ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

منذ أيام أخبرني صديقي الدكتور (حياة الله عتيد) بوفاة والدته السيدة (ببي زار لشتة) والتي تعني في لغتهم (قطعة الذهب) والدكتور حياة الله خبير تنمية بشرية أفغاني الجنسية كان مقيما في المملكة العربية السعودية، وهو مجتهد ناجح وله تميزه في مجال التدريب والتنمية البشرية تعرفت عليه منذ أن كنت أعمل بها، وجمعت بيننا صداقة طيبة.. كان كثيرًا ما يحدثني عن أمه و دورها العظيم في حياته، حيث كان والده الشيخ (قُل والي) عالما جليلا ورعاً، يعلم الناس العربية والقرآن والفقه، ولما ولد (حياة الله) كان طفلا مضمحلا ضعيفًا يتوقعون موته في أي وقت، فسماه أبوه بهذا الاسم وقال: لو عاش فأنا أهبه لله فهو حياة الله.. ولم تدم حياة والده كثيراً.. فسرعان ما استشهد في الحرب الأفغانية الروسية، ورحل تاركاً زوجته الأرملة وأطفالها الستة، يعيشون وحدهم في الدنيا يقاسون آلامها وعناءها.. وكان من عادة الأفغان أنهم يجبرون الزوجة بعد فقد زوجها على الزواج من إخوة زوجها، لكن (قطعة الذهب) عكفت على تربية أبنائها، وأرادت أن تقوم برسالتها كأم، يقول (حياة الله عتيد): كانت أمي أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها رغم ذلك، كانت تستطيع أن تقرأ القرآن، وتتابعني في دروسي كل يوم بشكل غريب، فتمسك بكتبي وقراطيسي، وتُظهر لي في وجهها شيء من الحزم، تجعلني أرتعب منها وكأنها مديرة المدرسة، تراقبني وتسألني وعليّ أن أجيب، فكانت تقول لي: ماذا أخذت في دروسك؟ ماذا ذاكرت منها؟ أين واجبك؟، أكمل دروسك، لن أسمح لك اليوم بالخروج.. وعند أي تقصير مني ومن إخوتي ما كانت تفعل شيئاً، إلا أنها كانت تأخذني وتشير بيديها إلى كتب والدي التي علاها التراب وتقول لي: انظر إلى كتب أبيك.. لقد مات أبوك فمن سيقرأها؟! كانت تقول ذلك وهي تبكي، وكنت أنا أشعر بثِقل الأمانة، وأن هذه الكتب هي الرسالة التي تنتظرني، وأحقق فيها موعود أبي ..كانت تقول لي: إنك إذا لم تقرأ ستكون مجرد عامل بسيط تعمل في الأعمال اليومية، تنظف بيوت الناس وتخدمهم، وهذه الكتب التي تركها أبوك ستبقى هكذا، لقد كانت كلماتها تهزني وتزلزل مشاعري.. وبفضل هذه المتابعة من أمي، لا أذكر أنني نمت مرة وعلي واجب مدرسي لم أنجزه، لأنها كانت تقول لي: كيف تنام ويرتاح ضميرك وعليك واجب لم تنهيه.؟ كما غرست أمي في نفسي معنى الورع وخشية الله، فتدفعني لحفظ القرآن وترسلني إلى المسجد في الليل قبل صلاة الفجر لأحفظ القرآن، وتعطيني السراج لأستطيع الرؤية ليلا، وتقول لي: يا عتيد لن أسامحك إذا أخذت زيتاً من سراج المسجد، لأنه ملك للناس، أما سراجك فخاص بك، وإذا فعلت ذلك فلن تستفيد من علمك وحفظك للقرآن، وكنت أنا أقول لها: نعم يا أمي فإني أحفظ قول الإمام الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي* فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور * ونور الله لا يهديى لعاصي

وذكر  أن جارةً لها كانت تجلس معها وتواسيها في أيام حزنها وتقول لها: إن ابنك هذا ستسمعين قرع نعله في يوم من الأيام، أي أنه سيصير شيئاً مهما.. وها هي اليوم تشاهدني في التلفاز وتستمع إلى أحاديثي ولقاءاتي، وترى شهرتي في كل مكان، وحينما كنت أزورها، أمازحها وأدب لها بقدمي في الأرض، لأذكرها بما قيل لها يوما مًا.!.

تم نسخ الرابط