ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

مقدمة: حكاية مطبخين ومصيرين

تخيّل رائحتين... الأولى، عبق الزعفران والهيل العتيق يملأ الهواء الدافئ في سوقٍ هادئ بالشارقة، برائحةٌ منسوجة من حكمة الجدات وأحلام سيدة تُدعى "أم سعيد".......والثانية، أزيز الزيت الساخن وهو يحتضن أقراص الفلافل الذهبية في زقاق قاهري لا يهدأ، رائحةٌ مشبعة بكفاح أرملة وطموح ابنتيها، فاطمة وليلى. 

من هذين المطبخين، انطلق حلمان متطابقان في جوهرهما: لبناء مستقبل كريم من خلال حرفة يتقنها أصحابها. 

لكن هنا، في نقطة الانطلاق ذاتها، يفترق الطريقان بشكل درامي.   

ففي الشارقة، كان الحلم يقف على حافة اليأس أمام رسم ترخيص بدا كبيراً، قبل أن تأتي همسة حكمة من مذياع صغير، وتحول الجبل إلى حبة رمل، وتختزل كل التعقيدات في "درهم واحد". درهم لم يكن مجرد عملة، بل كان إعلاناً بأن الدولة شريك في الحلم لا حارسٌ عليه. 

أما في القاهرة، فقد تحول الحلم، الذي حمل اسم "بنت البلد"، إلى رحلة محفوفة بالمخاطر في متاهة من القوانين المتناقضة والأوراق التي لا تنتهي، حيث كل باب يُطرق يفتح على عشرة أبواب مغلقة، وحيث الطموح يصطدم بجدار من الشك البيروقراطي.   

هذه ليست مجرد مقارنة بين مدينتين، بل هي رحلة روائية في قلب فلسفتين للحكم. 

قصة تكشف كيف يمكن لقرار سيادي بسيط أن يطلق العنان للطاقة الإنسانية، وكيف يمكن لشبكة من التعقيدات أن تخنقها في مهدها. 

سنبحر معاً في حكاية "أم سعيد" لنرى كيف بنت "الدولة المُمكِّنة" جسراً من الثقة بدرهم واحد، ثم نغوص في كفاح أسرة "فاطمة" لنفهم كيف بنت "الدولة الحارسة" قلعة منيعة من القوانين.

 إنها قصة عن مصائر يكتبها القانون، وعن السؤال الأهم: 

هل الدولة منصة انطلاق للأحلام، أم هي الحلم المؤجل ذاته؟ 

وفي روايتنا تلك سوف نأخذكم في قصة عنوانها الحقيقي ينطلق من حقيقة مقولتنا التي دائما ما نرددها من عمق رحلة زمن خبرتنا:

"مَن أرادَ أن يَعرفَ قَدرَ أُمّةٍ، رِفعَةً أو وَضَعَةً، فَليَنظُر في صَحائِفِ تَشريعِها؛ فَهيَ المِرآةُ التي إمّا أن تَكشِفَ عَن وَجهِ نَهضَتِها، أو تَفضَحَ سِرَّ عَثرَتِها."

وهنا أدعوكم معي لرحلة قصتنا التي أضعها وأنتم معي بين يدي صانعي السياسات والتشريعات من خلال سردية حكاية مطبخين ومصيرين، ولنري معا سردية الفصل الأول الذي توج بما نسميه قانون درهم الرحمة.

الفصل الأول: حكمة اللؤلؤ - وهندسة الدولة المُمكِّنة:

تبدأ قصتنا في سوق الجمعة بمليحة، حيث تنسج الشمس خيوطها الذهبية الأخيرة على الرمال. خلف طاولة خشبية بسيطة،في إمارة شارقة الخير، تجلس "أم سعيد" وتحمل في يديها حكمة السنين ورائحة البهارات التي ورثتها عن جدتها. 

كانت أكياس الزعفران والهيل مرصوصة بعناية، كل كيس يحمل وعداً برزق، وحلماً بكيان يحمل اسم "بهارات أم سعيد". لكن بين الحلم والواقع، كان يقف جبل من الأرقام: 1200 درهم لإصدار رخصة "اعتماد" المنزلية، وألف درهم لتجديدها سنوياً. 

كان هذا المبلغ، البسيط في ميزانية دولة، هو "الفاصل الدرامي" بين كون أم سعيد بائعة هاوية تعمل في الظل، وكونها رائدة أعمال معترف بها، تحظى بالكرامة والحماية القانونية والتدريب والدعم.   

  1. نقطة التحول – في "درهم الرحمة"

في تلك اللحظة، لم يكن الهواء يحمل رائحة القهوة العربية فحسب، بل حمل همسة حكمة خرجت من مذياع صغير. صوت يحمل ثقل القرار وحكمة القائد الأب: توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بتحديد الرسوم السنوية لأصحاب الرخص المنزلية في سوق الجمعة والمحال المجاورة في مليحة بـ "درهم واحد فقط". 

لم يكن هذا مجرد قرار اقتصادي، بل كان "تشريع رحمة" و"لمسة أب حكيم" يدرك أن كرامة شعبه لا تُقدّر بثمن، وأن الاستثمار الحقيقي هو في تمكين الإنسان.

 في تلك اللحظة، تحولت دمعة أم سعيد من قلق إلى فرح، ومن خوف إلى يقين، ومن حياة بسيطة إلى أمل في مشروع يكبر يوماً بعد يوم.   

  1. تفكيك نموذج "الدولة المُمكِّنة"

إن قرار الدرهم الواحد، وما سبقه من إطلاق رخصة "اعتماد" من دائرة التنمية الاقتصادية في الشارقة (SEDD)، يمثل تحولاً جذرياً من مفهوم "الدولة الحارسة" (Gatekeeper State) التي تضع الحواجز والقيود، إلى مفهوم "الدولة المُمكِّنة" (Enabler State) التي تفتح الأبواب وتذلل الصعاب.

 جوهر هذا النموذج هو إزالة الحواجز المالية والنفسية التي تقف في وجه الطموح.   

  1. الأداة القانونية (رخصة "اعتماد")

صُممت رخصة "اعتماد" لتمنح الشرعية القانونية للأنشطة المنزلية، بما في ذلك تلك التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البيع السحابية. 

هذه الشرعية تضمن الحماية القانونية والفكرية للعلامة التجارية والمنتجات من التقليد، والقدرة على فتح حسابات مصرفية تجارية والبيع السحابي والتعامل مع المؤسسات الكبرى، والاستفادة من برامج الدعم والتدريب، وهي مزايا لم تكن متاحة في "اقتصاد الظل".   

  1. الأداة الإدارية (البساطة والسرعة)

تترجم الشارقة هذه الفلسفة إلى واقع إجرائي.

 ففي حين تتطلب عمليات الترخيص في أماكن أخرى شهوراً وسنوات وتنقلاً بين هيئات متعددة، يتميز نموذج الشارقة بالبساطة القصوى.

 تتم العملية غالباً إلكترونياً بالكامل، ولا تتجاوز خطوات بسيطة قد تستغرق دقائق معدودة.

 كما أن المتطلبات في حدها الأدنى، حيث يتم التركيز على إثبات الهوية والملكية العقارية أو عقد الإيجار، بدلاً من طلب كم هائل من الوثائق. هذه البساطة تضمن عدم وجود "فجوة في التنفيذ" بين السياسة والتطبيق.   

إن قرار "درهم الرحمة" هو درس بليغ في الاقتصاد السلوكي وفن الحكم. فهو يدرك أن الحاجز النفسي لعملية معقدة ورسوم أولية تبدو كبيرة، غالباً ما يكون أكثر ردعاً لأصحاب المشاريع متناهية الصغر من الرسوم نفسها.

لم يكن الحل خصماً بنسبة 50% أو برنامج دعم معقد، بل كان تخفيضاً إلى درهم رمزي واحد لا يساوى اكثر من شربة ماء ، هذا الإجراء ليس مجرد دعم مالي، بل هو "دفعة" قوية تعيد صياغة التفاعل الكامل مع الدولة، وتحوله من محاكمة شاقة إلى دعوة ترحيبية. 

هذا التغيير في التصور يبني رأس مال سياسي وحسن نية هائلين، ويعزز ثقافة ريادة الأعمال من القاعدة إلى القمة، وهو أصل أعظم بكثير من أي إيرادات كان يمكن تحصيلها من الرسوم.   

  1. الأثر المضاعف: العوائد الاقتصادية والاجتماعية لدرهم واحد

عندما تنخفض التكاليف الثابتة (رسوم الترخيص) إلى الصفر تقريباً، يصبح أصحاب المشاريع الصغيرة في وضع أفضل لامتصاص ارتفاع تكاليف المواد الخام دون رفع أسعارهم. 

وبالنسبة لأم سعيد، فإن توفير 1200 درهم سنوياً يعني أنها تستطيع استثمار هذا المبلغ في شراء مواد خام أفضل أو تطوير التغليف والتسويق. 

هذا يخلق "ضغطاً نزولياً" على الأسعار في السوق المحلي. كما أن دخول عدد أكبر من المنتجين إلى السوق (بسبب سهولة الترخيص) يؤدي إلى زيادة المعروض، مما يجعل التنافس على الجودة والسعر هو القاعدة.   

  1. رعاية اجتماعية مستدامة

يجسد القرار مفهوماً جديداً للرعاية الاجتماعية لا يعتمد على الإعانة المباشرة، بل على التمكين الاقتصادي المستدام. فبدلاً من تقديم معونة شهرية، يمنح القرار المواطن فرصة للعمل والإنتاج بكرامة. هذا التحول من "متلقي إعانة" إلى "منتج معترف به" هو جوهر التنمية البشرية. كما أنه يقوي النسيج الاجتماعي، حيث تتحول الأسواق مثل سوق الجمعة إلى "خلايا نحل اقتصادية"، مما يعزز الهوية الثقافية للمكان والروابط الاجتماعية.   

  1. استثمار استراتيجي

من منظور صانع القرار، يمثل هذا المرسوم استثماراً استراتيجياً بعيد المدى. 

فمقابل نقص رمزي في إيرادات الرسوم، تحقق الدولة مكاسب هائلة: دمج اقتصاد الظل في الإطار الرسمي، مما يوسع القاعدة الضريبية مستقبلاً؛ وبناء قاعدة اقتصادية قوية من المشاريع متناهية الصغر التي هي "جذور" الاقتصاد. 

كل هذا يتماشى مع تصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة المتقدم عالمياً حيث احتلت المرتبة الأولى عالمياً : في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال (GEM) 2024-2025، وذلك للعام الرابع على التوالي. 

هذا يجعلها أفضل مكان في العالم لبدء وممارسة الأعمال التجارية.

والمرتبة 16 عالمياً: في "مؤشر الدعم الحكومي" ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية (IMD) لعام 2025.

ولنتخيل دراما القصة بعد عامين من قرار درهم الرحمة، لم تعد أم سعيد خلف طاولتها الخشبية، بل تدير الآن "كشكاً" أنيقاً يحمل شعارها التجاري، وابنها الشاب يدير صفحتها على "إنستغرام"، وتصل طلباتها إلى كل الإمارات.

 لم يعد الدرهم الواحد مجرد ذكرى، بل أصبح الأساس الفلسفي لنجاحها. لقد أدركت أن الدرهم لم يشترِ لها رخصة، بل اشترى لها مستقبلاً وكرامة واعترافاً من وطنها. والآن، يتطلع ابنها إلى المستقبل، متسائلاً عن خطة السنوات الخمس القادمة، ليجعل من "بهارات أم سعيد" شركة عابرة للحدود، مما يثبت القوة المضاعفة لقرار تمكين واحد، اسميناه نحن قانون درهم الرحمة.   

الفصل الثاني: كفاح "بنت البلد" - أسرة فاطمة في متاهة الدولة الحارسة 

ففي أحد شوارع القاهرة التي لا تهدأ، يُحاك حلم عصري على نار هادئة في مطبخ أم فاطمة. هذا الحلم ليس مجرد عربة طعام، بل هو مشروع متكامل يحمل هوية ورسالة.

 أطلقوا عليه اسم "بنت البلد"، وهو اسم يعكس الأصالة والطموح. 

رؤيتهن لم تكن متواضعة؛ فقد خططن لعربة أنيقة تعمل بألواح الطاقة الشمسية، تجوب المدن الجديدة الواعدة وكمبوندات الرفاه المغلقة، مع زي تراثي مصمم بعناية يجمع بين الأصالة والحداثة.

 هذا المشروع يمثل كفاح أرملة كرست حياتها لابنتيها، وطموح ابنتها فاطمة، خريجة الجامعة التي لم تجد فرصة عمل تليق بشهادتها، وإبداع الأخت الصغرى ليلى خريجة الفنون الجميلة . 

كان المشروع رسالة تحتفي بالهوية المصرية، وتمكين المرأة، ورغبة جيل جديد في المشاركة في بناء "الجمهورية الجديدة".   

الفخ التشريعي - حكاية قانونين

اتخذت الأسرة قراراً مصيرياً بالخروج من دائرة الاقتصاد غير الرسمي المحفوفة بالمخاطر، سعياً وراء الاستقرار والشرعية وفرص النمو. 

بدأت فاطمة رحلة البحث عن المسار القانوني، وبدا أن الطريق واضح وممهد. 

كان قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020 هو أول ما طالعته.

 بدا القانون وكأنه دعوة مفتوحة من الدولة، حيث يقدم نظاماً ضريبياً مبسطاً ودائماً يعتمد على ضريبة قطعية، ويرفع عبئاً كبيراً عن كاهل المشروعات الناشئة. كان هذا القانون يمثل الوعد "الكلي" الذي تقدمه الدولة.   

لكن سرعان ما تبدد هذا التفاؤل. أدركت الأسرة أن فكرة عربة الطعام المتنقلة، التي بدت الأكثر واقعية، لا تخضع لهذا القانون العام المشجع، بل تقع تحت طائلة تشريع آخر أكثر تحديداً وصرامة: القانون رقم 92 لسنة 2018 بشأن تنظيم عمل وحدات الطعام المتنقلة.

 هنا، تكشف "تناقض تشريعي" بالغ الأثر، حيث خلقت الدولة فلسفتين قانونيتين متوازيتين ومتعارضتين. فمن ناحية، هناك قانون يشجع على الدخول في الاقتصاد الرسمي عبر التبسيط، ومن ناحية أخرى، هناك قانون يبدو أن هدفه الأساسي هو السيطرة والتقييد والتحكم في أحد أكثر أشكال المشاريع الصغيرة انتشاراً. هذا التعارض يخلق "فخاً تشريعياً"، حيث يصبح المسار الأكثر جاذبية ومنطقية لرائد الأعمال المبتدئ هو نفسه المسار الأكثر تعقيداً وخطورة.   

  1. سجل زمني للمعاناة البيروقراطية وعقبة رأس المال

جمعت الأسرة كل مدخراتها، وأضافت إليها قرضاً صغيراً من الأقارب. لكن الصدمة الأولى كانت في تكلفة العربة، التي تتراوح بين 90,000 جنيه مصري للمستعملة، وقد تتجاوز 300,000 جنيه للجديدة المجهزة. 

أضافت رؤيتهن الطموحة لاستخدام الطاقة النظيفة عبئاً جديداً، حيث بلغت تكلفة تركيب نظام ألواح شمسية حوالي 18,000 جنيه إضافية. 

هذا الحاجز المالي المرتفع يقف كجدار أول قبل حتى بدء المعاملات الورقية وعليهم ان يجمعوا كل مدخرات حياتهم ويستكملوا بالدين من أقاربهم ومعارفهم ، فهم مازالو في اقتصاد الظل بلا هوية للتعامل مع بنوك لابد ان تضمن قروضها وبارباح تفوق قدرتهما.   

  1. ماراثون الأوراق

وبعد شراء العربة، وجدن أنفسهن يمتلكن حلماً مجمداً على أربع عجلات. بدأت فاطمة رحلة الترخيص التي تحولت إلى ماراثون لا ينتهي بين مختلف الهيئات الحكومية.

 شملت القائمة الطويلة من المتطلبات: مستندات شخصية، وصحيفة حالة جنائية ("فيش وتشبيه ")  لكل من سيعمل على العربة، مما يعكس عقلية بيروقراطية تفترض الإدانة مسبقاً. 

بالإضافة إلى شهادات الخدمة العسكرية والعامة، وشهادات صحية، وترخيص منفصل للمركبة من إدارة المرور. 

وكانت العقبة الأكبر هي الحصول على شهادة من الهيئة القومية لسلامة الغذاء، التي فرضت اشتراطات فنية "صارمة وغامضة" وتعديلات مكلفة على العربة التي اشترينها للتو.   

  1. سجن الموقع يُغتال حلم الفراشة

بعد أشهر من جمع الأختام، اصطدم حلمهن بالجدار الأكثر صلابة: جدار الجغرافيا. في خيالهن، كانت عربة "بنت البلد" فراشة توصيل رشيقة، مستوحاة من تراثنا المصري الأصيل، تتنقل تحت كل بيت، تحمل الخير والدفء . 

بل إن خيالهن حلق أبعد من ذلك، مستلهماً تجارب عالمية ناجحة؛ عربة مزودة بشريحة إلكترونية تظهر موقعها لحظة بلحظة على خرائط التواصل الاجتماعي، فيراها السكان وينزلون إليها بسهولة ويسر. 

كانت رؤية عصرية لخدمة مجتمعية ذكية. 

لكن قانون الواقع كان أقل شِعراً وأكثر قسوة. اكتشفن أنهن لا يملكن الحق في اختيار مكان عملهن، وأن حلم الفراشة المتنقلة سيُسجن في بقعة جغرافية يحددها المحافظ أو رئيس الجهاز المختص. وليس هذا فحسب، بل فرض القانون مسافة قسرية لا تقل عن 200 متر بين كل عربة وأخرى، ليتحول مستقبلهن التجاري إلى ورقة في يانصيب بيروقراطي، جائزته الكبرى هي رحمة موظف. 

وفوق كل هذا، كان عليهن دفع رسم سنوي قد يصل إلى 5,000 جنيه، لم يكن ضريبة على ربح تحقق، بل كان "ثمناً للحصول على إذن بالمحاولة" نحو حياة منتجة في النور وكريمة ؛ رسماً على حلم لم يُسمح له حتى بأن يرفرف بجناحيه.   

  1. سيف العقاب

تكشفت لهن القسوة الحقيقية للقانون في العقوبات المنصوص عليها: الحبس لمدة شهر وغرامة قدرها 20,000 جنيه لمن يبدأ العمل قبل الحصول على الختم الأخير وكأن الحق في العمل والعيش بكرامة جريمة لايمحوها سوى بيروقراطية موظف بنص قانون لا يحقق هدفه التمكيني لأحلام البشر.

 هذا البند يحوّل المخاطرة التجارية الطبيعية إلى مقامرة شخصية مرعبة، يمكن أن تنتهي بفقدان الحرية والمال معاً. إنه السمة النهائية لـ "الدولة الحارسة": السيطرة من خلال الخوف.   

إن القانون رقم 92 لسنة 2018، على الرغم من مظهره المحايد هو قانون ردئ لايصلح لتمكين الناس في جمهورية جديدة بحياة كريمة ، فهو يعمل كآلية غير مقصودة للفرز الاجتماعي والاقتصادي. فهو لم يصمم لمساعدة أسرة مثل أسرة فاطمة، بل تمت هيكلته بطريقة لا يمكن إلا للأفراد الذين يمتلكون رأسمالاً كبيراً، وعلاقات اجتماعية ("واسطة")، وقدرة عالية على تحمل المخاطر البيروقراطية، أن يتجاوزوه بنجاح.

 فإذا نظرنا إلى الأثر التراكمي للمتطلبات - رأس مال تأسيسي مرتفع، وإجراءات ورقية معقدة، ورسوم غير قابلة للاسترداد تُدفع مقدماً حتي لو فشل المشروع ، وعقوبات جنائية قاسية - نجد أن من يستطيع تلبية هذه الشروط ليس أسرة ذات مدخرات محدودة، بل شخص يمتلك وسادة مالية وشبكة علاقات. 

وبالتالي، فإن القانون لا يخلق ساحة لعب متكافئة، بل يضع حاجزاً عالياً أمام الدخول، يصعب على الفئة التي من المفترض أن تمكّنها المشاريع الصغيرة التغلب عليه، مما يعزز عدم المساواة القائم بدلاً من أن يخفف منه.   

الفصل الثالث: مرآة الحوكمة - تحليل مقارن

عند وضع قصتي أم سعيد وفاطمة جنباً إلى جنب، لا نرى مجرد اختلاف في النتائج، بل نرى انعكاساً لفلسفتين متعارضتين في الحكم. هذا الفصل يقدم تحليلاً مقارناً مباشراً يكشف عن الفجوة العميقة بين نموذجي "الدولة المُمكِّنة" و"الدولة الحارسة".

يكمن الاختلاف الأساسي في نقطة الانطلاق الفلسفية.

 فنموذج الشارقة يعمل على أساس "الثقة المبدئية"، حيث الدولة شريك يفترض حسن نية المواطن وحقه في الحياة بكرامة وجودة ورفاه، بينما يبدو أن النموذج المصري يعمل على أساس "الشك المبدئي"، حيث الدولة منظم ومراقب. 

وتتجلى هذه الفلسفة في الأدوات القانونية، ففي الشارقة نجد "درهم الرحمة" ورخصة "اعتماد" كأداة للتمكين، 

وفي القاهرة نجد القانون رقم 92 لسنة 2018 كأداة للتقييد. 

وتنعكس هذه الهوة في تكلفة الدخول الرسمي، التي لا تتجاوز درهماً رمزياً في الشارقة، بينما تصل إلى آلاف الجنيهات كرسوم وتكاليف رأسمالية باهظة في القاهرة. 

أما الإجراءات، فهي بسيطة ورقمية ومركزية في الشارقة، تُنجز في دقائق معدودة، مقابل عملية معقدة ومادية ومتعددة الهيئات في القاهرة تستغرق شهوراً. 

ويكتفي نموذج الشارقة بالحد الأدنى من المتطلبات كإثبات الهوية، بينما يتطلب النموذج المصري سجلاً واسعاً من الوثائق الجنائية والصحية والعسكرية. 

كما يختلف النموذجان جذرياً في إدارة المخاطر، فبينما يركز نموذج الشارقة على توفير الحماية القانونية بمخاطر منخفضة، يفرض النموذج المصري مخاطر عالية وعقوبات قاسية تشمل الحبس والغرامات. 

ويمنح النموذج المُمكِّن رائد الأعمال وكالة كاملة على مشروعه، بينما يحد النموذج الحارس من هذه الوكالة، كما في تحديد الموقع من قبل المسؤولين. 

وبالتالي، تكون النتيجة النهائية هي المقياس الأوضح، حيث يجذب نموذج الشارقة رواد الأعمال إلى الاقتصاد الرسمي ويعزز النمو والكرامة، بينما يدفع نموذج القاهرة رواد الأعمال إلى الاقتصاد غير الرسمي أو خارج السوق، مما يخنق الابتكار ويخلق الإحباط.

الفصل الرابع: دروس من العالم - وأدوات لتحقيق الرخاء

إن نجاح الشارقة ليس ظاهرة معزولة، بل هو جزء من نمط عالمي من استراتيجيات التمكين الناجحة. هذا الفصل يوسع المنظور ليشمل تجارب دولية رائدة، ويقدم مجموعة من الأدوات التي يمكن لواضعي السياسات استخدامها لبناء اقتصاد أكثر شمولاً وازدهاراً. 

كل نموذج يقدم أداة مختلفة، ويمكن دمجها لخلق استراتيجية متكاملة.

  1. النموذج التركي (KOSGEB) - الدولة كحاضنة أعمال

يكشف النموذج التركي، المتمثل في هيئة دعم وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة (KOSGEB)، عن فلسفة "الحاضنة" التي ترى في رواد الأعمال أصولاً يجب تنميتها.

 فبدلاً من التركيز على التنظيم والرقابة، تركز تركيا على بناء القدرات وإزالة المخاطر.   

  • بناء رأس المال البشري أولاً: قبل التقدم بطلب للحصول على أي دعم، يجب على رائد الأعمال إكمال دورة تدريبية مجانية وإلزامية تقدمها KOSGEB. 
  • هذه الخطوة تبني المهارات الأساسية في إدارة الأعمال والتسويق والتمويل، وتقلل بشكل كبير من معدلات فشل المشاريع.   
  • إزالة مخاطر المغامرة المالية: تتدخل الدولة بشكل مباشر لإزالة العبء المالي الأولي. تقدم KOSGEB منحاً غير قابلة للاسترداد ("Hibe") تغطي جزءاً كبيراً من تكاليف التأسيس، بالإضافة إلى قروض بدون فوائد، حيث تتكفل الدولة بتغطية تكلفتها، مما يمنح المشروع فرصة أكبر للنمو في سنواته الأولى.   
  • الدعم المستمر: لا ينتهي دور KOSGEB بمجرد انطلاق المشروع، بل تستمر في تقديم خدمات استشارية، ودعم لمشاريع البحث والتطوير، والمساعدة في الوصول إلى الأسواق الدولية، مما يجعل الدولة شريكاً تنموياً حقيقياً.   
  1. النموذج الصيني - قوة الحجم الكبير

تتعامل الصين مع المشاريع الصغيرة ليس كقضية اجتماعية فحسب، بل كركيزة للاقتصاد القومي والأمن الاقتصادي.

 استراتيجيتها تقوم على التمكين الضخم لتحقيق أهداف استراتيجية واسعة.   

  • الإعفاءات الضريبية كاستراتيجية وطنية: تطبق الصين سياسات جريئة من الإعفاءات والتخفيضات الضريبية الضخمة على الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر. 
  • الهدف ليس التنازل عن الإيرادات، بل توسيع القاعدة الإنتاجية المحلية، وخلق فرص عمل، وبناء اقتصاد مرن قادر على الصمود في وجه الضغوط الخارجية.   
  • رسوم تسجيل رمزية للتشجيع على الانضمام: تشير التقارير إلى أن رسوم تسجيل الأعمال الفردية قد لا تتجاوز 20 يواناً (ما يعادل بضعة دراهم). 
  • هذا السعر الرمزي يهدف إلى تشجيع الملايين على التسجيل القانوني، ودمجهم في النظام الاقتصادي الرسمي، وتوسيع القاعدة الضريبية في المستقبل.   
  1. النموذج الهندي (India Stack) - قوة البنية التحتية الرقمية العامة (DPI)

يقدم النموذج الهندي الحل الأكثر تطوراً واستدامة، حيث لا يركز على خدمة واحدة، بل على بناء "قضبان" رقمية عامة ومفتوحة يتحرك عليها الاقتصاد بأكمله. 

هذه البنية التحتية تجعل التمكين ميزة مدمجة في النظام نفسه.   

  • طبقة الهوية (Aadhaar): نظام هوية رقمي بيومتري موحد يحل مشكلة إثبات الهوية بشكل فوري ومنخفض التكلفة، مما فتح أبواب الخدمات المصرفية والحكومية لمئات الملايين.   
  • طبقة المدفوعات (UPI): نظام مدفوعات فوري ومفتوح خفض تكلفة المعاملات الرقمية إلى ما يقرب من الصفر، وأدى إلى انفجار في الاقتصاد الرقمي.   
  • طبقة البيانات (DEPA): إطار لمشاركة البيانات قائم على موافقة المستخدم، يمنح الأفراد السيطرة على بياناتهم (مثل كشوفاتهم المصرفية) ومشاركتها بأمان للحصول على ائتمان دون معاملات ورقية معقدة.   
  • طبقة التجارة (ONDC): شبكة مفتوحة للتجارة الرقمية تفكك نموذج المنصات الاحتكارية، وتسمح لأي تاجر صغير بعرض بضاعته وبيعها لأي عميل عبر أي تطبيق متوافق، مما يدعم ديمقراطية الوصول إلى الأسواق.   

تكشف هذه النماذج الدولية عن تطور حاسم في الفكر الحكومي.

 فالنموذج الإماراتي يتقن فن إزالة الحواجز.

 والنموذج التركي يضيف طبقة من الحضانة النشطة وإزالة المخاطر.

 والنموذج الصيني يوضح قوة تطبيق هذه المبادئ على نطاق وطني هائل.

 أما النموذج الهندي، فيمثل الجيل التالي: جعل التمكين ميزة غير مرئية وشاملة في النظام الرقمي نفسه. 

لا يتعين على أي دولة أن تختار نموذجاً واحداً، بل يمكنها أن تتعلم من جميع هذه التجارب لخلق استراتيجية هجينة تتناسب مع ظروفها الخاصة ولكنها غير مخولة للإبقاء على تشريعات انتهت صلاحيتها، معوقة للتمكين والتنمية والعيش في حياة كريمة.

مخطط لنهضة مصرية

في قرب نهاية رحلتنا السردية ، تتجمع خيوط الحكمة. 

نعود إلى قصتي أم سعيد وفاطمة، اللتين تجسدان حقيقة بسيطة: إن أعظم مورد غير مستغل في مصر هو الطاقة الريادية لشعبها، وهي طاقة يتم قمعها حالياً، عن غير قصد، بفعل أنظمتها القانونية الخاصة التي انتهت صلاحيتها . 

إن التحدي الأكبر ليس في صياغة الرؤى، بل في بناء الجسر الذي يعبر الهوة السحيقة بين الطموح والواقع.

نداء مباشر لصناع القرار: أجندة "بنت البلد" للإصلاح

وعلى لسان حلم فاطمة واسرتها نتوجه بهذا النداء إلى المشرعين والجهات التنفيذية في مصر، ليس من منطلق النقد، بل من منطلق الشراكة في بناء الوطن وجمهوريتنا الجديدة. 

نقدم "أجندة بنت البلد للإصلاح"، وهي مجموعة من التوصيات العملية والمستوحاة من أنجح النماذج العالمية، والتي تهدف إلى بناء "الجمهورية الجديدة" من قاعدتها الشعبية.

توصيات عملية (الحزمة المصرية "Egyptian Stack"):

  1. التوحيد التشريعي (درس الشارقة):
    • الإجراء: الإلغاء الفوري للقانون رقم 92 لسنة 2018، ودمج جميع المشاريع متناهية الصغر، بما في ذلك وحدات الطعام المتنقلة، ضمن إطار نسخة معدلة ومبسطة وممكّنة حقاً من قانون تنمية المشروعات الصغيرة رقم 152 لسنة 2020 بعد إعادة بناء هندسة عمارته لتصلح لفكر حياة كريمة .
    • الهدف: يجب أن يكون هناك قانون ومسار واحد وواضح لجميع المشاريع متناهية الصغر. يجب اعتماد رسوم تسجيل رمزية ونقطة تسجيل واحدة، مع مبدأ "خذوا من الأرباح، ولا تأخذوا من أصل رأس المال". 
    • وادعموا المشروعات بخفض او الاعفاء الضريبي لإتاحة الفرصة لتحويل المشروعات من متناهية الصغر الي شركات كبري عابرة للحدود بعطاء انتاجها وجودته. 
  2. الإصلاح المؤسسي (درس تركيا):
    • الإجراء: تحويل جهاز تنمية المشروعات (MSMEDA) من كيان يركز بشكل أساسي على القروض، إلى "هيئة للحضانة والتمكين" على غرار KOSGEB التركية.
    • الهدف: يجب أن تكون مهمتها الأساسية توفير التدريب الإلزامي والمجاني قبل الإطلاق لضمان تقنين المهن والنجاح ، وتقديم منح تأسيسية غير قابلة للاسترداد، وقروض ميسرة، وتوفير الخبرة والدعم المستمر. 
    • يجب أن تتحول من دور الرقيب إلى دور الحاضنة.
  3. التحول الرقمي (درس الهند):
    • الإجراء: الالتزام ببناء "بنية تحتية رقمية عامة" مصرية حقيقية. يجب إنشاء "شباك واحد" رقمي بالكامل لعملية التسجيل، يدمج جميع الهيئات الحكومية (السجل التجاري، الضرائب، التأمينات، سلامة الغذاء، إلخ).
    • الهدف: يجب أن يتمكن رائد الأعمال من الحصول على ترخيص فوري بكبسة زر. 
    • هذا هو السبيل الوحيد للقضاء بشكل دائم على وحش البيروقراطية وتمكين الملايين.
  4. إعادة التوجيه الفلسفي (الدرس الأساسي):
    • الإجراء: هذه هي التوصية الأكثر أهمية. 
    • يجب أن يحدث تحول جوهري في العقلية. يجب إصلاح دور المفتشين والمراقبين من منفذين للعقوبات إلى مرشدين وداعمين. 

يجب أن تكون محاضرهم الأولى للتوعية والإرشاد والتوجيه وحل المشكلات والتقييم المؤسسي والدعم والتطوير.

  • الهدف: يجب تغيير مقاييس أداء الموظفين الحكوميين من "عدد المخالفات المسجلة" إلى "عدد المشاريع الجديدة التي تم تمكينها بنجاح".
  •  يجب أن تنتقل الفلسفة من "الشك المبدئي" إلى "الثقة المبدئية".

وفي الختام، نعود إلى مطبخ أم فاطمة. فرائحة طعامها ليست مجرد رائحة طعام شهي، بل هي رائحة الإمكانات غير المستغلة لملايين المصريين. 

حلمهن، وأحلام الملايين غيرهن، معلق في الميزان، في انتظار قوانين لا تراهم كمشكلة يجب إدارتها، بل كمحرك لمستقبل أكثر ازدهاراً وكرامة لمصر أم الدنيا .

 من خلال تبني حكمة ورحمة لؤلؤ الشارقة، وقوة الحاضنة التركية، والقدرة التحويلية للمنصات الرقمية الهندية ، فهنا وربما بقانون واحد جيد يزيل البيروقراطية والحواجز المالية يمكن لنهر النيل أن يشق مجراه المهيب الخاص به في القرن الحادي والعشرين، مدفوعاً بأحلام الملايين من أبنائه وبناته، "أولاد وبنات البلد".

تم نسخ الرابط