مع كل موسم انتخابي، يتحول الشارع من مساحة للنقاش السياسي إلى ساحة أصوات.
تتجمع الحشود، ترتفع الهتافات، وتتحول المنافسة من برامج ورؤى إلى سباق في استعراض القوة.
الملفت أن هذا الزخم الكبير لا يأتي دائما بتوجيه من المرشح، بل غالبا هو نتاج انفعالات جماهيرية تتحرك بدافع الحماسة والانتماء، وكأنها قوة مستقلة تملك عقلا خاصا وإيقاعا خاصا.
من منظور علم النفس الاجتماعي، هذه اللحظة تُسمى " تشكل الأنا الجمعية" :
فحين يذوب الفرد داخل صوت الجماعة، تنخفض قدرته على التقييم، ويزداد انفعاله، ويصبح الهتاف ذاته هو الفعل السياسي الأساسي، وهنا يتولد صوتا نفسيا أخر يقول:
" الهتاف يمنحي شعورا بالقوة أكبر من القوة نفسها".
و "الصوت العالي يصنع وهم السيطرة، لا السيطرة ذاتها".
هذا الوهم لا يصيب الجمهور فقط؛ بل يمتد إلى المرشح نفسه.
فالمرشح الذي يقف أمام آلاف الأصوات المتحمسة يتعرض لحالة تسمى نفسيا" الضغط النفسي الصاعد" ضغط لا يأتي من السلطة أو المنافسين، بل من الجماهير التي ترفع سقف الانتظار وتطالبه بمواقف أعلى مما كان ينوي.
هذا الضغط قد يدفعه، دون قصد، إلى ردود انفعالية، أو وعود أكبر من قدراته، أو مواقف حادة يُحاسب عليها لاحقا.
وفي لحظات الاندفاع الجماهيري، تتحول الحشود من داعم للحملة إلى قوة موازية تقودها.
هي التي تصعد الهجوم على المرشحين الآخرين، وهي التي تخلق “خصوما” لإبقاء الحماسة مشتعلة، وهي التي تدفع المشهد نحو معارك جانبية لا علاقة لها بالقضية الأساسية.
■ وهكذا يختفي السؤال الأهم في الضجيج:
لماذا ننتخب هذا الشخص أصلا؟
فالانتخابات لا يمكن اختزالها فقط في الحشود، بل منافسة في الرؤية.
وليست سباقا في من يهتف له الناس أكثر، بل في من يستطيع أن:
■ يمثل الناس بصدق
■يشرع بوعي
■يراقب السلطة
■ ويدافع عن مصالح دائرته ويتواجد معهم، ويكون صوت معبر عنهم تحت قبة البرلمان
لكن عندما تسيطر حالة الهتاف، يتحول الناخب من "صاحب حق" إلى " مشجع"، ويتحول المرشح من "صاحب مشروع" إلى" نجم لحظة". وينزلق المشهد السياسي إلى مساحة من التضخيم اللحظي، حيث القوة صوت، لا برنامج، والتأثير انفعال، لا موقف.
إن المشكلة ليست في وجود الحشود، بل في تحولها إلى عقل يحرك المرشح بدلا من أن يتحرك خلف مشروعه.
وعندما يصبح الهتاف معيارا للقوة، تضيع السياسة، وتصير العملية الانتخابية أسيرة وهم جماعي اسمه “ وهم السيطرة”.
وحتى لا تبتلع الحشود الهدف الحقيقي من الانتخابات، لا بد من تذكير الجميع — الناخبين والمرشحين — بأن السياسة ليست ساحة صراخ، بل آلية بناء، وأن الصوت الذي يغير مستقبل دائرة كاملة ليس أعلى الأصوات، بل أوعاها.