عرفت كثيرًا من العلماء والأكاديميين الأزهريين، ولكن بعضًا من هؤلاء استطاعوا أن يحققوا الصورة المثلى التي يجب أن يكون عليها العالم الأزهري سمتًا وخلقًا ووعيًا وحكمة ورفقًا ورشدًا.. ولعلنا أمام تساؤل ملح: هل يتفاضل العلماء فيما بينهم بالعلم وحده وما يُحصِّله اجتهادهم من الدرجات والشهادات، أم أن العالم له مقومات أخرى تميزه عن أترابه؟ منذ فترة تعرفت على العالم الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور (محمد صلاح عبده) أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف، وهو عالم فاقه واع مفكر مستنير، لكن حال الرجل أخبرني أنه ليس العلم وحده من يشدك إلى توقير إنسان، ويعلي من احترامك له، فتُكبر به قامته وقيمته، ولكن هناك قيم وأخلاق تجمل بها طبع الشيخ، وتحلت بها خلاله، وتندر أن تلمحها في لُداته، فهو ذو تواضع شديد، وقلب رقيق، وذوق فريد، وأدب جم، ونفس صافية، وروح جميلة، وإن أي إنسان يمكن له أن يتحايل بتلك الصفات، لكن شيخنا ساعة الغضب، سرعان ما تتكشف أصالة طبعه، وحقيقة نفسه، وقد رأيته ساعة الغضب، ووالله ما رأيت إلا مسلمًا تحلى بأخلاق النبوة، فصدقت فيه الشدة التي عناها الحديث الشريف "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب"
الدكتور (محمد صلاح) إنسان مذهل في تواضعه، مذهل من محبته للآخرين، ولو أن هذا الحب الذي يتوهج به قلبه وزع على كل الناس لكفاهم أجمعين، ما رأيت أحدًا يحرص أن ينجو لسانه من الغيبة كما رأيت منه، وقد يسيء إليَّ أحدهم في موقف ما، وتضيق به نفسي، فإذا بي أجده يعتذر لي ويطيب خاطري، وكأنه هو الذي ضايقني وأفسد مزاجي، كثيرًا ما أقول لنفسي: كيف استطاع هذا الرجل أن يجسد التواضع بهذه الصورة المثالية، ويخفض الجناح للكبير والصغير؟ فعلى قدر علمه ورفعة قدره، تراه يلاعب طفلا صغيرًا فيدخل عالمه، ويجلب السرور والفرحة إلى نفسه.
رجل يشع الحب والإخلاص بين جوانحه، يملأ الدنيا محبة، ولا يعيش إلا للمحبة، ولا يرى نفسه إلا رسولا لهذه المحبة.. وأنت حينما تختلف معه لا تراه يتكبر عليك بعلم أو مكانة أو موقع أو وظيفة، ويمكن له ذلك، لكنه لا يمكن أن يكون كذلك، فدائمًا ما يزكيك ويرفع منك، ويبارك جهدك، ويحفزك للمعالي، ويدفعك للأمام، لا يهتم في قضيته معك بنفسه، بقدر ما يهتم بك أنت، رجل يبحث عن كل طريق يكسب به القلوب، ويدرك أن الحب دوحة غناء ومظلة وارفة يمكن أن تجمع كل المختلفين.
الدكتور (محمد صلاح) رشيد في وعيه وفقهه، ففي الوقت الذي يتيه فيه كثير من العلماء والدعاة في خلافات علمية ترفية، نرى شيخنا مفطورًا من الحزن على آلام المسلمين، مهمومًا بقضاياهم، مشغولا بمحنتهم.. فلله دره من عالم قدوة يَشرف به الأزهر ويعتز بأمثاله.