ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

زيارة أحمد الشرع إلى موسكو... لحظة اختبار بين سوريا الجديدة وروسيا القديمة

خلف الحدث

تحوّل مفصلي في المشهد السوري

في واحدة من أكثر الزيارات إثارة للجدل منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصل أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، إلى موسكو في زيارة رسمية تُعد الأولى له منذ توليه السلطة.
زيارةٌ لم تأتِ في سياقٍ بروتوكولي، بل في لحظة حاسمة من تاريخ سوريا الحديث، تُعيد رسم خريطة العلاقات بين دمشق وموسكو، وتضع الأسس لعلاقةٍ جديدة بين حكومةٍ وُلدت من رحم الثورة ودولةٍ كانت الداعم الأبرز للنظام السابق.

من هو أحمد الشرع؟ ولماذا موسكو الآن؟

برز اسم أحمد الشرع بعد الهجوم الواسع الذي شنّته فصائل المعارضة في أواخر عام 2024، والذي انتهى بانهيار حكم الأسد بعد أكثر من عقد من الصراع الدموي.
ومع تعيينه رئيسًا للمرحلة الانتقالية، وجد الشرع نفسه أمام مهمة معقدة: بناء دولة من الرماد، وترميم العلاقات الخارجية دون التفريط في السيادة الوطنية.
واختيار موسكو كأول وجهة خارجية له لم يكن صدفة؛ فروسيا كانت — ولا تزال — أحد أبرز الفاعلين في الملف السوري، وصاحبة القواعد العسكرية الكبرى في طرطوس وحميميم، فضلًا عن كونها الملاذ الذي لجأ إليه بشار الأسد وأفراد من عائلته بعد سقوط حكمه.

مطالب واضحة ورسائل غير مباشرة

في اللقاءات التي جمعت الشرع بالمسؤولين الروس، طرح ملفات بالغة الحساسية، على رأسها تسليم بشار الأسد إلى القضاء السوري، لمحاكمته بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال فترة حكمه.
كما تضمنت المحادثات ملفات الوجود العسكري الروسي في سوريا، ولا سيما مستقبل القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، إلى جانب مشاريع التعاون في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية.
الشرع، وفق مصادر دبلوماسية، شدّد على أن العلاقات السورية – الروسية يجب أن تُبنى من جديد على أسس الندية والسيادة، لا على تركة النظام السابق أو تحالفات الحرب.

الموقف الروسي بين البراغماتية والورطة

حتى الآن، لم تُصدر موسكو بيانًا رسميًا يُوضح موقفها من مطلب تسليم الأسد. إلا أن مؤشرات عدة تُوحي بأن الكرملين في موقف بالغ الحرج.
من ناحية، لا تستطيع روسيا تجاهل الحكومة السورية الجديدة أو إضعافها، خاصة وأنها الطرف الوحيد القادر على ضبط الاستقرار في البلاد بعد انهيار النظام السابق.
ومن ناحية أخرى، يُمثل الأسد رمزًا حساسًا للتحالف الروسي-السوري، وتسليمه يعني اعترافًا ضمنيًا بأن موسكو كانت شريكًا في النظام الذي ارتكب تلك الجرائم.

تحفّظ روسيا في الردّ يعكس سعيها لـ إيجاد توازن دقيق بين حماية مصالحها العسكرية والسياسية، وبين تجنّب صدام مباشر مع السلطة الجديدة في دمشق.

الأبعاد الاستراتيجية للزيارة

لسوريا الجديدة:
يحاول الشرع عبر هذه الزيارة أن يُثبت للعالم أن سوريا تغيّرت جذريًا — لا مكان فيها لرموز القمع، وأن سيادتها فوق أي اعتبار.
ملف تسليم الأسد ليس فقط مطلبًا قانونيًا، بل رمزًا سياسيًا لقطع آخر خيوط الماضي، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن العدالة ليست انتقامًا، بل أساس الدولة الجديدة.

لموسكو:
الكرملين يخشى فقدان أهم موطئ قدم له في الشرق الأوسط.
القاعدتان في طرطوس وحميميم تمثلان شريانًا استراتيجيًا لروسيا نحو البحر المتوسط، والتنازل عنهما أو تقييد نشاطهما يعني تراجعًا في مكانتها الجيوسياسية.
ولذلك، تبدو موسكو مستعدة لتقديم تنازلات شكلية في ملف الأسد مقابل الحفاظ على مصالحها العسكرية والاقتصادية في سوريا.

على الصعيد الإقليمي والدولي:
تفتح الزيارة بابًا واسعًا لإعادة خلط الأوراق.
إيران، التي كانت الحليف الميداني الأبرز للأسد، قد ترى في تحركات الشرع تهديدًا مباشرًا لنفوذها في سوريا، وربما تسعى إلى إفشال أي تقارب سوري–روسي يقلّص دورها.
أما الغرب والدول العربية، فيتابعون بحذر، وينتظرون ما إذا كانت سوريا الجديدة قادرة على فرض العدالة دون إشعال مواجهة جديدة.

العقبات أمام الشرع

الطريق أمام رئيس المرحلة الانتقالية ليس مفروشًا بالورود.
أول العقبات تكمن في الرفض الروسي المحتمل لتسليم الأسد، بحجة منحه اللجوء لأسباب إنسانية.
وثانيها، الانقسام الداخلي في سوريا، إذ ما تزال بعض المناطق تشهد ولاءات للنظام السابق، مما يجعل خطوة كهذه محفوفة بالمخاطر الأمنية والسياسية.
وثالثها، التوازنات الدولية، فتصعيد المواجهة مع روسيا قد يعرّض الحكومة الانتقالية لعزلة أو ضغط اقتصادي كبير.

الخيارات والسيناريوهات المحتملة

1. تسليم الأسد مقابل بقاء القواعد:
قد تُقدّم روسيا صفقة “العدالة مقابل النفوذ”، أي تسليم الأسد مقابل ضمان بقاء وجودها العسكري المحدود.

2. تسوية سياسية وسطية:
توافق موسكو على تعاون قضائي أو تحقيق مشترك دون تسليم فعلي للأسد، حفاظًا على ماء الوجه.

3. رفض قاطع مع دعم اقتصادي موسّع:
ترفض روسيا تسليم الأسد رسميًا، لكنها تعوّض الشرع بتعزيز الاستثمارات والمساعدات لإبقاء العلاقة مستقرة.

4. تصعيد دبلوماسي:
إذا فشلت المفاوضات، قد يلجأ الشرع إلى دعم غربي أو أممي للضغط على موسكو عبر القانون الدولي.

 

زيارة تُعيد تعريف العلاقة بين دمشق وموسكو

في الجوهر، تمثل زيارة أحمد الشرع إلى روسيا لحظة اختبار لمفهوم السيادة السورية في وجه النفوذ الروسي، كما تُعيد تعريف العلاقات بين الطرفين من “تحالف تبعية” إلى “شراكة مشروطة”.
إنها أيضًا اختبار لموسكو نفسها: هل ستتصرّف كقوة عظمى تحترم القانون والسيادة، أم كدولة تبحث عن مصالحها فقط؟
ما يجري اليوم ليس مجرد زيارة سياسية، بل بداية صفحة جديدة في تاريخ سوريا.
صفحة تُكتب بين رئيسٍ انتقالي يحاول أن يرمم وطنًا مكسورًا، ودولةٍ عظمى تُراجع حساباتها بعد أن فقدت حليفها القديم.
وإذا كان سقوط الأسد قد أنهى فصلًا من الألم، فإن مستقبل العدالة والسيادة السورية يُكتب الآن... في موسكو.

تم نسخ الرابط