زهران ممداني.. من شوارع كوينز إلى عرش نيويورك: صعود غير متوقّع في المشهد الأمريكي
في مدينةٍ لا تنام، يتبدّل فيها الضوء كما تتبدّل اللهجات، وتختلط فيها رائحة القهوة برائحة التاريخ، يبرز اسمٌ بات حديث السياسة الأمريكية: زهران ممداني.
شاب في الثالثة والثلاثين من عمره، مهاجر من أوغندا، يقف اليوم على أعتاب مقعد عمدة نيويورك — واحدة من أعقد المدن وأكثرها رمزية في العالم. فكيف وصل إلى هنا؟ وما الذي جعل تجربته تستقطب كل هذا الزخم في الساحة الأمريكية والعالمية؟
من كمبالا إلى كوينز.. حكاية انتماء وهجرة
وُلد زهران في 18 أكتوبر 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، لأسرةٍ تنتمي إلى الجذور الهندية.
والده محمود ممداني، أحد أبرز المفكرين في دراسات ما بعد الاستعمار وأستاذ في جامعة كولومبيا، ووالدته ميرا نايير، مخرجة عالمية نالت جوائز دولية عن أفلامٍ تناولت قضايا الهوية والمنفى.
انتقلت الأسرة إلى الولايات المتحدة وهو في السابعة من عمره، واستقروا في حيّ أستوريا في كوينز — ذلك الحي الذي أصبح بعد سنواتٍ نقطة الانطلاق لرحلته السياسية والاجتماعية.
تخرّج ممداني في كلية بودوين بولاية مين عام 2014، متخصصًا في دراسات إفريقيا، قبل أن يبدأ عمله كمستشار إسكان، مدافعًا عن حقوق المستأجرين والفئات المهددة بالطرد، وناشطًا في قضايا العدالة الاجتماعية.
القفزة الكبرى.. من ناشط محلّي إلى مرشّح بلدية نيويورك
عام 2020، انتُخب عضوًا في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك عن الدائرة السادسة والثلاثين، ممثّلًا أحياء أستوريا.
لكن المفاجأة جاءت في أكتوبر 2024، حين أعلن ترشّحه لمنصب عمدة نيويورك على بطاقة الحزب الديمقراطي، حاملاً برنامجًا تقدميًا جذريًا.
ضمن أبرز بنود حملته:
تجميد الإيجارات للمستأجرين في الوحدات المثبّتة.
النقل العام المجاني تدريجيًا.
بناء مساكن ميسّرة للطبقات العاملة.
فرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الدخل المرتفع.
وفي يوليو 2025، حسم موقعه رسميًا كمرشح ديمقراطي بعد فوزه في الجولة الثالثة من التصويت التفضيلي بنسبة 56%، متفوّقًا على وجوهٍ مخضرمة في الحزب.
ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون سياسية
ما يميّز زهران ممداني أنه لم يخض معركته من مقاعد النخبة، بل من الشارع.
استراتيجيته اعتمدت على "العمل الميداني": آلاف المتطوعين طرقوا الأبواب، اتصلوا بالناخبين، وخاضوا معركة إعلامية رقمية استثنائية.
شعاره "مدينة لنا جميعًا" أصبح صدى لجيلٍ كامل يشعر بالإقصاء الاقتصادي والاجتماعي في قلب واحدة من أغنى مدن العالم.
وفي وقتٍ تشتعل فيه أزمة السكن وتكاليف المعيشة، وجد فيه سكان الأحياء الفقيرة والمهاجرون نموذجًا يمثلهم، لا فقط بخلفيته بل بخطابه العملي الواضح.
التحدّيات والهجمات: بين الإسلاموفوبيا والتشكيك في الخبرة
لم تمرّ رحلته بلا عواصف.
فقد واجه حملة تشكيك من خصومه داخل الحزب الديمقراطي نفسه، واتهامات بأن خبرته الإدارية محدودة لإدارة مدينةٍ تضم أكثر من ثمانية ملايين نسمة.
كما واجه حملات إعلامية ذات طابع ديني وعنصري، في وقتٍ تتصاعد فيه موجات الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، حافظ على خطابه الهادئ، وركّز على "العدالة الاقتصادية" و"توزيع الثروة"، رافضًا أن تُختزل حملته في نقاش الهوية فقط.
أبعد من نيويورك.. دلالات فوزه المحتمل
إذا ما فاز ممداني في انتخابات نوفمبر 2025، فسيكون أول مسلم وأول أمريكي من أصول جنوب آسيوية يتولى منصب عمدة نيويورك.
لكن الأهم من الرمزية، هو ما يعكسه فوزه من تحوّل أعمق في داخل الحزب الديمقراطي: من الاعتماد على نخب المال والسياسة، إلى العودة إلى قواعد الشارع وصوت الطبقات العاملة.
سياساته التقدمية تثير قلق بعض المستثمرين، إذ يخشى البعض أن تصطدم رؤيته الاجتماعية بالواقع الاقتصادي العملاق لنيويورك، فيما يرى آخرون أنه قد يكون بداية لتجربة أمريكية جديدة في الحكم المحلي: أكثر عدلاً، وأكثر إنصاتًا للهامش.
خاتمة: فصلٌ جديد في رواية المدينة
زهران ممداني ليس مجرد مرشحٍ في سباق انتخابي؛ بل تجسيدٌ لتحوّلٍ عميق في وعي المدينة.
من أزقة أستوريا إلى شاشات العالم، يقف اليوم بوصفه رمزًا لجيلٍ يؤمن بأن السياسة ليست امتيازًا، بل وسيلة لاستعادة الإنسان من قلب النظام.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يشهد العالم في نيويورك ميلاد "عصرٍ تقدميٍّ جديد" يعيد رسم ملامح الديمقراطية الأمريكية؟
أم أن موجة الأمل هذه ستنكسر على صخرة الواقع الاقتصادي والسياسي؟
الأسابيع المقبلة وحدها ستكشف الإجابة، لكن المؤكد أن اسم زهران ممداني قد أصبح بالفعل جزءًا من التاريخ الحديث لمدينةٍ لا تكفّ عن مفاجأة نفسها والعالم.