ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الإعدامات في غزة.. بين سيف العدالة وسلاح الحرب

خلف الحدث

في لحظةٍ تتشابك فيها النيران بالدم، وتضيق المسافة بين المقاومة والبقاء، تعود الإعدامات في قطاع غزة إلى الواجهة، بعد إعلان الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس تنفيذ أحكام بحق متهمين بـ"التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي".
خطوةٌ أعادت طرح السؤال الأثقل:
هل يمكن للعدالة أن تتنفس في زمن الحرب؟
وهل ما يجري هو تطبيق للقانون، أم تثبيت لسيطرة سياسية في مرحلةٍ تتأرجح فيها موازين القوة والشرعية؟

صورة أرشيفية لقطاع غزة بعد تطبيق وقف إطلاق النار 
صورة أرشيفية لقطاع غزة بعد تطبيق وقف إطلاق النار 

 

أولاً: الإطار القانوني للإعدامات في غزة

تستند حركة حماس، من الناحية القانونية، إلى قانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936 والمعدل في مراحل لاحقة من التشريع الفلسطيني، والذي يجيز الحكم بالإعدام في قضايا الخيانة العظمى والتخابر مع العدو.
لكنّ القانون الأساسي الفلسطيني يشترط تصديق رئيس السلطة الفلسطينية على أي حكم بالإعدام قبل تنفيذه، وهو ما لم يحدث في غزة منذ الانقسام عام 2007.
ومن ثمّ، فإن الإعدامات الجارية تتم بموجب سلطة الأمر الواقع لا الشرعية الدستورية.
حركة حماس تبرّر ذلك بقولها إنّ “الظروف الاستثنائية والحرب المفتوحة على القطاع لا تحتمل بطء الإجراءات المدنية”، وإنّ المحاكم العسكرية في غزة تحمل صلاحية كاملة زمن الحرب في البتّ بالقضايا الأمنية الحساسة.
بينما تعتبر مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية — كالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والعفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش — أن تلك المحاكمات تفتقر إلى معايير الشفافية والحق في الدفاع، خصوصًا مع غياب حضور المحامين أو علانية الجلسات.

انتشار عناصر المقاومة والسيطرة على شوارع القطاع 
انتشار عناصر المقاومة والسيطرة على شوارع القطاع 


ثانيًا: من يُعدم ولماذا؟

تقول بيانات وزارة الداخلية في غزة إنّ المعدومين من المتورطين في نقل معلومات استخباراتية للاحتلال، بعضها ساهم في تحديد مواقع المقاومين أو المنازل المستهدفة.
وتصفهم بـ"الخونة الذين تسبّبوا في قتل الأبرياء وتسهيل ضرب البنية الأمنية للمقاومة".

ويشير محللون أمنيون إلى أن هذه الإجراءات تحمل رسالة ردع داخلية قوية، تهدف إلى تطهير البيئة الأمنية في غزة من أي ثغرات يمكن أن تنفذ منها إسرائيل، خاصة مع ارتفاع عدد العملاء الذين تم ضبطهم خلال الشهور الأخيرة.

لكنّ آخرين يرون أن التنفيذ الميداني السريع للأحكام يعكس رغبة سياسية في تثبيت الهيبة والسيطرة الأمنية بعد شهور من الحرب والفوضى، وأن الإعدامات تُستخدم أحيانًا كـ"رسالة ضبط" داخلية أكثر من كونها تطبيقًا للعدالة القانونية.

إعدام أفراد متهمين بالعمل لصالح الاحتلال 
إعدام أفراد متهمين بالعمل لصالح الاحتلال 


ثالثًا: البعد الإنساني والنفسي

تثير الإعدامات دائمًا انقسامًا وجدانيًّا داخل المجتمع الغزّي.
فبينما يرى البعض أنها "جزاء عادل للخيانة"، يعبّر آخرون عن قلق عميق من اتساع منطق العقاب في بيئة يختلط فيها الانتماء السياسي بالاتهام الأمني.
في مجتمعٍ يعيش منذ سنوات تحت الحصار والقصف، تصبح أي عقوبة بالإعدام صدًى نفسيًّا مرعبًا لذوي المتهمين ولسكان القطاع عمومًا، الذين لم يعد الموت بالنسبة لهم حدثًا استثنائيًّا، لكنه يظل صعب القبول حين يصدر بأيدي الداخل لا الخارج.

رابعًا: الموقف الدولي وردود الأفعال

لم تمرّ الإعدامات بصمت.
واشنطن أعربت عن "قلقها من التقارير المتداولة حول تنفيذ أحكام دون إجراءات قانونية كاملة"، بينما دعت الأمم المتحدة إلى "وقف فوري لأي إعدامات لحين التأكد من توافر شروط المحاكمة العادلة".
أما إسرائيل، فاستثمرت الحدث سياسيًّا وإعلاميًّا لتأكيد سرديتها بأن "حماس حركة لا تحترم القانون الدولي"، في محاولة لتقويض أي تعاطف دولي مع القطاع.
وفي المقابل، لم تُبدِ الدول العربية والإسلامية مواقف حادة، مكتفية ببيانات مقتضبة تدعو إلى "ضمان العدالة"، في وقت تحاول فيه القاهرة والدوحة الحفاظ على أجواء التهدئة.

خامسًا: تأثير الإعدامات على مسار الهدنة

في اللحظة التي تُحاول فيها مصر وقطر والولايات المتحدة المحافظة قنوات التفاوض بين المقاومة وإسرائيل، جاءت الإعدامات لتضيف عنصر توتر جديد في المشهد السياسي.
فمن ناحية، ترى بعض الدوائر الدبلوماسية أن الخطوة قد تمنح إسرائيل ذريعة للتشدد، خصوصًا في ما يتعلق بملف الأسرى والمفقودين.
ومن ناحية أخرى، تُظهر حماس نفسها أمام الوسطاء كـ"سلطة قادرة على فرض النظام وضبط الأمن"، في مقابل رواية الاحتلال بأنها فقدت السيطرة داخل القطاع.
النتيجة:
الحدث الواحد يحمل وجهين — ردع أمنيّ داخلي ورسالة قوة تفاوضية، لكنه أيضًا خطر دبلوماسي قد يُستخدم لتقويض صورة المقاومة في الخارج.

الرئيس دوناد ترامب أثناء توقيعه على اتفاقية السلام 
الرئيس دوناد ترامب أثناء توقيعه على اتفاقية السلام 

 

سادسًا: قراءة في المآلات المستقبلية

إذا استمر تنفيذ أحكام الإعدام في غزة، فإن المشهد الحقوقي والسياسي سيزداد تعقيدًا.
فمن جهة، يتوقع أن تتصاعد الضغوط الدولية على الحركة لوقف هذه الممارسات أو إخضاعها لإشراف قضائي مدني.
ومن جهة أخرى، قد تستخدم حماس ذلك كأداة سياسية، لتأكيد أن غزة كيان مستقل القرار لا يخضع لإملاءات رام الله أو واشنطن.
وفي حال تم التوصل إلى هدنة طويلة المدى غير المنعقدة، فمن المرجّح أن يُدرج ملف الإعدامات ضمن بنود النقاشات المتعلقة بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وضمان وحدة القضاء الفلسطيني مستقبلاً.

ختام

الإعدامات في غزة ليست حدثًا قانونيًّا معزولًا، بل مرآة مكثّفة لصراعٍ طويل بين العدالة والسيادة، بين سلطة الدولة وسلطة المقاومة.
وفي وقتٍ تتنازع فيه القوى على من يملك القرار في غزة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن أن تقوم دولة حقيقية فوق أرضٍ لم تهدأ فيها رائحة البارود؟
حتى ذلك الحين، سيظلّ الموت في غزة يحمل توقيعًا مزدوجًا: العدو من الخارج، والحاكم من الداخل.

تم نسخ الرابط