ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

منذ وقت مبكر اهتممت بشكل كبير بعلم النفس الجنائي
ربما جذبني إلى ذلك مادة علم الإجرام والعقاب التى كان يدرسها لنا الدكتور زكى أبو عامر بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية. 
وقتها ارتبط في ذهني أن الإنسان هو أعقد تركيية في مخلوقات الله على الأرض وأن ما نحسبه عفويًا من تصرفاته ليس كذلك بالمرة بل له جذور ممتدة إلى أعمق قاع لديه.

من كان يتخيل أن الكلمة والحركة والسلوك لها صدى في كيان الإنسان حتى يمكن أن نقول معه أن كل ما يصدر عنَّا هو في الحقيقة مردود لما دونه اللاشعور واحتفظ به بدار محفوظات الإنسان.

في تحقيقات النيابة العامة يمكنك أن تجد مخزونًا هائلًا من اللاشعور يظهر على شكل أقوال أو اعترافات أو حتى عبارات تتساقط من الأفواة عن طريق تداعى المعاني المطلق وحينما يترك المحقق خيوط اللاشعور تمتد إلى الحاضر فتقدم له حقائق مذهلة عن أهمية العقل الباطن وعظم دوره وتأثيره في حاضر الإنسان.

ولقد اهتديت منذ زمن مبكر إلى أنه ليس من المقبول أبدًا أن تتوقف معارفنا وملاحظاتنا عند طبقة الشعور ثم نستمد قراراتنا وأحكامنا منها ونحسب أننا بذلك قد أمسكنا بخيوط الحقيقة ثم نتصرف على أساس هذا المفهوم الخاطئ بينما تكون الحقيقة مخبأة فى قاع سحيق وكان بإمكاننا أن نستدعيها إلى السطح عن طريق تداعي المعانى لكننا لا نفعل لأننا فى الحقيقة نجهل.

من أجل ذلك كانت العلوم المساعدة للقانون الجنائى لا تقل أهمية عنه بل هي تشكل وحدة واحدة دون الاعتداد بمن يكون رئيسيًا منها ومن يكون مساعدًا.

ولقد توصل العلامة 
"سيجمند فرويد" ومنذ مطلع القرن العشرين وعن طريق عمليات التحليل النفسي إلى "خلود ذكريات الماضى وإمكان تعقب آثارها بإسلوب التداعى المطلق 
Free association method 
وايقاظها من سباتها العميق وإحياء وقائعها المكبوتة مرة أخرى في منطقة الوعى والشعور"

وعلى هذا الأساس فإننا يمكننا أن نقول وبكل أريحية أن عند كل انسان "مستودع عظيم"
يحتوى على جميع ذكرياته وخواطره ووجدانياته الماضية وهو اللاشعور"

ومن ثم فإن حياتنا العقلية تتضمن حالتين:
الأولى: شعورية وتشمل خواطرنا وذكرياتنا الحاضرة التي نشعر بها ونعبر عنها فى اللحظة الحاضرة بانفعالات مردودها هو الشعور ذاته دون أن يكون لها أصل فى مستودع أسرارنا.
والثانية: لا شعورية تشمل خواطرنا وذكرياتنا المحفوظة فى مستودع الذاكرة.

ولأننا نتحدث عن اللاشعور تقديرًا لمدى أهميته بالنسبة للإنسان ولكونه هو الذى يتحكم في النسبة الأعظم من شعوره فيجدر بنا أن نتحدث عن مراتب اللاشعور ببعض التفصيل.

مراتب اللاشعور

يقسم علماء النفس مراتب اللاشعور (حسبما جاء فى مؤلف المستشار محمد بك فتحى رئيس محكمة استئناف مصر طبعة ١٩٤٣)
إلى ثلاث هى كالتالي
الأولى: ذاكرة تختص بالخواطر والأفكار التي فى وسعنا استحضارها وتذكرها كلما أردنا أو شئنا.
وتسمى هذه بما قبل الشعور
Preconscious.

الثانية: ذاكرة تختص بالأفكار والخواطر التي ليس فى مقدورنا إيقاظها بمجرد الرغبة والارادة ولكن إيقاظها متوقف على تأثير عوامل خارجية من شأنها تنبيه الذكريات المنسية عن طريق التداعي
وهذه تسمى 
الذاكرة الراكدة أو السلبية ولقبت بما تحت الشعور
Subconscious

الثالثة: الذاكرة المكبوتة ولقبت باللاشعور بمعناه الأخص 
Unconscious

وهذه تشمل القسط الأعظم من ذكريات الطفولة وبالأخص منها ما يتعلق بالميول المحرمة والنزعات الغريزية التى تصطدم بالتقاليد الاجتماعية والآداب العامة والتعاليم الدينية والتي ليس بمقدورنا ولا فى مقدور المنبهات أو عوامل البيئة الخارجية إحياءها من جديد ويلحق بها الذكريات المتصلة بما انتابنا من كوارث أو فاجعات أحدثت بالنفس صدمات عنيفة فلم تعد نقوى على توجيه انتباهنا اليها فارتدت إلى جوف اللاشعور وتحصنت خلف حواجز متينة من قوة الكبت والنسيان.

ولكن رغم ذلك فهذه المرتبة الثالثة والتي تسمى باللاشعور بوصفه الدقيق وإن تحصنت خلف حواجز متينة من قوة الكبت والنسيان كما قلنا إلا أنها لم تتبخر من دواخلنا ولم تتلاش خلف حواجزنا وإنما هى باقية متحفزة من وراء حجب ولا سبيل لإقاظها أو تنبيهها إلا فى حالات شاذة كحلم أو نوبة مرض أو عن طريق التنويم المغناطيسي أو التحليل النفسي.

ومن هذا التحليل النفسى أنقل لكم بعض الواقعات لكى تقترب الصورة أكثر رغم أنها صورة مخيفة وربما أيضًا بشعة لكنها قادمة على أية حال من مستودع الإنسان.

الأولى:

فى إحدى قضايا الدعارة التي حققتها وكنت وكيل نيابة المنتزة بشرق الإسكندرية، سألت المتهمة عن التهمة المنسوبة إليها وهو سؤال تقليدي لكن ما تلقيته من إجابة لم يكن كذلك بالمرة.
قالت: أنها لا تمارس الدعارة من أجل المال ولا من أجل شئ آخر وإنما هى مريضة نفسيًا ، ولما تركتها تسترسل في حديثها أفصحت لى عن أشياء قادمة من مستودع سرها وهى أنها عندما كانت طفلة تعرضت لتعدى جنسى من زوج شقيتها عن طريق ممارسة شاذة ولم تستطع حينئذ أن تشكو أو تتكلم واختبئ ذلك فى اللاشعور وعندما كبرت كبر معها هذا الذى غرسه هذا الاعتداء فى نفسها وارتبط فى عقلها الباطن أن الممارسة الجنسية هى أن تؤتى الأنثى حيث تم التعدى عليها قسراً فى المرة الأولى.
هذا الذى أفصحت عنه الفتاة لم يكن ليقفز إلى مرتبة ما قبل الشعور التى أشرنا إليها إلا بهذا المؤثر القوى الذى أبرزه التحليل النفس.

الثانية:

عندما أصبحت رئيس نيابات شرق الإسكندرية الكلية امتدت يدي بحكم عملي إلى أوراق قضية كانت تشكل رأياً عاماً وقتها وذلك لأن المتهم فيها كان قد أنشأ على شبكة الإنترنت موقع لترويج الإلحاد رغم أنه كان يدرس بإحدى الكليات التابعة لجامعة الأزهر وهى كلية الشريعة والقانون ولعل هذه القضية تكون هي الأولى في تاريخ القضاء المصرى التى تُستخدم فيها الشبكة العنكبوتية كأداة للترويج دون الكتب والمنشورات.
قرأت أوراق القضية بعناية فائقة وأقوال المتهم فى التحقيقات تمهيدًا لإعطائها الوصف القانوني الصحيح واكتشفت من خلال عملية التحليل اللفظي التي أجريتها من خلال أقوال المتهم أن هذا المتهم وبشكل كبير قد وقع تحت تأثير تسلط فكرى رهيب أوصله إلى هذه الحالة التي جعلته يصب كل غضبه على الشريعة وكل ما يمت لها من صلة.
هو نفسه يقول ذلك بين ثنايا كلماته.
ربما لو كان قد تناقش أحدهم معه فى طفولته لما شبَّ على ذلك.
لقد اختبئ الكبت والتسلط داخل العقل الباطن لكنه لم ينقض ولم يمح وبرز إلينا في ثورة تمرد هائلة ونحن الذين حسبنا أنها وقائع وانقضت وأنها مجرد ذكريات تبخرت فإذا بها لاصقة بجدران النفس، فقط كانت تنتظر المحفز لكى تصعد مثل مارد مخيف وقد حدث.

الثالثة:

هنا فوق منصة محكمة الجنايات نظرت قضية كان المتهمون فيها خمسة أطفال ومعهم بالغ وكانت وقائعها أن هذا المتهم البالغ يقوم بتصوير وقائع الاعتداء الجنسى على الطفل الضحية من قبل الأطفال الخمس ثم يقوم بابتزاز أهلية الأطفال المجنى عليهم مقابل عدم نشر هذه المقاطع وكان من الضروري أن تنتدب المحكمة وطبقا لقانون الطفل الباحث الاجتماعى من أجل إعداد تقرير عن حالة المتهمين الأطفال وكنت أهتم بهذا التقرير جدًا وأشدد على أنه يجب أن يتم بمنتهى الجدية ليعطى صورة حقيقية للبيئة الاجتماعية التي نشأ بها الطفل وفى هذه القضية تبين أن هؤلاء الأطفال الخمسة الذين كانوا يتناوبون الاعتداء على الضحية هم أيضًا كانوا ضحية اعتداءات سابقة وأن ممارساتهم هذه كان مبعثها الانتقام من أول مجرم قد صنع معهم ذلك وقد تجسد هذا المجرم فى الطفل الضحية.

إنها صورة مخيفة اختبأت في قاع اللاشعور لكنها تبدو أمامنا واقع يصفعنا  وقد شكل دائرة لا متناهية من مأساة تٌصنع خيوطها في العقل الباطن لتقدم لنا في النهاية قطعة نسيج من شوك تدمينا نفسًا وجسدًا.

تسلط اللاشعور.

ربما كان اللاشعور بهذا المعنى وباعتباره مستودع الغرائز والخبرات التي تولدت لدى الفرد من الحوادث التي ألمَّت به مضافًا إليها مظاهر التفكير المكتسبة والموروثة عبر الأجيال إلى الحد الذى أطلق عليه العلامة يونج 
Jung
اللاشعور الجمعى
The Collective Unconscious
ربما كان اللاشعور بهذا المعنى كائنًا متسلطًا ومن ثم يمكن أن يثور التساؤل:
أين نحن من الحاضر وطالما أن كل شىء مخبئ لدينا ينعكس على تصرفاتنا والمسماه بالشعور وكأننا دمية يلهو بها اللاشعور كيفما يشاء ووقتما يريد!

فى الواقع أن الأمر يمكن أن يمر بسلام وطالما أن المختبئ بمستوع أسرارنا مرّ هو الآخر بسلام ولكن الأمر يدق عندما يضربنا اللاشعور بما لا نستطيع معه أن نتعايش مع حاضرنا بسهولة وهنا يحتاج الأمر لعلاج نفسى عن طريق إثارة الحادث الذى انعكس على شعورنا بأن نستدعيه من دار المحفوظات هذه ونخضعه لتحليل نفسي علمى ودقيق للغاية هنا يمكننا أن نتحرر من القيد الذى انعكس على سلوكنا الحاضر والذي يمكن أن يأخذنا إلى أسوأ دائرة يمكن أن يجد الإنسان نفسه بداخلها وهى دائرة الجريمة وهو موضع حديث آخر..!

تم نسخ الرابط