هل خطر ببالك أن كاميرا ما قد تكون موجهة نحوك دون أن تدري؟ هل شعرت للحظة أن حياتك الخاصة قد تُختطف أمام عينيك لتُبث على منصات التواصل بلا إذن منك ولا رادع يوقف ذلك؟ إن الكاميرا حين تُشهر في وجه إنسان دون رضاه، تشبه "سيفًا مسلطًا" على روحه، ليس لأنه يهدد حياته المادية، بل لأنه يقتطع من كرامته وإنسانيته ويحوّله إلى مادة تُستهلك على الملأ. والسؤال الأعمق: هل صرنا نعيش في عالم يخاف فيه الفرد من "الهاتف" أكثر مما يخاف من أي خطر آخر؟
وليس الكلام هنا عن افتراضات أو هواجس، بل عن وقائع يومية نلمسها جميعًا. الواقع يعج بأمثلة مؤلمة. فتاة شابة تسير في الطريق، يلتقطها أحد المارة خلسة في بث مباشر، لتجد نفسها بعد ساعات موضوعًا للتعليقات الساخرة أو المستفزة على آلاف الصفحات. موظف يؤدي عمله بجد واجتهاد، فيُبث مقطع عابر له وهو في موقف عفوي، لكن يُقتطع من سياقه ليتحول إلى وصمة أو مادة للتشويه. حتى الأطفال لم يسلموا من هذا السيف؛ طفل يبكي في الشارع، فيُصور ويُنشر تحت عناوين مثيرة للسخرية، بينما في الحقيقة هو يعاني ظرفًا إنسانيًا لا يعرفه أحد. هذه الأمثلة الواقعية تكشف أن الأمر ليس مجرد نقرة زر، بل اعتداء قد يترك جروحًا نفسية واجتماعية لا تُمحى.
ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن نتساءل: ماذا يريد الإنسان في الأصل؟ لا يطلب أكثر من أن يعيش حياته في أمان نفسي واجتماعي، أن يتحرك بحرية في الأماكن العامة من غير أن يُحاصر بعدسات تترصده. الحرية في "الفضاء العام" يجب أن تظل حرية مسؤولة، لا حرية مشوهة تجعل من الآخر سلعة أو مادة للتسلية. وكما تعلم، فإن الوجود في مكان عام لا يسلب الإنسان حقه في أن يُحترم وأن لا يتحول إلى مشهد استهلاكي.
وعلى هذا الأساس، فإن جوهر الإشكالية لا يتوقف فقط عند ما يفعله الأفراد في حياتهم اليومية، بل يمتد إلى طبيعة التعامل الرسمي مع البث المباشر والتصوير. فحين خصصت النيابة العامة رقمًا على تطبيق "واتساب" لاستقبال بلاغات مصورة عن الجرائم والمخالفات، لم تقل للمواطنين: انشروا على الملأ، بل قالت بوضوح: أرسلوا إلينا نحن، لأن النشر على العلن قد يشكل جريمة بذاته. النيابة العامة شددت في بيانات متكررة أن تصوير الجريمة بقصد التوثيق يختلف تمامًا عن نشرها على منصات التواصل، فالأول دعم للعدالة، والثاني عدوان على الخصوصية وإضرار بالمجتمع.
ووزارة الداخلية كذلك حين فتحت قنوات للإبلاغ عبر الصور والفيديو، لم تقل يومًا: "انشر"، بل قالت: "أرسل". هذه الدقة لم تأت من فراغ، بل من وعي قانوني بأن نشر المقاطع على الملأ يضاعف من الأذى، ويهدر قرينة البراءة، ويعرّض حياة الناس للتشهير، فضلًا عن أن يجعل المجني عليه ضحية مرتين: مرة من الفعل الإجرامي، ومرة من فضحه أمام الناس.
ومن ثم، تتأكد حقيقة أساسية: خصوصية الأفراد على الملأ لا تقل أهمية عن خصوصيتهم في البيوت. إن وجودك في الشارع لا يعني أنك مباح للعيون والعدسات، وإن وقوع جريمة أمامك لا يمنحك الحق في نشرها وكأنك قاضٍ أو محقق أو إعلامي. فالمسألة أخطر من ذلك: نشر الجريمة قد يربك العدالة، وقد يعرّض سير التحقيق للخطر، وقد يفضي إلى تضليل الرأي العام أو تأجيج غضب جماهيري غير مبني على الحقيقة الكاملة.
القاعدة إذن واضحة: توثيق الجرائم نعم، نشرها لا. الفرق بينهما هو الفرق بين مواطن واعٍ يشارك في دعم العدالة، وبين آخر يشارك في خلق فوضى إعلامية تضرب صميم العدالة. بل إن التصوير سواء فيديو أو صورة، حتى لو لم يُنشر واحتُفظ به لنفسك، قد يُعد جريمة في حد ذاته، لأنه يمس حق الخصوصية ويحول الشخص إلى مادة يمكن استغلالها لاحقًا، خصوصًا عند تصوير الجرائم حيث الغرض مرتبط بالعدالة، وأي سوء استخدام أو نشر يزيد الضرر والعقاب. أما فتح البث المباشر فهنا يصبح العقاب أشد والضرر أكبر، لأنه ينقل الحدث في اللحظة، بلا مراجعة أو سياق، ويعرض صاحب الصورة أو الفيديو للإذلال الفوري أمام جمهور واسع. وهنا، كما تعرف، يظهر القانون في أبهى صورته: لا يمنع الناس من أن يكونوا عيونًا على الجرائم، لكنه يمنعهم من أن يكونوا جلادين على الملأ.
وإذا كانت خطورة البث المباشر تكمن في أنه ينقل الحدث في لحظته، بلا مراجعة ولا تمحيص ولا سياق، فإن الأخطر أن أي تصرف بسيط قد يُفسر خطأ، أو يُبتر من معناه، أو يُستغل بطريقة تسيء إلى صاحب الصورة أو المقطع. والأدهى أن هذه المواد لا تموت، بل تبقى على منصات التواصل متاحة ومتداولة إلى أجل غير معلوم، ما يجعل الجرح مضاعفًا: لحظة عابرة تتحول إلى عبء مستمر يطارد صاحبه في عمله، في دراسته، وفي سمعته الاجتماعية.
وعليه، فإن الحل لا يمكن أن يكون في منع الناس من استخدام هواتفهم أو إغلاق منصات التواصل، فهذا وهم مستحيل في عصر الانفتاح التكنولوجي. وإنما الحل في إعادة تعريف حدود الحرية وحدود المسؤولية. البث المباشر ليس جريمة في ذاته، لكنه يصبح جريمة عندما يتحول إلى سيف مشهر في وجه إنسان آخر، عندما يُستخدم لفضح أو إذلال أو تشويه. المطلوب هو وعي مجتمعي يردع، ونظم قانونية تحاسب، وثقافة عامة تجعل كل فرد يسأل نفسه قبل أن يضغط على زر "بث مباشر": هل ما أفعله يحترم الآخر؟ هل أتحول هنا من ناقل للحقيقة إلى معتدٍ على إنسان؟
ولعل أبرز ما نحتاجه هو إدراك أن الإنسان ليس صورة عابرة ولا لحظة عشوائية، بل كرامة متكاملة. إن من يلتقط صورة أو يبث مقطعًا يظن أنه يسجل حدثًا، لكنه في الحقيقة قد يقتطع حياة كاملة من سياقها. وهذا الوعي لا يخلقه القانون وحده، بل تخلقه التربية والأخلاق والتجربة اليومية.
وحين نعود إلى البداية، إلى التساؤل الموجع: هل يحق لأي شخص أن يرفع كاميراه كمن يرفع سيفًا في وجهك؟ تكون الإجابة واضحة: لا. لأن العدالة، في جوهرها، ليست نصوصًا جامدة، بل حماية للإنسان في ضعفه، وصون لحقه في أن يعيش دون خوف من كاميرا غادرة. عندها فقط، حين نشعر أن هناك رادعًا يحمي، ومجتمعًا يعي، وقانونًا يصون، نستطيع أن نمشي في الشوارع مطمئنين، لا نرى في الهواتف سيوفًا مشهرة، بل أدوات حياة تخدمنا ولا تقتلنا. والله من وراء القصد.