ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الجزء الثاني – نهج "العدالة المرورية الرحيمة"

يمثل مقالنا الحالي استكمالا لمقالنا الأول المعنون أبوظبي تقود المستقبل بالذكاء الاصطناعي والسلامة على الطرق لنبرز رؤية الطبيبة "فاطمة " حول نهج "العدالة المرورية الرحيمة" ، فالسلامة المرورية الحقيقية ليست في معاقبة الخطأ بعد وقوعه، بل في صُنع نظامٍ ذكيّ يُقلّل من احتمال وقوعه من الأساس، ويجعل أيّ زلّةٍ فيه غير قاتلة. 

هذه هي جوهر "الرؤية الصفرية" في السويد و"السلامة المستدامة" في هولندا، طرقٌ تسامح الزلّة، ومركباتٌ تُرشد قبل أن تُعاقب، وبياناتٌ تُحذّر قبل أن تُغرّم.

نحن نختار التوعية على الجزاء، والتنبيه على الانتهاز. وطرقٌ تتبادل المعلومات مع السيارات عبر تقنية V2X، وراداراتُ سلوكٍ تُوجّه ولا تصطاد، ونظامُ "رصيد أمان مروري" يُكافئ القيادة الهادئة والواعية، وفلسفةٌ تأهيليةٌ تُقدّم العدالة الرحيمة بديلاً عن العقوبة الآلية.

لذا، لا ينبغي أن يتحوّل الغسقُ إلى مخالفةٍ لمجرّد تأخّر ثانيةٍ في إضاءة المصابيح؛ ولا أن يُفسّر عطلٌ كهربائيٌّ  في طريقه إلى الإصلاح ، على أنه جُرْمٌ يستحق الغرامة؛ ولا أن يخدع حزامُ أمانٍ أسودُ اللون على ملابس سائق سوداء ومقعدٍ أسودَ كاميراً ذكيةً فتصدر حكمًا آليًّا بالغرامة ، بينما المركبة نفسها تُنبّه سائقها بلطفٍ ليُصلح وضعه.

رؤيتنا: الوقاية أولًا، والإرشاد بدل الاتهام. ونظامٍ مروريّ عصريّ، رحيمٍ، ذكيّ، ينسجم مع أرقى الممارسات العالمية، لا يعاقب الإنسان على كونه إنسانًا، بل يُحيطه ببيئةٍ تحميه حتى حين يخطئ."

أولا: وهنا بالجزء الثاني من مقالنا، تبدأ حكاية فاطمة مع المشرع

          ففي قاعة حديثة تملؤها شاشات تفاعلية تعرض إحصاءات وأفلامًا قصيرة عن السلامة المرورية، جلست "فاطمة" بشغف إلى جانب "المُشرّع" الإماراتي وهو يترأس قيادة صياغة اللائحة التنفيذية لقانون السير والمرور الجديد. 

توافد الحضور من كل حدب وصوب؛ ممثلون عن السويد وألمانيا وهولندا والولايات المتحدة، إضافة إلى مسؤولين من شرطة المرور والتقنية وشركات التأمين والبلديات في الإمارات. كان الجو حيويًا وتفاعليًا، والعيون تلمع حماسةً تجاه رؤية عالمية جديدة للسلامة المرورية تنطلق من أبوظبي.

ابتسم المُشرّع وهو يفتتح اللقاء قائلًا: "أصدقائي، نجتمع اليوم لنتبادل الرؤى حول فلسفة لائحتنا التنفيذية الجديدة لقانون السير والمرور الاتحادي رقم 14 لعام 2024. نريد نظامًا مروريًا نموذجيًا يمزج أحدث التقنيات بروح الحفاظ على الحياة." نظرت فاطمة نحو الضيوف وقالت بحماس: "فلنبدأ من الشمال؛ من السويد، حيث وُلِدت الرؤية التي ألهمتنا جميعًا."

ثانيا: السويد: الرؤية الصفرية وفلسفة "لا وفاة على الطريق":

تقدم الممثل السويدي بخطوات واثقة، وعرف بنفسه كخبير في مبادرة الرؤية الصفرية للسويد. قال بحماس: "عام 1997 تبنّت السويد سياسة جريئة: الرؤية الصفرية.  

يومها أقرّ البرلمان مبدأً بسيطًا عميق الأثر، لن نقبل أن يُقتل أو يُصاب أحد بإصابة بليغة على طرقنا. بدل أن نقول للسائقين ’عليكم ألا تخطئوا‘،

 قلنا : " البشر خطّاؤون، ومسؤوليتنا تصميم نظام مروري لا يدفع ثمنه أحد حياته. وضعنا تقنيات تنبيه متطورة وتصاميم وقائية للطرق تُخفّف النتائج حين تقع الأخطاء."

أومأ الحضور بانبهار. وتابع الخبير السويدي شارحًا كيف أدى ذلك التحول الفكري إلى انخفاض نصف عدد الوفيات على الطرق السويدية خلال عقدين فقط.

 وأعطى أمثلة حيّة،"أضفنا حواجز مرنة تفصل بين اتجاهي السير لتفادي التصادمات الأمامية، واعتمدنا مناطق تهدئة سرعتها 30 كم/س حمايةً للمشاة، وفرضنا تجهيز السيارات بأنظمة تنبيه حزام الأمان ومحددات السرعة. والنتيجة؟ بات السائق السويدي يعرف أن الطريق ’مسؤولية مشتركة‘؛ عليه الانتباه، لكن البنية التحتية والمركبة أيضًا تحميه وتحمي الآخرين."

نظرت فاطمة إلى المشرّع وقالت: "هذه الفلسفة الإنسانية العميقة تذكّرني بنصوص قانوننا الجديد." ابتسم المشرّع مجيبًا: "المادة 7 من قانوننا تنص على واجب كل من يستخدم الطريق أن يقوم بذلك بأمان ودون التسبب بحادث، وهذا يتوافق تمامًا مع روح الرؤية الصفرية بأن المسؤولية مشتركة بين الجميع. كذلك المادة 46 فوّضت السلطات المرورية بوضع كل الإجراءات اللازمة لتحقيق أعلى مستويات السلامة المرورية. هذا يشمل تصميم الطرق والمركبات بما يتناسب مع قدرات البشر، تمامًا كما فعلتم في السويد." وأردف المشرّع بحماس: "تخيلوا أننا في أبوظبي نطبق مبدأ ’لا وفيات‘، فنصبح أول دولة عربية تتبنى رسميًا هذه الفلسفة ضمن قانون السير. إنه أمر ممكن وقريب المنال."

هتفت فاطمة: "ومن الشمال الأوروبي أيضًا، لدينا تجربة تقنية رائدة من ألمانيا. فلنستمع إليها."

ثالثا: ألمانيا والتقنيات الذكية لتنظيم السرعة والإشارات :

تقدم الممثل الألماني وهو مهندس نظم مرورية، وعرض صورًا لإشارات مرور حديثة تتوهج بمصابيح LED ذكية. قال: "في أوروبا، السلامة ليست مجرد شعارات، بل قوانين ملزمة. هل تعلمون أننا أصدرنا لائحة أوروبية عام 2019 تشترط تجهيز السيارات الجديدة بنظام مساعد السرعة الذكي ISA؟ لقد أصبح تركيب نظام ISA إلزاميًا في كافة السيارات الجديدة ابتداءً من يوليو 2024. هذا النظام يراقب حدود السرعة على الطريق وينبّه السائق - بل ويمكنه التحكم بخفض سرعة المركبة - إذا تجاوز الحد المسموح. 

تخيّلوا سيارات تمنع سائقيها من السرعة المفرطة تلقائيًا؛ كم سيوفر ذلك من الأرواح!" أومضت عينا فاطمة دهشةً فيما تابع المهندس: "نعم، التقنيات باتت شريكًا للسائق في القيادة الآمنة."

واستطرد الخبير الألماني: "ليس هذا فحسب، في ألمانيا لدينا مشاريع الإشارات المرورية الذكية. في برلين مثلًا، نشغل نظام FlexRadar  وفلكس ماج (FlexMag). هذه مستشعرات لاسلكية متطورة توضع في الطرق وعلى الإشارات. المستشعر FlexRadar عبارة عن رادار موضوع تحت سطح الطريق يميز المركبات وحتى الدراجات في وجود خطوط الترام. هو محصّن ضد التشويش الكهرومغناطيسي، مما يتيح كشف الدراجات الهوائية بدقة رغم قرب قضبان الترام المعدنية. تخيلوا كم يسهم ذلك في حماية راكبي الدراجات! وإلى جانبه ننشر مستشعرات FlexMag المغناطيسية اللاسلكية على نطاق واسع، والتي ترصد وجود المركبات وحركتها بدقة عالية. هذه التقنيات أعطت إشارات المرور ’أعينًا وأذانًا‘ تفهم حركة السير لحظة بلحظة. في التقاطعات المزودة بها، يحصل تناغم سلس بين السيارات والترام والدراجات والمشاة؛ يقل التوقف غير الضروري وتزداد السلامة لأن الإشارة تتجاوب فورًا مع الواقع."

كان المشرّع يدون الملاحظات بسرعة. وعلّق بحماس، "هذا رائعف. المادة 44 من قانوننا الجديد تفتح الباب تمامًا لاستخدام التقنيات الحديثة لتحقيق السلامة المرورية وضبط المخالفات. يمكننا من خلال اللائحة التنفيذية إدخال أنظمة ISA إلى مركباتنا المستقبلية، ونشر مستشعرات ذكية مثل التي ذكرتها على طرقنا. تخيلوا إشارات أبوظبي وهي تفهم ازدحام التقاطع من تلقاء نفسها، أو تستشعر قدوم حافلة مدرسية فتعطيها أولوية المرور! لدينا بالفعل بعض الإشارات الذكية، لكن مع هذه اللائحة سنضع معايير لتعميمها وربطها بالمركبات مباشرة عبر تقنيات الاتصال اللاسلكي."

أومأ ممثل دائرة البلديات مؤكدًا، "لدينا بنية تحتية متطورة وشبكات اتصال حديثة في الإمارات، مما يؤهلنا لتركيب هذه المستشعرات والإشارات بسهولة نسبيًا. وستُسهم في تحقيق رؤية المادة 46 بأن نصل لأفضل مستويات القيادة أمانًا وانسيابية."

 ابتسمت فاطمة وهي ترى التكامل بين القانون والتقنية يقترب خطوة أخرى.

ثم قالت: "دعونا ننتقل إلى هولندا، حيث التواصل المباشر بين المركبات والبنية التحتية صار واقعًا يوميًا."

رابعا: هولندا وحديث المرور وتقنية V2X للحظات حاسمة :

اعتلى الممثل الهولندي المنصة، وبدأ حديثه بصوت مفعم بالحيوية: "في هولندا نقول دائمًا: ماذا لو تحدثت إشارات المرور إلى السائقين؟ من هذا السؤال ولد مشروع Talking Traffic أو ’حديث المرور‘. تعاونت الحكومة والشركات عندنا لابتكار منصة وطنية للتبادل الفوري لبيانات المرور." أشار بيده إلى شاشة ورائه ظهرت عليها سيارة تتجه نحو إشارة ضوئية. "انظروا هنا، هذه التقنية تربط بين المركبات والإشارات الضوئية ومراكز التحكم المروري عبر شبكة رقمية موحدة. إنها تطبيق حي لمفهوم الاتصال بين المركبة وكل شيء (V2X). ما الذي يقدمه ذلك؟ سأوضح لكم:

  • يحصل السائقون على تحديثات فورية عن حالة الإشارة الضوئية قبل أن يصلوا إليها. مثلًا، يتلقى السائق إشعارًا أن الإشارة أمامه ستتحول إلى خضراء خلال خمس ثوانٍ، فيخفف السرعة تدريجيًا بدل أن يتوقف كليًا. هذا ما نسميه خدمة السرعة المثلى للإشارة الخضراء (GLOSA) – ترشد النظام السائق إلى أفضل سرعة للحاق بموجة خضراء.
  • النظام يقدم أولوية لمركبات الطوارئ ولفئات محددة: سيارات الإسعاف والإطفاء تحصل على موجة خضراء تلقائيًا عند اقترابها، القوافل اللوجستية والحافلات العامة وحتى الدراجات الهوائية يمنحها النظام معاملة خاصة لتسير بانسيابية وأمان.
  • الأروع أنه يتيح تنبيهات لحظية للسائقين عن أي مخاطر أو اختناقات قادمة. أكثر من 1.6 مليون سائق هولندي بات لديهم تطبيقات مرتبطة بهذا النظام، يتلقون عبرها تحذيرات عن ازدحام مفاجئ أو حادث على الطريق قبل الوصول إليه. أحد السائقين قال لي: ’كأن طرقاتنا تتحدث إلينا وتوجهنا للسلامة‘!"

ابتسمت فاطمة متخيلةً الأمر. 

تابَع الممثل الهولندي: "باختصار، جعلنا تدفق المعلومات ثنائي الاتجاه بين المركبة والبنية التحتية. فالإشارات الضوئية نفسها أصبحت ’ذكية ومتصلة‘، تبث بيانات زمن العدّ التنازلي وتستقبل معلومات عن أعداد المركبات القادمة. هذه البيانات المفتوحة الآنية حوّلت نظام المرور إلى حوار مستمر بين السائق والطريق. النتيجة: قيادة أكثر سلاسة وأمانًا، وتقليل للاختناقات بنسبة نطمح أن تصل 20%."

صاح أحد مسؤولي التقنية الإماراتيين من فريق الذكاء الاصطناعي: "هذا أشبه بالخيال! لكن في أبوظبي يمكن أن يصبح حقيقة أسرع مما نتوقع." أخذ الكلمة مضيفًا: "لدينا مشروع تجريبي لربط المركبات بالإشارات الذكية باستخدام شبكات الجيل الخامس. ولائحتنا التنفيذية المقترحة ستشجع على اعتماد معايير موحدة لتقنيات V2X في الدولة. المادة 44 تدعم ذلك بوضوح، فنحن مخولون باستخدام أحدث الأنظمة الإلكترونية لتحقيق أهداف القانون. وإذا طبقنا ما فعلته هولندا، سنرى السائق في الإمارات يتلقى على لوحة سيارته أو هاتفه إشعارًا بالسرعة المثلى لعبور سلسلة إشارات خضراء، أو تحذيرًا بوجود حادث بعد كيلومتر. تخيّلوا كم سيساهم ذلك في منع المفاجآت الخطرة على الطريق!"

وافقه المشرّع قائلاً: "بالضبط. كما أن المادة 46 تعطينا مرونة لوضع قواعد تعطي الأولوية لمركبات الإسعاف أو تنظم مرور الدراجات والمشاة بالتقنية، فنحن لسنا مقيدين إلا بهدف السلامة المرورية القصوى.و يمكننا مثلاً عبر قرارات تنفيذية توجيه الإشارات لمنح الأفضلية لحافلات المدرسة وقت الذروة أو تنبيه المركبات ذاتيًا عند اقترابها من مواقع أشغال طريق."

بدت فاطمة سعيدة بتلاحم الأفكار. "جميل جدًا! التقنيات أثبتت أنها حليف قوي للسلامة. لكن ماذا عن الجانب الإنساني؟ كيف نتعامل مع السائق المخطئ نفسه بأسلوب يُعلّمه بدل أن يكسره؟ هنا تبرز التجربة الأمريكية." قالت ذلك لتفتح المجال أمام الضيف الأمريكي.

خامسا: الولايات المتحدة والعدالة التأهيلية بدل العقوبات التقليدية:

اعتلت الممثلة الأمريكية المنصة – خبيرة قانونية من ولاية فرجينيا – وتحدثت بصوت هادئ مليء بالثقة: "في ولايات أمريكية عدة، بدأنا ندرك أن تأهيل السائق المخالف قد يكون أنفع من معاقبته فقط. في فرجينيا مثلًا لدينا برامج إعادة تأهيل مرورية بدل العقوبات لبعض المخالفات. على سبيل المثال، يمكن للسائق الذي يرتكب مخالفة مرورية بسيطة أن يلتحق بدورة تدريبية حول القيادة الآمنة، وإذا أكملها بنجاح فقد يُعفى من المخالفة أو تخفض عقوبته بدل تسجيل إدانة. الفكرة هي: نعم، أخطأت وتجاوزت السرعة أو قطعت إشارة، لكن بدل أن ندمر سجلّك بالغرامات والنقاط السوداء فورًا، نعطيك فرصة لتتعلم وتصوب سلوكك."

ساد صمت اهتمام عميق في القاعة، تابعت الخبيرة الأمريكية: "وجدنا أن هذه العدالة التأهيلية تصنع فارقًا. سأشارككم قصة حقيقية: شاب في التاسعة عشرة ارتكب مخالفات سرعة عدة، وكاد يفقد رخصته. القضاء عرض عليه الالتحاق بدورة تأهيلية مكثفة عن مخاطر السرعة، مدتها 12 ساعة على مدى أسابيع. في البداية حضرها متذمرًا، لكنه خرج منها إنسانًا آخر. صار يروي لزملائه ما تعلّمه عن فواجع الحوادث. اليوم هذا الشاب ذاته تطوع للعمل في نشر التوعية المرورية بين المراهقين! لقد حولناه من مخالف إلى مُرشِد. هكذا نكسب شريكًا للسلامة بدل أن نخسره."

تهلّلت أسارير فاطمة، 

وقالت: "هذا بالضبط ما نطمح إليه هنا أيضًا." 

وأخذ المشرّع الكلمة موضحًا: "قانوننا الجديد بالفعل يحمل هذه الروح. المادة 42 تعطي المحكمة صلاحية وقف رخصة السائق المخالف في الجرائم الخطرة حتى 3 سنوات، وهذا جانب ردعي صارم لمن يشكل خطرًا. لكننا لا نريد أن نصل لهذه المرحلة مع الجميع. نريد عبر اللائحة التنفيذية أن ندرج برامج تأهيلية بديلاً عن العقوبات التقليدية كلما أمكن. مثلًا، يمكن أن نلزم السائق بحضور دورة تدريبية في حالات المخالفات المتوسطة، فإذا أتمها بنجاح تلغي أو ُتخفض غرامته أو تلغى النقاط المرورية. القانون ذاته يفتح لنا مجالاً لهذا التوجه في المادة 45 التي تتناول وضع نظام للمخالفات والإجراءات الإدارية.

 سنعمل على أن يتضمن هذا النظام مفهوم "الرصيد المروري الآمن" للسائق، بحيث نعطي حوافز للتقيد وتعلم السلوك القويم."

بدأ بعض الحضور المحليين بالتصفيق الخفيف تأييدًا للفكرة. 

وبعد أن أنهت الخبيرة الأمريكية كلمتها،

سادسا: طلب الكلمة قاضي محكمة المرور بأبوظبي، فتحدّث بصوتٍ وقورٍ يفيض حكمةً ومسؤولية:

"ما سمعناه يلامس جوهر العدالة كما نفهمها في منظومتنا القضائية الإماراتية، فالعدالة ليست في الانتقام من الخطأ، بل في إصلاح مرتكبه وتقويم سلوكه ".

ففي قاعات محاكمنا، نحن لا نرى أرقام مخالفات، بل نرى بشراً. فنرى السائق الذي أخطأ ليس عن استهتار، بل في لحظة غفلة، أو بسبب عطل تقني مفاجئ، أو حتى لعدم وضوح لافتة مرورية. فهل الحل يكمن في إغراقه في دوّامة العقوبات والنقاط، أم في منحه فرصة حقيقية ليصبح سائقاً أفضل؟

لقد منحنا المشرّع في القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2024 مساحةً رحبةً للحكمة. فالمادة (42) لا تجبرنا على العقاب الآلي، بل تمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة، وتفتح الباب لـ 'تدابير أخرى' تتجاوز العقوبات التقليدية. وهذا ليس توجهاً محلياً فحسب، بل هو نبض العدالة العالمي.   

ففي اليابان وماليزيا، تُدمج 'دورات إعادة التأهيل' كجزء لا يتجزأ من التعامل مع المخالفين، مع مكافأة السائقين الملتزمين بخفض نقاطهم، مما يحول الخطأ إلى درس عملي في المواطنة. 

وفي كوريا الجنوبية، تذهب الوقاية إلى أبعد من ذلك بفرض 'أجهزة قفل التشغيل' على مركبات المخالفين المتكررين للقيادة تحت تأثير الكحول، وهي تقنية تمنع الجريمة قبل وقوعها بدلاً من معاقبتها.   

ونحن في دائرة القضاء أبوظبي ، وبالتنسيق مع وزارة العدل والجهات المرورية، نعمل على بلورة هذه الفلسفة في معايير توجيهية واضحة تُمكّن قضاة المرور من:

  1. تفعيل العدالة التأهيلية/التعليمية: تحويل المخالفات غير الجسيمة إلى برامج تقويم سلوك، مستلهمين من أفضل الممارسات العالمية.
  2. إرساء 'العدالة السياقية الحكيمة' في عصر الرقمنة: فالتكنولوجيا يجب أن تكون ذكية بما يكفي لتفهم الإنسان، لا أن تكون فخاً أعمى. لا يجوز أن تُسجَّل مخالفة بسبب لون حزام أمان داكن على ملابس داكنة خدع الخوارزمية. لذلك، نقترح استحداث آلية 'الطعن المبني على السياق'، على غرار ما هو معمول به في الصين حيث يمكن للسائق الطعن في المخالفات الآلية بتقديم أدلة مثل مقاطع الفيديو أو تقارير فنية لإثبات أن الخطأ لم يكن ناتجاً عن إهمال متعمد، بل كان وليد ظرف خارج عن إرادته.

لسنا ضدّ التكنولوجيا، بل نطالبها بأن تكون أكثر حكمة وبصيرة.

لأن عدالتنا — كما تعلمناها في أكاديمية أبوظبي القضائية ومن رؤية قيادتنا الرشيدة — هي عدالة رحيمة، ذكية، وإنسانية. وهدفها الأسمى ليس معاقبة الإنسان على كونه إنساناً، بل إحاطته ببيئة تحميه وتُقوِّم سلوكه حتى حين يخطئ."

ثم ختم القاضي كلمته بنبرة ملهمة: "بهذا الاتّزان، نُصالح بين القانون والتقنية، ونُلهم التشريعات من حولنا؛ فما يُكتَب هنا اليوم، يمكن أن يكون مرجعًا عالميًّا لصناعة عدالةٍ مروريةٍ تُنقذُ الأرواح وتسمو بالإنسان."

أكملت فاطمة بحماس: "رائع! مزيج من الصرامة عند اللزوم والرحمة عندما يُجدِي التعليم نفعًا. الآن، أود أن أسمع من ممثلينا المحليين كيف سنطبّق عمليًا كل هذه الرؤى على أرض الإمارات."

سابعا: الإمارات ودمج التقنيات الحديثة بمنظور شامل محلي:

تقدم مسؤول من شرطة المرور الإماراتية برتبة عقيد وتحدث بفخر: "نحن في الإمارات بدأنا فعليًا خطوات سبّاقة في هذا المجال. على سبيل المثال، أدخلنا حديثًا نوعًا متطورًا من الرادارات السلوكية يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد سلوك السائق داخل مركبته. هذا الجهاز بمقدوره تصوير فيديو للسائقين أثناء القيادة، وكشف مخالفات مثل الانشغال بالهاتف، وعدم الالتزام بالمسار، وعدم ربط حزام الأمان، والانحرافات المفاجئة وغيرها من السلوكيات الخطرة. وقد جرّبناه ورصد بالفعل مخالفات لم تكن الكاميرات التقليدية ترصدها بسهولة. التقنية هنا تلعب دور المُعلّم والمراقب معًا؛ فهي تضبط المخالفة وتوعي السائق بخطئه حتى قبل أن يتسبب بحادث."

"لكننا ندرك أن الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، لا يُغني عن التمييز البشري والسياق الإنساني. فلا ينبغي أن يتحوّل الغسقُ إلى مخالفةٍ لمجرّد تأخّر ثانيةٍ في إضاءة المصابيح؛ ولا أن يُفسّر عطلٌ كهربائيٌّ — في طريقه إلى الإصلاح — على أنه جُرمٌ يستحق الغرامة؛ ولا أن يخدع حزامُ أمانٍ أسودُ اللون على ملابس سوداء ومقعدٍ أسودَ كاميراً ذكيةً فتصدر حكمًا آليًّا، بينما المركبة نفسها تُنبّه السائق بلطفٍ ليُصلح وضعه.

لهذا، نعمل في لائحتنا التنفيذية على آليات ذكية تتجاوز العقاب الفوري، مثل:

  • نظام التنبيه التدرّجي: يُرسل تنبيهًا أوليًّا عبر تطبيق ذكي أو رسالة نصية، مع منح السائق فرصة تصحيحية (24–72 ساعة) قبل تسجيل المخالفة.
  • استثناءات ذكية مبرمَجة: تُدمج بيانات الورش المعتمدة مع نظام المراقبة، فتُعفى المركبات قيد الصيانة من المخالفات المرتبطة بالعطل المؤقت.
  • مراجعة بشرية إلزامية: لأي مخالفة تعتمد على تحليل بصري آلي (مثل حزام الأمان)، يُحال الملف إلى مُحلّل بشري يُقيّم السياق البصري الكامل.
  • رصيد الأمان المروري: يُكافأ السائق الذي يلتزم بعد التحذير، بخصومات تأمين أو إعفاءات من الفحص الدوري.

هدفنا ليس اصطياد المخطئ، بل إرشاده قبل اتهامه، وبناء علاقة ثقة بين السائق والنظام — علاقة تقوم على الحماية، لا على الخوف."

ثم نظر إلى المشرّع وتابع: "اللائحة التنفيذية القادمة ستمكّننا من التوسع في استخدام هذه الرادارات الذكية في أنحاء الدولة استنادًا إلى المادة 44 التي تسمح باستخدام أحدث وسائل التقنية لضبط المخالفات. كما أننا نعمل على إنشاء أنظمة تحذير مبكر على الطرق السريعة: تخيّلوا منصة متصلة (عبر الأقمار الصناعية أو الشبكات الخلوية) ترصد حدوث حادث أمامك على الطريق أو عاصفة رملية مفاجئة، فترسل تنبيهًا فوريًا إلى جميع المركبات على بُعد كيلومترات: ’انخفضت الرؤية، هدئ سرعتك واستعد للتوقف‘. هذه التحذيرات المبكرة سنوظف فيها تقنيات V2X المذكورة، بحيث تأتي الرسالة مباشرة إلى لوحة سيارة السائق أو نظام الملاحة فيها."

تدخل مسؤول التكنولوجيا المرورية من دائرة البلديات والنقل قائلاً: "لدينا أيضًا طموح لاختبار المركبات ذاتية القيادة في شوارعنا قريبًا. لقد لحظ القانون ذلك مستقبلًا في المادة 43 الخاصة بالمركبات ذاتية القيادة، مما يؤكد رؤية المشرّع الاستباقية. وبالفعل يعمل فريقنا على مشروع ’المركبة ذاتية القيادة في مدينة محمد بن زايد‘ كتجربة أولى. سنضع في اللائحة التنفيذية ضوابط اختبارها وترخيصها كما نص القانون." أضاف بنبرة واثقة: "الذكاء الاصطناعي أيضًا سند قوي في مراكز التحكم المروري. نحن نبني حاليًا منصة تحليل بيانات ضخمة مرورية تستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بمواقع الخطورة قبل وقوع الحوادث. مثلاً، تحليل بيانات السرعة والتدفق لحظيًا قد ينبّهنا بأن تقاطعًا معينًا مرشح لحادث خلال ساعة إن استمر السلوك الحالي. عندها نوجه دورية أو رسالة تحذيرية للسائقين في المنطقة. هكذا نمنع الحوادث قبل أن تقع، محققين جوهر السلامة الاستباقية."

كان ممثل قطاع التأمين يستمع باهتمام، ثم قال: "من جانبنا في قطاع التأمين، نحن متحمسون جدًا لهذه الرؤية الشاملة. نفكر في تبنّي نظام رصيد الأمان المروري كمبادرة موازية. الفكرة أن لكل سائق رصيدًا من النقاط الإيجابية مقابل التزامه وعدم ارتكابه مخالفات. من يقود سنوات دون حوادث تزيد نقاطه ويحصل على حوافز مثل تخفيض في قسط التأمين، ومن تتكرر مخالفاته تنقص نقاطه وربما ترتفع كلفة تأمينه بوصفه عالي الخطورة. هذا التوازن بين الثواب والعقاب سيشجع الجميع على تحسين سلوكهم. وقد ننسق مع الجهات المرورية لإدماج هذا المفهوم مع نظام النقاط المرورية (النقاط السوداء) الرسمي، بحيث تكون الصورة مكتملة: مكافأة على الالتزام مثلما هناك عقوبة على المخالفة. القانون الجديد شدد على التأمين الإلزامي للمركبات، ونحن كقطاع سنستغل ذلك لدعم السلامة بتحفيز السائقين الآمنين."

ابتسم المشرّع موافقًا وأضاف: "هذه أفكار ممتازة ويمكن إدراجها ضمن سياسات اللائحة التنفيذية بالتعاون مع قطاع التأمين. فالقانون أوجب التأمين لكنه لم يمنع تقديم مكافآت تشجيعية للملتزمين."

أخيرًا تحدث ممثل البلدية ومسؤول تخطيط المدن: "لا يكتمل حديث السلامة بدون البنية التحتية الهندسية. نحن في بلديات الإمارات شرعنا بمشاريع مدن صديقة للمشاة والدراجات. على الأرض، سنطبق مبادئ التصميم الوقائي: سنراجع حدود السرعات في المناطق السكنية ونخفضها، نزيد عدد معابر المشاة الآمنة المزودة بإشارات ضوئية أو جسور وأنفاق حيث يلزم، ونستخدم تقنيات مثل إشارات المشاة الذكية التي تستشعر عبور شخص فتطيل فترة الإشارة الحمراء للمركبات تلقائيًا. كذلك نعمل على نشر حواجز أمان على جوانب الطرق السريعة لمنع المركبات من الخروج عن الطريق، وتطبيق معايير هندسة طرق تفرض منحنيات ومنافذ دوران مصممة لتقليل خطورة الاصطدام. هذه الإجراءات الهندسية تواكب تمامًا فلسفة القانون. وأشير هنا إلى أن المادة 5 من القانون ذاته تُلزم السائق بخفض السرعة في المناطق الخطرة مثل قرب المدارس والمستشفيات وعند تدني الرؤية، ما يعكس تكامل التشريع مع التصميم الحضري الآمن."

وأشار ممثل البلدية في ختام كلمته إلى أن: 'البنية التحتية لدينا تسعى لتحقيق رؤية 'تجنب الموت' السويدية، بتصميم طرق ومركبات تضمن ألا تكون أخطاء السائقين قاتلة، بل بيئة تحميهم حتى عند الخطأ.'"

ثامنا: ختام اللقاء ، أبوظبي تُلهم العالم:

عند اقتراب نهاية اللقاء، كانت عيون فاطمة تلمع تأثرًا وهي تتنقل بنظرها بين الوجوه. رأت في هذا الجمع شعلة أمل عالمية توقدها أبوظبي. أخذ المشرّع الميكروفون ليختم الجلسة قائلاً بفخر: "لم يعد حديثنا عن لائحة تنفيذية لقانون مرور محلي فحسب، بل نرسم معًا ملامح نموذج عالمي لنظام مروري إنساني وذكي. رؤيتنا أن تكون شوارع الإمارات الأكثر أمانًا والأكثر ابتكارًا، تُطبق فيها أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والاتصال، ضمن إطار قانوني متين يستند إلى أفضل الممارسات الدولية وروح الحفاظ على الحياة." ونظر إلى الوفود الأجنبية قائلاً: "لقد أثريتم تصورنا. 

سنأخذ تجربة السويد في جعل السلامة أولوية قصوى لا تقبل الوفيات، وتشريعات أوروبا في تطويع التكنولوجيا داخل المركبات، وابتكارات ألمانيا في البنية التحتية الذكية، وريادة هولندا في تواصل المركبات الفوري، ونهج أمريكا في تهذيب النفس البشرية بدل تحطيمها بالعقاب. وسنمزج كل ذلك بهويتنا وثقافتنا وقيمنا الإماراتية لنقدم للعالم نموذجًا فريدًا يبدأ من أبوظبي."

صفّق الجميع بحرارة في القاعة، بينما شعرت فاطمة بقشعريرة فخر. تقدمت بالشكر من الحضور قائلة: "ما شهدته اليوم يُثبت أن الشغف الإنساني عندما يلتقي بالتقدم التقني يمكنه تحقيق المستحيل. بالأمس كنا نحلم برؤية طرق بلا حوادث، واليوم نرى الحلم يتشكل على أيدينا."

غادر الضيوف وكل منهم يردد عبارات الإعجاب والإلهام. أما فاطمة فوقفت للحظة تتأمل المدينة عبر نافذة القاعة؛ رأت سيارات تسير بانسياب على الطرق المضيئة، ورأت في مخيلتها إشارات تتحدث للسائقين، ومركبات ذاتية القيادة تتنقل بأمان، وشبابًا تلقوا دروسًا فعادوا للسواقة أكثر حكمة. ابتسمت وهي تهمس لنفسها: "نعم، من أبوظبي سيُنار مستقبل السلامة المرورية."

ولحكايتنا فصول أخرى من أبوظبي للعالم … انتظرونا في الجزء الثالث .

تم نسخ الرابط