"لقد كانت مصر هي التي اخترعت الأبدية"
أندريه مالرو وزير ثقافة فرنسا في حديثه للأستاذ هيكل.

ربما لم يتداخل معنين كل منهما بالآخر كما يتداخل معننين الحضارة والتاريخ. نتحدث عن أحدهما ببنما نقصد الآخر.
نتحدث عن الحضارة بينما نقصد التاريخ والعكس صحيح.
والواقع أننا إزاء مشكلة تعريفات في الأساس وهذا يصدق على الغالبية العظمى من مفاهيمنا ، ودون أن نضع تعريفات محددة لمفرداتنا فستظل معانيها تائهة حتى ولو وُضعت كل النقاط فوق حروف كلماتها.
وظني دائماً ، بل ربما اعتقادي أن وجود مفردين غير مترادفين يعني أن لكل منهما معناً مختلفاً، وهذا ينطبق بلا شك على معنيين الحضارة والتاريخ فهما ليسا بمترادفين ومن ثم فكل منهما معناً مستقلاً وهو ما نحاول أن نلقي عليه الضوء في هذا المقال.
وانطلاقًا من هذا فإننا مطالبون قبل أن نتحدث عن الحضارة والتاريخ أن نضع لكل منهما تعريفًا منضبطًا حتى يتبين لنا بعد ذلك مواضع التميز بينهما.
فالحضارة في ظني هي فترات من التفوق في شتى مجالات الحياة بحيث تجد الأمة صاحبة هذا التفوق نفسها في هوة سحيقة تفصلها عن باقي الأمم أخذًا بمفهوم العصر الذى وُجدت فيه هذه الحضارة"
وأما التاريخ فهو تسجيل حركة الحضارة في كل طورها من حيث التفوق واستمراه أو انحداره واندثاره
أو هو كما عرفه جون اندرسون
Joha Anderson
عالم التشريح والأحياء الاسكتلندى بأنه "سرد الأحداث التي وقعت بين البشر، بما في ذلك سرد صعود وسقوط الأمم، فضلاً عن التغييرات السياسية والاجتماعية للجنس البشري"
وهو تعريف نراه يقترب من مفهومنا على الأقل في إطار السياق الذى نتحدث فيه عن الفارق بين التاريخ الحضارة .
بهذا التعريف نستطيع أن نحدد مساحة كل منهما وسيكون المثال الذى نعرض له هو الحضارة الفرعونية باعتبارها أقدم حضارات الإنسان على الإطلاق.
فلا شك أنه منذ خمسة آلاف سنة تقريبًا ( أو سبعة آلاف سنة قبل أن يوحد الملك مينا قطري مصر) قامت على ضفاف النيل حضارة هناك بهذا المفهوم الذى تبنيناه والذى يكمن في " التفوق"
superiority.
وهذا التفوق في الحقيقة له شواهد عديدة ومن ثم يصعب حصرها وإزاء ذلك فإننا نلقى الضوء على أبرزها كالتالى:
(وحدة الإقليم)
منذ العام ٣١٥٠ قبل الميلاد تحديدًا في الشمال الشرقي لإفريقيا استطاع ملك شاب طموح هو الملك "مينا" في عبقرية فذة أن يحقق وحدة البلاد جنوبها وشمالها فيما يعرف بتوحيد القطرين ، وبما يشكله هذا العمل من عنصر تفوق يتمثل في الحفاظ على وحدة الإقليم وهو من أولويات الدولة الحديثة اليوم و لا يخلو دستورًا من نص يضمن وحدة إقليم الدولة، ولعل أكثر أسباب الحروب في التاريخ قد قامت من أجل الحفاظ على هذه الوحدة .
( القمح)
لم يقتصر الأمر على ذلك بل على ضفاف هذا الوادى قامت أول زراعة لأهم محصول غذائي عرفته الإنسانية حتى اليوم وهو محصول القمح.
إنه الوجه الآخر للحياة وإذا تخيلنا أن هذا المحصول يُعد اليوم من المحاصيل الاستراتيجية الذى يمثل جانبًا هامًا في اقتصاديات الأمم لأدركنا كم هو حجم التفوق الذى عرفته الحضارة الفرعونية منذ الزمن البعيد عندما تنبهت إلى أهمية هذا المحصول.
فى هذا السياق كان يوسف الصديق يدرك جليًا أهمية هذه الثروة العظيمة بالنسبة لبقاء الدولة ولم يخطئ الرومان أبدًا عندما نظروا إلى الإسكندرية على أنها عاصمة الإمبراطورية فى الشرق وكان من بين الأسباب العديدة التى تبوأت فيها الإسكندرية هذه المكانة أنها كانت تمثل واجهة بلاد تزرع وتحصد وتقوم بتخزين القمح.
(التشييد)
عند الجانب الغربي من نهر النيل ستجد إحدى عجائب الدنيا السبع التي مازالت شاهدًا على فترة التفوق هذه.
إنه الهرم الأكبر الذى بناه خوفو أحد ملوك الفراعنة والذى استغرق بناؤه ثلاث وعشرين سنة احتاج عشرات ألاف من سواعد الرجال و لم تُكتشف أسراره الهندسية حتى اليوم.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى أبعد من ذلك.

لقد اعتقد المصريون منذ هذا الوقت أن الملوك قد تم اختيارهم من قبل الآلهة ليكونوا وسطاء بينهم وبين الناس ومن ثم كانت هناك ضرورة لحفظ جثثهم بعد الموت وتحنيطها ودفن كل ما يحتاحونه من متعلقاتهم فى الحياة الآخرة.
إن مسألة التحنيط هذه لم تكن غايتها مجرد الاحتفاظ بالجسد على حالته بقدر ما بها من رمزية العودة إلى الحياة وهي تمثل أيضًا مرحلة تفوق فريدة يمكن أن نتساءل معها: أية حضارة هذه التي رأت أن هناك حياة أخرى بعد الموت منذ هذا الوقت المبكر للغاية.
(عقيدة التوحيد)
عندما جاء عهد الأسرة الثامنة عشرة كان هناك ملك حكم مصر سبعة عشر عامًا تخلى عن تعدد الآلهة وأقام للمرة الأولى عقيدة التوحيد وهى أعلى درجة من التفوق يمكن أن تصل إليها حضارة إنه
" اخناتون"
ولعلى في هذا المقام أذكر رأي الأستاذ "عباس العقاد" فى شأن تطور عقيدة التوحيد حيث يقول: "وحين تتوحد الأمة توحد عبادتها في إله واحد مع تعدد الأرباب في كل إقليم وقد تفرض الأمة القوية ربها على غيرها كما تفرض سيادة تاجها أو عرشها وقد ترضى الأمة المغلوبة بالخضوع لإلهها مع بقاء آلهتها على صلة التابع بالمتبوع.
والتطور الأخير هو ما يسمى " بالوحدانية الناقصة" ولا يصل إليه الإنسان إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ويتعذر على العقل قبول الخرافات البدائية، فنصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة وكثيرًا ما ينفرد الإله الأكبر بالربوبية الحقة وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية!
غير أن هذه ليست خاتمة المطاف فبعد الوحدانية الناقصة جاءت "الثنائية " وليس هذا نكسة في الايمان كما قد يتبادر إلى الذهن بل هو تقدم من الأدنى إلى الأعلى لتنزيه الرب والارتفاع بصفاته حيث يكون هناك إله الشر وإله الخير .. وبعد كل هذا تأتي وحدة الوجود التى تثبت وجود الله ثبوتًا لا شك فيه وهو ثبوت الكون بالحس والعقل والإيمان"
وينتهي الأستاذ العقاد إلى أن " التوحيد هو نهاية المطاف في جميع الحضارات الكبرى "
هذه إذن أربعة شواهد كبرى على قيام الحضارة.
وحدة الإقليم.
الزراعة.
التشييد.
عقيدة التوحيد.
ولكن هل من الممكن أن تتحول الحضارة إلى تاريخ؟
انطلاقًا من مفهوم الحضارة والذى يرتكن فى المقام الأول على عنصر التفوق فإن ضمان تواصل الحضارة رهن بتواصل هذا العنصر فإذا تخلف عنها توقفت الحضارة عن السير وصارت تاريخًا.
فعندما نتحدث عن دولة امتلأت صوامعها بالقمح وكانت تمثل سلة غذاء لأعظم امبراطوريات العالم فإن هذا يمثل بلا شك عنصر تفوق بمقياس العصر وعندما تبيت صوامعها فارغة فإن عنصر التفوق يتخلى عنها ومن ثم تتوقف الحضارة عن السير وتصبح تاريخًا.
وعندما يدرك ملك أهمية وحدة الإقليم فهذه بوادر تفوق عظيمة لكن عندما تشتعل حروب انفصالية فلا شك أن ذلك يعد انتكاساً لهذا التفوق ومن ثم زوال الحضارة.
وعندما نتحدث عن "ملك" توصل إلى عقيدة التوحيد منذ ما يقارب خمسة آلاف سنة فنحن بكل تأكيد نشير إلى فترة تفوق مبهرة بمقياس الزمن ومن ثم نتحدث عن حضارة فإذا لم يستمر هذا التفوق ونشبت حروبًا على العقيدة فإذن الحضارة تصير تاريخًا.
وعندما لا تتابع دولة التشييد (بما صحبه في ذلك من ترك الأثر) والذى شهد في السابق أعظم البنايات بما كان يمثله هذا من عنصر تفوق فإن الحضارة هنا تصير تاريخًا.
قانون استمرار الحضارة إذن يقوم على مواصلة التفوق وحين يتوقف هذا الأخير عن السير تتوقف الحضارة وتتحول إلى تاريخ .
هل يمكن أن تُعاود الحضارة السير بعد التوقف؟
بالتأكيد يمكن للحضارة أن تُعاود المسير بعد فترات التوقف وذلك باستدعاء المعادلة التى أشرنا إليها والتى ترتكن على عنصر التفوق.
والتفوق هنا لا نقصد به بالطبع أن يكون من جنس التفوق الذى نشأت معه الحضارة لكنه يتطور بحسب الزمن.
الزراعة يمكنها أن تتطور إلى تصنيع والتشييد يمكن أن يتجاوز بناء المعابد إلى قلاع أخرى تناسب العصر مثل مراكز الأبحاث والعلوم بكافة أنواعها طبيعية أو انسانية والتحنيط يمكنه أن يكون ثورة علمية تطيل كل ما يحيط بالانسان. وعقيدة التوحيد يمكنها أن تصير ميثاقًا أخلاقيًا عظيمًا فى احترام الآخر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

إن الحضارة تقوم على التفوق والتاريخ يسجل مراحله وتطوره وتواصله وتعثره .
فلا التاريخ يمكنه أن يكون حضارة ولا الحضارة يمكنها أن تكون تاريخًا .
إن هذا الخيط الذى يفصل بينهما حتى ولو كان خيطًا رفيعًا يجب أن يبقى أمام أعيننا من أجل أن يُذكِّرنا دائمًا أننا نمتلك مجدًا حضاريًا لا ينبغي أبدًا وتحت أي ظرف أن يتحول إلى مجرد تاريخ ثم لا نتوانى في التغني بالحضارة بعدما نكون قد مزقنا هذا الخيط الرفيع بينها وبين التاريخ، إما بدواعى خلط الأشياء وهو ما يحدث كثيرًا وإما بسبب غياب الوعى وهو ما يتوقف معه سير الحضارة وربما يتوقف معه أيضاً سير التاريخ ... !
––––––
- صور القطع الأثرية تمثل تمثال نصفي للملك رمسيس الثاني وحجر رشيد وإحدى الموميات وكلها ملتقطة من المتحف البريطاني بلندن-