سيطرة «الدعم السريع» على الفاشر يهدّد بوحدة السودان ويُفاقم المأساة الإنسانية
السودان على حافة التحوّل
يعيش السودان هذه الأيام أكثر مراحله دقةً منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. فقد سجّل المشهد الميداني منعطفًا بالغ الخطورة بسيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية دارفور، بعد حصار دام نحو ثمانية عشر شهرًا.
ترافق ذلك مع تقارير أممية عن مجازر وانتهاكات واسعة، ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين، فيما ترتفع التحذيرات الدولية من أن البلاد تقترب من حافة الانقسام الجغرافي والسياسي، ومن مأساة إنسانية وشيكة هي الأخطر منذ اندلاع النزاع.
أولًا: ماذا يحدث في الميدان؟
تؤكد تقارير متطابقة من وكالات أنباء دولية ومصادر ميدانية أنّ قوات الدعم السريع أحكمت قبضتها على مقر قيادة الجيش في الفاشر، بعدما اخترقت خطوط الدفاع التي صمدت لأشهر.
وفيما أعلنت القوات المهاجمة «تحرير» المدينة بالكامل، أفاد شهود عيان ومنظمات إنسانية عن عمليات إعدام ميدانية، واختطافات، وعنف منظم، دفع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى التعبير عن «قلق بالغ إزاء خطورة المشهد».
كما شهدت المدينة موجة نزوح جماعي اتجهت إلى مناطق نائية في دارفور وكردفان، بينما حذّرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من أن «الوضع الإنساني في طريقه إلى الانهيار الكامل».
في شمال كردفان، قُتل خمسة من المتطوعين أثناء توزيع مساعدات غذائية، ما يبرز استهدافًا متصاعدًا للعاملين في المجال الإنساني.
ثانيًا: الأبعاد الإستراتيجية — لماذا تمثّل الفاشر نقطة تحوّل؟
1. رمزية دارفور
دارفور ليست مجرد إقليم؛ إنها ذاكرة الحرب السودانية منذ مطلع الألفية. والسيطرة على عاصمتها تعني من الناحية الرمزية انهيار آخر قلاع الجيش في الغرب، وإعادة فتح ملفات الإبادة الجماعية والنزاع العرقي، التي ظنّ العالم أنّها طُويت.
2. مؤشرات الانقسام
بات واضحًا أن السودان يسير نحو تشظٍ فعلي في جغرافيته السياسية، إذ تفرض قوات الدعم السريع هيمنتها على الغرب، بينما يحتفظ الجيش بمناطقه في الشمال والشرق.
هذا الواقع يُهدّد بتكريس «دولتين أمر واقع» داخل الحدود نفسها، في تكرارٍ لنموذج ليبيا أو الكونغو في مراحلها المنقسمة.
3. استنزاف الجيش وتوسّع النفوذ
النجاح الميداني الأخير للدعم السريع يُفرغ الجيش من موارده البشرية والميدانية، ويفتح أمام الميليشيا مجالًا لإقامة بنية سلطة موازية تُدار من دارفور، قد تستخدمها كورقة تفاوض أو قاعدة لانطلاق جديد نحو الخرطوم.
ثالثًا: الانتهاكات والملف الحقوقي
تتوالى البلاغات الحقوقية عن عمليات إعدام خارج القانون، وتطهير عرقي ممنهج، وانتهاكات ضد النساء والأطفال.
وقد وصف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الوضع بأنه «مروّع ومثير للفزع»، داعيًا إلى تحقيقات مستقلة وشفافة، وسط تحذيرات من أن ما يجري «قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية».
المنظمات الدولية تؤكد أنّ استهداف المدنيين وفق الهوية العرقية أو السياسية، والتنكيل بالمخيمات، يُهددان بتحوّل دارفور إلى مسرح إبادة جديدة يعيد إلى الأذهان أهوال العقدين الماضيين.
رابعًا: مأساة إنسانية في التمدّد
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى نزوح عشرات الآلاف خلال أيام، مع تزايد حالات سوء التغذية الحاد، ونقص الأدوية، وانقطاع الكهرباء والمياه.
تصف المنظمات الإنسانية الوضع بأنه «أزمة ممتدة داخل كارثة أكبر»، خصوصًا مع تعذّر وصول القوافل الإغاثية وغياب الضمانات الأمنية.
التحذيرات تتحدث عن ملايين المهددين بالجوع والمرض في ظل انهيار الخدمات الصحية وانقطاع طرق الإمداد، بينما أصبحت بعض المدن «معزولة فعليًا» عن العالم الخارجي.
خامسًا: الموقف الدولي والدبلوماسي
أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا عبّر فيه عن «قلقه العميق» إزاء تفاقم العنف في دارفور، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
الأمم المتحدة من جانبها ناشدت جميع الأطراف احترام القانون الإنساني، مؤكدة أن «ما يجري في الفاشر يهدد السلم الإقليمي بأسره».
الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تتابع المشهد عن كثب، وتبحث — وفق مصادر دبلوماسية — فرض عقوبات جديدة على القيادات المتورطة، في وقتٍ تُبدي فيه دول الجوار، ولا سيما مصر وتشاد، قلقًا من امتداد الفوضى إلى أراضيها.
سادسًا: ديناميات داخلية تُسرّع الانهيار
الطابع شبه المؤسسي لقوات الدعم السريع يجعلها أقرب إلى كيانٍ عسكري موازٍ للدولة، يمتلك مصادر تمويل وتحالفات قبلية عميقة.
الانهيار الاقتصادي المستمر يُغذّي دوائر العنف، ويُفقد الحكومة المركزية قدرتها على إدارة الدولة.
تداخل الصراعات الإقليمية عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى يُغذّي الصراع بالسلاح والمقاتلين.
سابعًا: السيناريوهات المتوقعة
1. السيناريو الأسود — تفكك الدولة: إذا استمر الدعم السريع في تثبيت أركان سلطته غربًا، فقد يدخل السودان عمليًا مرحلة التقسيم الجغرافي.
2. السيناريو الدبلوماسي القسري: ضغط دولي مكثف يقود إلى مفاوضات تُبرِد جبهات القتال مؤقتًا دون حل جذري.
3. السيناريو الإنساني المحدود: فتح ممرات إغاثة جزئية تُنقذ الأرواح مؤقتًا بينما تبقى آلة الحرب دائرة.
ثامنًا: مطالب عاجلة من الميدان
وقف فوري للأعمال العدائية وتوفير ممرات إنسانية آمنة.
إطلاق آلية دولية للتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.
حماية العاملين في المجال الإنساني وضمان حرية الوصول إلى المناطق المنكوبة.
السودان... بين الجغرافيا والدم
ما يجري في دارفور ليس معركة حدود، بل صراع على بقاء السودان نفسه.
تقدّم الدعم السريع في الفاشر كشف هشاشة الدولة ومحدودية ردّ المجتمع الدولي، فيما يقف ملايين المدنيين في مواجهة الجوع والنزوح والموت.
وفي غياب حلّ سياسي شامل وإرادة دولية حقيقية، يظلّ السودان مهددًا بأن يتحول من دولة في أزمة إلى أزمة بلا دولة.