشري المحدود.- ملكية البيانات الرقمية وتوازن المصالح: وفي نزاع شهير رفعت Tencent دعوى ضد شركتين تجمعان بيانات مستخدمي WeChat دون إذن. ميّزت المحكمة بين بيانات مجمّعة تعود للمنصة، وبيانات فردية تخصّ المستخدمين؛ وأقرت أن جمع الأطراف الثالثة للبيانات الفردية دون إذن انتهاكٌ لحقوقهم، مع تمكين المنصة من التقاضي حمايةً لمستخدميها. 

انتهت القضية بإدانة السلوك كمنافسة غير مشروعة وإلزام بالتعويض (2.6 مليون يوان)، في صياغة اتّزنت بين حقوق المنصات وحقوق الأفراد.

بهذه الابتكارات تحوّلت محاكم الإنترنت في الصين إلى “مختبر تشريعي وقضائي” يُسدّ فجوات القانون ويُبلور قواعد جديدة لعصر الاقتصاد الرقمي.

ثانيًا: التحول البطيء في التجربة الأمريكية:

على الجانب الآخر من العالم، تمسّكت الولايات المتحدة بهيكلها القضائي التقليدي، فأدخلت التقنية تدريجيًا وبلا مركزية واضحة. 

وعماد الرقمنة الفيدرالية هو نظام إدارة القضايا والملفات الإلكتروني(CM/ECF) الذي بدأ مطلع الألفية وأتاح الإيداع الإلكتروني للمرافعات. لكنه نظام “مُوحّد اسمًا”؛ إذ تُدير كل محكمة خوادمها وقواعد بياناتها وإعداداتها بمعزل عن الأخرى، فتتباين مستويات الكفاءة الرقمية وتكامل المعلومات بين محكمة وأخرى.

ومع اندلاع جائحة كوفيد-19 في 2020 دفعت المحاكم قسرًا إلى جلسات مرئية وتقاضٍ عن بُعد. 

غير أن هذا التحول كان طارئًا أكثر منه استراتيجيًا؛ ومع انحسار الجائحة، أعادت محاكم عديدة الاعتبار للحضور الحضوري أو أبقت الجلسات الافتراضية خيارًا محدودًا. 

ولم تتبنَّ السلطة القضائية خطة قومية لبناء “محاكم رقمية متخصصة” على غرار الصين، بل ظل التحديث موزّعًا على الولايات والمحاكم تبعًا لقدراتها ورؤاها.

سبق هذه المرحلة محاولات مبكرة لإطلاق محكمة رقمية متخصصة؛ فولاية ميشيغان أقرّت عام 2001 قانون “محكمة الفضاء الإلكتروني” للمنازعات التقنية والتجارية عبر الإنترنت، لكنها لم ترَ النور بسبب عقبات تمويلية ولوجستية وضعف الزخم السياسي. وتجارب أخرى بقيت محدودة الأثر.

وأما التحدي الأكبر فهو “الفجوة الرقمية” داخل المجتمع الأمريكي حيث ملايين يفتقرون إلى إنترنت عالي السرعة أو أجهزة ملائمة أو ثقافة رقمية كافية. لذلك حذّرت جهات عديدة من أن الإفراط في الافتراضي قد يُقصي فئات هشّة من الحق في الوصول إلى العدالة، ودَعَت إلى إبقاء التقاضي عن بُعد خيارًا لا بديلًا قسريًا، وإلى توفير بدائل ومساعدات عملية.

ثالثاً: لماذا تفوق التنين على نظيره الأمريكي:

1) الهدف الاستراتيجي:

الصين سعت لرفع كفاءة القضاء على نطاق واسع وبناء قواعد حاكمة للعالم الرقمي، فجعلت المحكمة منصةً لحلّ نزاعات اليوم وصياغة معايير الغد. 
في المقابل، ركّزت الولايات المتحدة على تبسيط الإجراءات وتسريع الوصول ضمن الهيكل القائم، دون تغيير جوهري لطبيعة المحاكم أو قواعد الموضوع.

2) النموذج الهيكلي:

اعتمدت الصين نموذجًا مركزيًا جديدًا: محاكم إنترنت لها ولاية نوعية بغضّ النظر عن الموقع الجغرافي. الولايات المتحدة أبقت على هيكلها، وتفاوتت مستويات التحوّل بسبب لا مركزيته.

3) بؤرة الابتكار:

الصين أدخلت تقنيات تُغيّر قواعد اللعبة (بلوك تشين للأدلة، اجتهادات رائدة لحقوق الصورة والصوت والبيانات ولإبداع الذكاء الاصطناعي). 

في المقابل، تمحور الابتكار الأمريكي حول أتمتة الإجراءات (إيداع إلكتروني، جلسات مرئية) بأثر محدود على الجوهر القانوني.

4) الأداء والنتائج:

في محاكم الإنترنت الصينية كان متوسط الفصل نحو 38 يومًا، ونسبة قبول أحكام تقارب 98%، وتوفيرٌ ضخم في الوقت والتكاليف والانبعاثات. أما في الولايات المتحدة فلا يزال الفصل يستغرق شهورًا وربما سنوات، مع تفاوت كبير بين المحاكم، وتحسينات موزّعة بلا أثر شامل.

5) التأثير العالمي:

قدّمت الصين نموذجًا قابلاً للتصدير، فشهدت محاكم الإنترنت قضايا لخصوم دوليين (ومنها نزاعات حقوق نشر لشخصيات مشهورة مثل “الخنزيرة بيبا”)، وترسّخ حضورها كمرجع في قضايا الاقتصاد الرقمي. وفي المقابل، يظل التركيز الأمريكي داخليًا، مع نقدٍ متزايد لتباطؤ الرقمنة الشاملة.

أن التجربة الصينية ليست قصة منصّات وبرمجيات، بل درسٌ في التخطيط والإرادة ففي حين تتكئ الرقمنة على إطار تشريعي واضح ودعمٍ من قمة الهرم القضائي، يمكن نقل القضاء نوعيًا في سنوات قليلة. الصين لم “تُمسك بالمطرقة الرقمية” لتطرق وثيقةً ورقية صلبة؛ بل أعادت صوغ مفهوم المحكمة باعتبارها خدمة عامة متاحة بضغطة زر، ومنصة لصناعة قواعد المستقبل.

على الجانب المقابل، تذكّرنا التجربة الأمريكية بقيمة عدم إقصاء من يعجزون رقميًا والذي ممكن انشأ اليات لدعمهم، وتؤكد أهمية مراعاة العدالة الشاملة وهو ما يمكن تحقيقه بآليات لدعمهم. كما انها عانتبطء الابتكار المركزي، وتبقى منافعها رهينة تفاوتٍ بنيويّ بين الولايات والمحاكم.

ماذا عن وطننا العربي؟

إن دعوة “الحكمة الرقمية” العربية تعني تجاوز أنصاف الحلول فلا نوافذ إلكترونية على مبنى قديم فحسب، بل تأسيس محاكم إلكترونية عربية متخصصة، منصات موحّدة، توقيع رقمي، وسلاسل كتل للأدلة، مع توظيف الذكاء الاصطناعي إدارةً وتحليلًا وتنبؤًا، وإصدار قواعد إجرائية وموضوعية واضحة تقصّر أمد التقاضي وتزيد الشفافية. وهذا الطريق يحتاج كذلك إلى ضمانات، تتمثل فيخطط تُمكّن غير القادرين رقميًا، مرافق عامة تضمن النفاذ للجميع، وتمويلٌ مستدام، وتدرّبٌ مهني للقضاة وأعوان العدالة.

صحيحٌ أن النموذج الصيني يواجه أسئلة باقية تتمثل في ترسيخ الوضع النظامي لمحاكم الإنترنت ضمن البنية القضائية العامة، وضبط نوع القضايا التي تتصدّى لها كي لا تُستنزف في الجزئيات، لكن خارطة الطريق التي رسمها ما زالت واضحة - عدالة تصل إلى المواطن بسرعة الضوء، تُنصَف فيها الحقوق الرقمية، ويُحسَم فيها النزاع العابر للحدود بكفاءة.

ومن الدروس المستفادة ان " التفوّق ليس قدَرًا جغرافيًا، بل قرارٌ مؤسسي ". لقد أثبتت الصين أن اللحاق بمستقبل القضاء ممكن حين نعتبر التقنية جوهرًا لا زينةً. والسؤال المعلّق أمامنا ، هل نملك الشجاعة لصياغة نسختنا العربية من هذه القفزة؟ إن جعل العدالة في متناول اليد عبر الهاتف ليس رفاهية، بل متطلب دولةٍ حديثة واقتصادٍ رقمي ومجتمعٍ يريد أن يرى القانون سريعًا، شفافًا، ورحيمًا. وإذا أحسَنَّا الاقتباس والإبداع معًا، فليس مستبعدًا أن تقود عاصمة عربية قريبًا تجربتها الخاصة في محاكم الإنترنت… وبزخمٍ لا يقلّ عن زخم التنين.

تم نسخ الرابط