رغم الجوانب المضيئة التي سطع نورها وبدت لنا من بين ثنايا الفعاليات القرآنية المتعددة واضحة جلية كوضوح الشمس في رابعة النهار، من حسن الأداء وتمام الإتقان، وعذوبة الصوت، وبراعة الإخراج وروعة التصوير، ودقة التنظيم، ونشر حالة من التحفيز الإيجابي؛ إلا أن الأمر الملفت للنظر والذي أثار الكثير من الإعجاب والإبهار لدى أهل العلم والأخلاق والتربية، وإن شئت قل لدى عموم الناس، هو الأدب الجم، والتوقير، والفطنة، والفصاحة والبيان، ونقاء الابتسامة، وأناقة المظهر الذي تميز به حفظة القرآن الكريم من المبدعين والموهوبين.
هذه السمات القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن من نشأ في كنف القرآن الكريم حاز جل أوجه الجلال واتسم بجميل الصفات والخلال، وكان حسن الخلق بهي الطلة كريم الخصال.
هذه الخصال الطيبة تمثل مصدراً للإشعاع والإلهام ودلالة آكدة ودامغة أن من أراد أن يمتلك ناصية اللغة، ويتمكن من ضبط كلماته، وتنميق مصطلحاته، والغوص في بحر الإلقاء المتميز والحديث العذب، وصون اللسان من شطحاته، وانتقاء الكلمات والعبارات بمهارة فائقة لتخترف جدارات العقل وتستقر في القلب مغلفة بالإخلاص والتواضع الذي هو أقصر الطرق لمحبة الخلق، عليه أن يسير في ركاب القرآن، وأن يتعايش مع آياته، ويخرج من ظلمات القلب وغفواته.
هذه النفحات المباركة تؤكد أن السائر على درب القرآن سيكون من أهل التفوق والتميز والإبداع، وأن كتاب الله خير معين لمن سار في طريق العلم الشرعي والدنيوي، ومن عقد العزم واستحضر النية أن يكون لبنة من لبنات العيش السوي.
هذه الصورة المشرقة تنشر حالة من البهجة والفرحة والسعادة الغامرة والراحة النفسية، والفخر والاعتزاز بهذه النماذج الواعدة، وتحيي الآمال لدى الجميع بمستقبل واعد مشرق لمن يجمع بين الإبداع والتميز وحسن الخلق، وتعد أنموذجاً يحتذى في حسن الخلق والتربية السليمة القائمة على نهج قويم.
لابد أن تدرك كل أسرة أن تربية الأبناء على مائدة القرآن فيها من الخير الكثير، وأن هذه التنشئة النورانية تعزز ثقة الأولاد بأنفسهم، وتقوي ذائقتهم اللغوية، وتكسبهم الفصاحة والبيان، وتنمي لديهم القدرة على الحفظ والاستذكار، وتبث داخلهم الطمأنينة والراحة النفسية، وتؤهلهم للوقوف أمام الجمهور بمهارة واقتدار بعيداً عن الخوف والقلق والتوتر والعزلة عن الأنشطة المجتمعية، وتدعم داخلهم الأدب الرباني والسمو الخلقي.
هذه النماذج الواعدة تدعونا جميعاً لأن نسير في رحاب القرآن، وأن نقتطف من بساتينه الأزهار والرياحين، وألا ننقطع عن تلاوته في أي وقت وفي أي حين، وأن نتيقن أنه خير زاد للمبدعين والحالمين والطامحين.
هكذا يكون خلق أهل القرآن، وهذا دأب من تحلى بأخلاقه واكتسى حلل المهابة والوقار، امتثالاً لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن.
إن تسليط الضوء الإعلامي على هذه النماذج جعل تأثيرها الإيجابي أكثر امتداداً وأجدى نفعاً وأعظم وقعاً على النفوس، ليقوم الإعلام الحقيقي بدوره في غرس القيم الإنسانية التي هي مناط التقدم وبناء مجتمع رشيد، ونشر حالة من الوعي الإيجابي.
لننتهز هذه الفرصة السانحة ونجعل القرآن منارة لحياتنا وسبيلاً لرفعة مجتمعاتنا، وطريقاً قويماً لتحقيق أهدافنا وطموحاتنا، ونهجاً سليماً لكل أمورنا.
