الخبير السياسي عزت ابراهيم يكتب: السياق الأكبر لفضيحة BBC -ترامب
القضية بدأت بانفجار إعلامي ضخم حين كشفت تسريبات داخلية أن شبكة “بي بي سي” قامت بتحرير أجزاء من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 6 يناير 2021 بطريقة تُظهره وكأنه دعا مباشرة إلى اقتحام الكونغرس.
هذا النوع من التلاعب السردي أثار جدلاً واسعًا حول نزاهة المؤسسة التي لطالما قدمت نفسها كرمز للحياد الصحفي منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي.
الحدث لم يكن مجرد خطأ تقني بل اختباراً لأخلاق الإعلام العام في عصر الاستقطاب السياسي العابر للحدود.
استقالة المدير العام تيم ديفي ومديرة الأخبار ديبورا تورنِس جاءت بمثابة اعتراف ضمني بأن الخطأ تجاوز التقدير الفردي إلى خلل مؤسسي أعمق.
ديفي الذي تولى المنصب عام 2020 كان يُعتبر إصلاحياً حاول التوازن بين متطلبات الحكومة البريطانية وحرية الصحافة. لكنّ الضغوط السياسية، خاصة من حزب المحافظين، جعلت أي زلة في التغطية تبدو كجريمة وطنية.
تورنس من جانبها وصفت الاستقالة بأنها “تضحية من أجل إنقاذ المؤسسة” أكثر من كونها إقراراً بالذنب.
التحقيقات الداخلية كشفت أن برنامج “بانوراما” الذي عُرضت فيه المقاطع هو المسؤول عن المونتاج المثير للجدل. الصحفيون دمجوا مقاطع منفصلة من خطاب ترامب لجعل الجمل متتابعة زمنياً بطريقة توحي بتسلسل مباشر بين الدعوة إلى “السير نحو الكابيتول” ثم “القتال كالجحيم”.
في الواقع، الفاصل الزمني بين العبارتين تجاوز الساعة.
هذا التفصيل البسيط كان كفيلاً بإعادة إشعال النقاش حول مفهوم “الحقيقة البصرية” في الإعلام التلفزيوني.
تاريخياً، عانت “بي بي سي” من أزمات مشابهة. في عام 2003، واجهت المؤسسة أزمة الثقة بعد تقرير أندرو غيليغان الذي اتهم الحكومة البريطانية بالمبالغة في ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية. أدت تلك الفضيحة إلى استقالة رئيس مجلس الإدارة والمدير العام آنذاك. ومن المدهش أن مشهد 2025 يعيد تقريباً نفس النمط: خطأ تحريري، تدخل سياسي، ثم استقالات على أعلى مستوى.
القضية اكتسبت بعداً دولياً بسبب أن موضوعها يتصل مباشرة برئيس أمريكي في خضم حملته السياسية للعودة إلى البيت الأبيض.
ترامب بدوره استغل الواقعة ليهاجم الإعلام البريطاني بوصفه “طرفاً أجنبياً يتدخل في الانتخابات الأمريكية”، وهو خطاب وجد صدى واسعاً لدى المحافظين الأمريكيين الذين يرون في الإعلام الليبرالي تهديداً للأمة أكثر من كونه رقيباً ديمقراطياً. في المقابل، التزم البيت الأبيض موقفاً أكثر توازناً، مكتفياً بالقول إن “الإعلام يجب أن يراجع معاييره الأخلاقية”.
في بريطانيا، أحدثت الفضيحة انقساماً حاداً. اليسار رأى أن استقالة القيادة دليل على هشاشة حرية الصحافة أمام ضغط السلطة السياسية، بينما استغل اليمين الحادثة لتأكيد روايته القديمة بأن “بي بي سي” تعاني من تحيز ليبرالي منهجي.
الصحف اليمينية مثل “ديلي تلغراف” و“صن” نشرت مقالات تهاجم ما سمته “ثقافة الاستعلاء الإعلامي” التي تفترض أن الصحفيين أذكى من الجمهور.
أما “الغارديان” و“الإندبندنت” فدافعتا عن المؤسسة باعتبارها ضحية لخطأ فردي تم تضخيمه.
تاريخ “بي بي سي” يجعل أي أزمة فيها قضية وطنية، فهذه المؤسسة التي أُنشئت عام 1922 كانت طوال قرن من الزمن قدمت نفسها “صوت بريطانيا العاقل” في الحروب والأزمات، من الحرب العالمية الثانية إلى بريكست.
شعارها “تخدم الأمة ولا تنتمي إلى أحد” أصبح اليوم على المحك. كل زلة تُقاس بمقياس الرمزية التاريخية، لا فقط المهنية، لأن “بي بي سي” ليست مجرد قناة، بل أحد ركائز الهوية البريطانية الحديثة.
أحد الجوانب اللافتة أن التحقيق بدأ بعد تسريب مذكرة كتبها مستشار سابق هو مايكل بريسكت، أرسلها إلى لجنة الشكاوى الداخلية ثم إلى الصحافة. تسريب الوثيقة أظهر هشاشة الثقة داخل المؤسسة نفسها، وأعاد فتح النقاش حول حماية المبلّغين في الإعلام العام. كما أظهر كيف يمكن لموظف ساخط أن يغيّر المشهد السياسي والإعلامي إذا امتلك الأدلة الكافية.
ردود الفعل في مجلس العموم كانت متباينة؛ وزيرة الثقافة من حزب العمال الجديد شكرت ديفي على “خدمته الجليلة” لكنها أكدت ضرورة مراجعة آليات الشفافية، فيما وصف نواب محافظون “بي بي سي” بأنها فقدت اتصالها بالشعب.
هذا النقاش السياسي تجاوز الإعلام ليصبح جزءاً من معركة الهوية بين اليسار واليمين في بريطانيا، تماماً كما حدث في سنوات تاتشر عندما اتهمت “بي بي سي” بالتحيز ضد الحكومة في تغطية إضرابات المناجم.
في الولايات المتحدة، استُخدم الحدث كدليل إضافي على ما يسميه الجمهوريون “المؤامرة الإعلامية العالمية ضد ترامب”. قنوات مثل “فوكس نيوز” و“نيوزماكس” خصصت ساعات طويلة لمهاجمة “بي بي سي”، مقدمةً إياها كرمز لـ”اليسار الدولي”.
هذا الخطاب وجد صدى لدى جمهور ترامب الذي يعتبر أن المؤسسات الإعلامية الأوروبية تتعامل معه كما تعاملت مع حركات اليمين الشعبوي في أوروبا مثل سالفيني وليبن وبولسونارو.
تاريخ العلاقات بين “بي بي سي” والإدارات الأمريكية يوضح حساسية الموقف.
ففي عهد بوش الابن، وُجهت إليها اتهامات بتغطية سلبية للحرب على العراق، بينما في عهد أوباما كانت متهمة بالعكس: المبالغة في انتقاد الجمهوريين. هذه الموجات المتعاقبة جعلت من فكرة “التحيّز” تهمة دائمة، يصعب على المؤسسة الفكاك منها، حتى وإن كانت تتغير قيادتها وأجيال صحفييها.
الفضيحة جاءت أيضاً في وقت تعاني فيه “بي بي سي” من أزمة تمويلي حادة بعد تخفيض رسوم الترخيص التي تمثل عمودها المالي الرئيسي.
لذلك اعتبر مراقبون أن الحكومة المحافظة ربما وجدت في الحادثة فرصة لتشديد قبضتها على المؤسسة قبيل مفاوضات تجديد الميثاق عام 2027، أي الوثيقة التي تحدد علاقتها بالدولة واستقلالها المالي والإداري.
داخلياً، يعيش الصحفيون في حالة إحباط.
تقارير من داخل “بي بي سي” نقلت أن عدداً من الصحفيين شعروا بأن القيادة تخلت عنهم بسرعة تحت ضغط السياسة والإعلام التجاري المنافس.
بعضهم قال إن “الاستقالة كانت خياراً سياسياً أكثر منها مهنياً”، وهو ما يعكس هشاشة العلاقة بين الصحافة والسلطة في العصر الرقمي حيث تنتشر الفضيحة في دقائق وتصبح قضية رأي عام خلال ساعات.
القضية أثارت مجدداً سؤالاً فلسفياً حول معنى “التحرير” في الإعلام. هل يجوز للمحرر أن يعيد ترتيب الجمل لتوضيح المعنى السياسي؟ أم أن أي تغيير في التسلسل الزمني يعتبر تزويراً؟ هذا النقاش ليس جديداً، فقد طُرح سابقاً عند تغطية أحداث مثل حرب فوكلاند عام 1982 حين اتُهمت “بي بي سي” بأنها “تساوي بين العدو والوطن” في نقل وجهات النظر الأرجنتينية.
من الناحية الأكاديمية، يمثل ما حدث حالة دراسية مهمة في أخلاقيات الإعلام، لأن المسألة تتجاوز الحدث الأمريكي إلى أزمة الثقة بين الجمهور والمؤسسات. فحين يتراجع الإيمان بالمصداقية، يصبح حتى الخبر الصحيح موضع شك.
ولهذا يرى خبراء الإعلام أن إصلاح “بي بي سي” لن يكون فقط إدارياً بل ثقافياً يتعلق بتربية جديدة على مفهوم النزاهة في غرف الأخبار.
البعد التكنولوجي حاضر أيضاً، إذ أن إعادة تركيب المواد المصورة أصبحت أسهل بكثير في عصر الذكاء الاصطناعي، ما يجعل التمييز بين “التحرير” و“التزييف” أكثر غموضاً.
الجمهور لم يعد يميز بسهولة بين الخطأ المتعمد وغير المتعمد، خصوصاً بعد فضائح “ديب فيك” التي دفعت الصحف الكبرى لوضع سياسات صارمة للتدقيق البصري.
في العالم العربي، تلقت مكاتب “بي بي سي” صدى هذه الأزمة بقلق.
إذ يخشى الصحفيون العرب العاملون فيها من أن تزيد الحادثة الضغوط السياسية عليهم، خاصة وأن الخدمة العربية تواجه أصلاً اتهامات من أطراف مختلفة بالانحياز. وبذلك تحولت الأزمة من قضية بريطانية داخلية إلى نقاش عالمي حول مستقبل الصحافة العامة.
المؤسسات المنافسة استغلت الموقف، فـ“سكاي نيوز” البريطانية و“رويترز” قدّمتا تغطية متوازنة لكنها لم تخلُ من رسائل ضمنية عن “ضرورة تجديد الثقة في المهنية”.
أما “واشنطن بوست” و“نيويورك تايمز” فاهتمتا بالبعد الأميركي للفضيحة أكثر من بعدها البريطاني، معتبرتين أنها تُظهر مدى هشاشة العلاقة بين الإعلام والسياسة في الغرب.
المفارقة أن “بي بي سي” كانت قد أطلقت منذ عامين حملة بعنوان “الثقة هي رأس مالنا” لتأكيد التزامها بالمعايير الأخلاقية بعد موجة الأخبار الزائفة التي اجتاحت العالم منذ 2016.
هذه الحملة أصبحت الآن موضع سخرية في الصحف الشعبية التي نشرت صوراً ساخرة لشعار القناة مرفقاً بعبارة “الثقة مفقودة”.
مع تصاعد الأزمة، دعا بعض المثقفين البريطانيين إلى إنشاء مجلس مستقل لمراقبة الإعلام العام، على غرار “أوفكوم” لكن بصلاحيات أوسع. هذه الدعوة أعادت النقاش القديم حول استقلال الصحافة في النظام البرلماني البريطاني الذي يجعل المؤسسات الإعلامية الكبرى دائماً عرضة للتجاذب بين البرلمان والحكومة والرأي العام.
تداعيات الأزمة لن تتوقف عند حدود “بي بي سي”، بل قد تمتد إلى العلاقات الثقافية والإعلامية بين بريطانيا والولايات المتحدة، خاصة وأن واشنطن كانت دائماً تنظر إلى “بي بي سي وورلد” كمنصة ناعمة للنفوذ البريطاني. الآن، يشكك الأمريكيون المحافظون في هذا الدور، ويرونها أداة دعاية ليبرالية لا تختلف كثيراً عن “سي إن إن” في توجهاتها.
التحليل الإعلامي الأوسع يشير إلى أن ما حدث يعكس أزمة أعمق يعيشها الإعلام الغربي برمّته: تآكل الثقة، تسييس الأخبار، وضغط شبكات التواصل الاجتماعي التي تُسارع في تضخيم الأخطاء.
هذه البيئة تجعل أي خطأ في التحرير يتحول إلى سلاح سياسي بيد الخصوم، فينهار الجدار الفاصل بين الحقيقة والدعاية.
من زاوية أخرى، يرى باحثون في الإعلام المقارن أن ما تعرضت له “بي بي سي” يكرر النمط نفسه الذي شهدته مؤسسات مثل “سي بي إس” و“دير شبيغل” و“لوموند” حين واجهت فضائح تحريرية، لكن الفرق أن الجمهور البريطاني يطالب بالمحاسبة بشراسة أكبر لأن المؤسسة تُموّل من أموالهم، مما يمنحهم إحساساً بالملكية المعنوية.
الأزمة أيضاً كشفت عن صراع داخلي بين جيلين داخل “بي بي سي”: الجيل القديم المتمسك بالصرامة الكلاسيكية في الخبر، والجيل الرقمي الذي يرى أن السرعة أهم من الكمال.
هذا التناقض يتجلى في طريقة بناء القصص الإخبارية حيث يميل الجيل الجديد إلى الأسلوب القصصي البصري ولو على حساب الدقة الزمنية.
رغم قسوة الانتقادات، ما زالت “بي بي سي” تمتلك رصيداً هائلاً من الثقة لدى جمهورها الدولي. استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد الفضيحة أظهرت أن نحو 60% من البريطانيين ما زالوا يعتبرونها “أكثر وسيلة إعلامية موثوقة”، لكن نسبة من يعتقدون بوجود “تحيز منهجي” ارتفعت إلى أكثر من 40%، وهو رقم مقلق لمؤسسة بحجمها.
من المنظور الثقافي، يرى محللون أن ما يحدث للـ”بي بي سي” يعكس تراجع مكانة النخب الإعلامية في الديمقراطيات الغربية، تماماً كما فقدت النخب السياسية مصداقيتها في العقدين الأخيرين. الإعلام الذي كان يوماً حارس الحقيقة، أصبح هو نفسه المتهم بالكذب، وهي مفارقة وجودية تهدد مهنة الصحافة في جوهرها.
الفضيحة تأتي أيضاً في لحظة انتقالية يشهد فيها الإعلام البريطاني تحولات تكنولوجية كبرى مع صعود المنصات الرقمية وتراجع المشاهدة التلفزيونية التقليدية. لذلك يرى بعض المحللين أن ما جرى ليس سوى عرض جانبي لأزمة هوية أعمق تعيشها المؤسسة وهي تحاول التوفيق بين تاريخها العريق ومتطلبات العصر الجديد.
في النهاية، تعكس أزمة “بي بي سي” التحدي الأكبر الذي يواجه الصحافة الحديثة: كيف يمكنها أن تكون حرة ومسؤولة في الوقت نفسه؟ فالإعلام، كما قال أحد رؤساء تحريرها الراحلين، “هو خط الدفاع الأول عن الحقيقة، لكنه أيضاً خط النار الأول عند كل أزمة سياسية”. هذه الجملة تختصر مأساة مؤسسةٍ وجدت نفسها فجأة في قلب العاصفة التي كانت تحذر منها.
المصادر
صحف واشنطن بوست ونيويورك تايمز والجارديان ونيويورك بوست والتلجراف