ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

وفاة العلامة والداعية المصري زغلول النجار: عالم الإعجاز العلمي الذي مزج بين الدين والعقل

خلف الحدث

في التاسع من نوفمبر عام 2025، ودّع العالم العربي والإسلامي أحد أبرز رموزه العلمية والدعوية، الأستاذ الدكتور زغلول النجار، الذي وافته المنية في العاصمة الأردنية عمّان عن عمر ناهز 92 عامًا، بعد رحلة حافلة امتدت لأكثر من ستة عقود في خدمة العلم والإيمان.
الخبر الذي تأكد عبر مواقع موثوقة، أحدث موجة واسعة من الحزن والحنين في أوساط العلماء وطلاب الجامعات، إذ لم يكن النجار مجرد باحث في الجيولوجيا، بل كان مدرسة فكرية كاملة جمعت بين دقة العلم وعمق الإيمان.

1. السيرة الذاتية والنشأة

وُلد زغلول راغب محمد النجار في محافظة الغربية بمصر عام 1933، ونشأ في أسرة محافظة مهتمة بالعلم والدين.
تفوّق منذ سنوات دراسته الأولى، ليلتحق بكلية العلوم – جامعة القاهرة، ويتخصص في الجيولوجيا، حيث نال فيها درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف الأولى.
واصل دراسته العليا في الخارج، وحصل على الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية، في تخصص الجيولوجيا الدقيقة (Micropaleontology)، ليبدأ بعدها رحلة علمية امتدت من المختبرات إلى المنابر الفكرية والإعلامية.

2. المناصب والرحلات العلمية

عمل الدكتور زغلول النجار في عدد من الجامعات المرموقة، منها:
جامعة عين شمس وجامعة القاهرة في مصر.
جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السعودية.
جامعة الكويت وجامعة قطر، حيث شغل مناصب أكاديمية عليا وأسهم في تأسيس أقسام علمية جديدة.
كما تولى رئاسة قسم الجيولوجيا في جامعة قطر لفترة طويلة، وكان أحد أبرز المساهمين في تطوير المناهج العلمية في المنطقة العربية.
وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان مستشارًا علميًا لعدد من الهيئات البحثية والدعوية، وعضوًا فاعلًا في الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

3. التحوّل نحو الإعجاز العلمي

رغم تخصصه الدقيق في علم الأرض، إلا أن اهتمام النجار اتجه مبكرًا إلى الربط بين الآيات القرآنية والاكتشافات العلمية الحديثة.
كان يرى أن "القرآن كتاب هداية قبل أن يكون كتاب علم، لكنه يحمل في طياته من الإشارات الكونية ما يثبت صدقه وإعجازه".
ومن هنا بدأ مشروعه الفكري الأشهر: الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الذي عمل عليه أكثر من 40 عامًا، مؤلفًا عشرات الكتب، منها:
من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزاها العلمي
السماء في القرآن الكريم
الأرض في القرآن الكريم
وقد تُرجمت أعماله إلى لغات متعددة، وأصبحت مراجع أساسية في مكتبات الجامعات ومراكز الدراسات الإسلامية.

4. الحضور الإعلامي والدعوي

برز الدكتور النجار كأحد أشهر الوجوه الدعوية في الفضائيات العربية منذ تسعينات القرن الماضي.
قدّم عشرات البرامج التي جمعت بين اللغة العلمية والأسلوب الدعوي الهادئ، مثل:
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (قناة إقرأ).
آيات بينات (الجزيرة الوثائقية).
من آيات الله في الآفاق (القناة المصرية الأولى).
كان خطابه موجهًا إلى العقل والروح معًا، ما جعله محبوبًا لدى شرائح واسعة من الشباب والمثقفين، وسببًا في إعادة كثيرين للتفكر في آيات الكون والخلق.

5. الجوائز والتكريمات

حصل الدكتور النجار على وسام العلوم والآداب من الطبقة الأولى في مصر، وعدة جوائز من دول عربية وإسلامية تقديرًا لجهوده في خدمة العلم والإيمان، منها:
جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية (ترشيح).
تكريم من منظمة الإيسيسكو.
جائزة جامعة قطر للتميز البحثي.
كما اختير ضمن لجنة التحكيم في عدد من الجوائز الدولية الخاصة بالإعجاز العلمي، وشارك في مؤتمرات بأوروبا وآسيا وإفريقيا.

6. وفاته وردود الفعل

أعلنت وسائل إعلام مصرية وعربية يوم الأحد 9 نوفمبر 2025، وفاة الدكتور زغلول النجار في العاصمة الأردنية عمّان، بعد معاناة قصيرة مع المرض.
ورغم عدم صدور بيان رسمي من العائلة، إلا أن صفحات أكاديمية وعلمية، إلى جانب تلامذته في الجامعات، أكدوا الخبر بنصّ «لبّى نداء ربه».
فور الإعلان، امتلأت مواقع التواصل بنعي العلماء والدعاة، إذ كتب أحد تلاميذه:
«رحل من علّمنا أن ننظر إلى الجبال فلا نراها حجارة فقط، بل آيات ناطقة بقدرة الخالق».

كما نعت جامعة القاهرة وجامعة قطر ورابطة الإعجاز العلمي الراحل، مؤكدة أنه «ترك مدرسة متكاملة في ربط النص بالعلم».
ومن المتوقع أن يُدفن في الأردن حيث أقام في سنواته الأخيرة، على أن تُقام صلاة الغائب عليه في عدد من الدول العربية.

7. التحليل: إرث يتجاوز الجسد

أ) البعد العلمي والمعرفي

يمثل زغلول النجار نموذجًا نادرًا لعالم جمع بين التخصص التجريبي والروح الإيمانية، فكان صوته مسموعًا في كلا الميدانين.
برحيله، يفقد العالم الإسلامي أحد أبرز الوجوه التي جسّرت الهوة بين الدين والعلم الحديث، في زمنٍ تتزايد فيه الفجوة بينهما.

ب) البعد الدعوي والثقافي

اعتمد النجار أسلوبًا يعتمد على البرهان لا الوعظ فقط؛ فدعوته لم تكن خطابًا تقليديًا، بل قائمة على فكرة أن الإيمان يُثبت بالعقل كما يترسخ بالقلب.
ومن ثم، فتح آفاقًا جديدة لجيلٍ من الباحثين في "الإعجاز العلمي" الذين يسيرون اليوم على خطاه.

ج) البعد الإعلامي والرمزي

كان من أوائل العلماء الذين استخدموا الإعلام المرئي لنشر الفكر العلمي الإيماني، فكوّن جسرًا بين النخبة والجمهور.
رحيله يفتح باب التساؤل: هل يستطيع الجيل الجديد من الدعاة الجمع بين رصانة البحث العلمي وجمال الخطاب الروحي كما فعل هو؟

د) البعد الوطني والعربي

زغلول النجار أحد أبناء جيل العلماء المصريين الذين مثّلوا وجه مصر العلمي أمام العالم، شأنه شأن أحمد زويل وفاروق الباز.
وبغيابه، يُطوى فصل من تاريخٍ طويل شاركت فيه العقول المصرية في رفع راية العلم والإيمان في العالم الإسلامي.

8. ما بعد الرحيل

من المنتظر أن تُعاد طباعة عدد من كتبه ومحاضراته في ذكرى رحيله، وربما يتم إنشاء جائزة سنوية تحمل اسمه لتكريم الأبحاث في مجال الإعجاز العلمي.
كما يتداول بعض تلاميذه فكرة إنشاء أرشيف رقمي لمؤلفاته ومحاضراته لتوثيق إرثه للأجيال القادمة.
في المقابل، تتزايد الدعوات في الجامعات العربية إلى مراجعة منهجه العلمي وتطويره بما يتناسب مع معطيات العلم الحديث، ليبقى مشروعه فكرًا حيًا لا تراثًا جامدًا.

خاتمة

رحل الجسد وبقي الأثر.
رحل من كان يرى في كل ذرةٍ من تراب الأرض دليلاً على عظمة الخالق، وفي كل اكتشافٍ علمي آيةً تذكّر الإنسان بحدوده.
لم يكن زغلول النجار مجرد أستاذ في الجيولوجيا، بل كان جسرًا بين المختبر والمنبر، بين التجربة والآية، بين العلم والإيمان.

سيظل اسمه حاضرًا في الذاكرة العلمية والدينية، ليس لأنه قال الجديد فقط، بل لأنه أيقظ وعياً جديدًا في وجدان الأمة.
رحم الله العالم الجليل، وأسكنه فسيح جناته.

تم نسخ الرابط