رغم مرور سنوات طوال مازلت أتذكر عندما سرت ومعى أبى رحمه الله خلف عربة نقل أثاث منزلنا.. خرجنا من البر الشرقى لحى المطرية العريق.. بعد سكن لسنوات فى شارع ماهر قريباً من مسجد سيدى إبراهيم.. إلى شقة أوسع فى حلمية الزيتون الحى المقام حديثاً على مساحة من حدائق الموالح والزيتون.. قال أبى سعيداً.. الآن سنكون جيراناً لعدد من الشخصيات البارزة والمبدعة.. معروفة على الصعيد العام.. ولها إسهامات طيبة فى جميع المجالات.. اختاروا هذا المكان الهادئ.. بين الخضرة والسماء الصافية.. لإقامة الفيلات والبيوت.. للسكن الهادئ بدون ضوضاء.
الأمر الثانى تذكرت أننا ودعنا منطقة زراعية خلف شارعنا.. تسمى «النصف فدان» وبين الرحلتين.. سكنا لبعض السنوات فى شارع الصحة المجاور الذى جمع بين الحداثة والعراقة.. فى مزيج شعبى فريد.. بيوت ريفية من دور واحد واسعة تستوعب الأبقار والأغنام.. يخرج ساكنوها بعد الفجر إلى حقولهم.. بأرض الأوقاف الممتدة فى مربع كبير يعيش فيه حى المطرية مع قرى متناثرة مثل بهتيم وكفر الشرفا ومسطرد وعزبة النخل وصولاً إلى المرج وزراعات القليوبية.. تحول معظمها إلى مساكن خرسانية ومحلات ومرافق.. مدارس ومستشفيات وجراجات للنقل العام.. بينما مازال القليل منها يحتفظ باللون الأخضر.. ويحسب لهم مساهمتهم فى مد العاصمة بما فيها من الخضراوات.. ويلبون احتياجات الأسواق.. ومن خلال الحوار والتذكر عرفت عن ترعة الجبل.. الحد الفاصل مع حلمية الزيتون.. كانت تمتد إلى مسافات بعيدة.. وأصبحت تعرف باسم شارع ترعة الجبل.. النابع من شارع الخليج المصرى وبورسعيد.
حلمية الزيتون التى تحمل اسم الخديوى عباس حلمى الثانى.. تميزت بمجموعة من القصور.. ترتبط بشكل أو آخر.. بترعة الجبل، ربما أشهرها قصر الأمير يوسف كمال الذى يعتبر متحفاً متنوعاً وقد أصبح مقراً لمعهد ومركز بحوث الصحراء.. ويطل على مزرعة للنعام.. تحولت الآن إلى منطقة سكنية مليئة بالعمارات والأبراج.. وأيضاً قصر الأمير وحيد الدين.
وشاء القدر أن تكون شقتنا الجديدة فى شارع البشرى الذى يحمل اسم الشيخ عبدالعزيز البشرى الأديب والمفكر المعروف.. وأمام منزلنا الذى يملكه أستاذ بالتعليم.. تقع فيلا الراحل د. محمد كامل حسين رائد جراحة العظام وصاحب العمل الأدبى الخالد «قرية ظالمة» وتعتبر أول فيلا حديثة بالمنطقة.. كان يبهرنا حمام السباحة بداخلها.. والجراج الذى يفتح بالكهرباء.. فيلا البشرى تحولت أرضها إلى مدرسة وإدارة تعليمية.. وتميز الشارع المتقاطع.. ويدعى الكمال.. الزاخر.. بمنازل عائلة البشرى والشريعى.. ثم مفتى فلسطين الأسبق الشيخ أمين الحسين.. وبجواره الأديب الكبير والخبير التعليمى محمد فريد أبو حديد.. صاحب كتاب «أنا الشعب».. وأدين له بالفضل الكبير.. وساندنى فى بناء مستقبلى الصحفى بكل ود ونبل كريم.
وإذا ما خرجنا من الدائرة المحيطة بمنزلنا.. نجد فيلا الإمام محمد عبده على أطراف عين شمس.. التى تحولت أيضاً إلى مدرسة للتعليم الأساسى.. والشيخ محمد بخيت المفتى الأسبق والمسجد والمستشفى اللذان يحملان اسمه.. بالإضافة إلى العالم الجليل د. المسير والشيخ دراز وأعتقد أن وجهاء حلمية الزيتون ومبدعيها.. يحتاجون إلى باحث متفرغ لإصدار مجلد يقدمهم للأجيال.. وفى كل الأحوال ورغم هجوم العمارات والأبراج.. فإن مقام هؤلاء محفوظ وموضع التقدير.. فقد تحولت بيوتهم إلى مدارس ومعاهد تؤدى رسالة التنوير.. ناهيك عن البعض الذى اختار المجال الاجتماعى مثل المرحوم محمد سالم سالم الذى تبرع بفيلته مقراً لجمعية أم كلثوم المجتمعية.. نعم ودائماً عطر الأصالة يتجدد ولا يزول.