ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هل صرنا نعيش زمنًا يرتفع فيه صوت الصورة على صوت الحقيقة؟ زمنًا يُقاس فيه الإنسان بما يبدو لا بما يحمل، وبما يَظهر لا بما يفكر؟ كيف استطاع البريق الخارجي أن يخدع العيون ويغطي فراغًا هائلًا قد يسكن خلفه؟ وكيف تحولت حياتنا شيئًا فشيئًا إلى خشبة مسرح، يؤدي عليها الجميع أدوارًا متقنة من الخارج، بينما الجوهر يختفي، يضعف، وربما يموت بصمت؟! 

صار هوس "المظاهر" في مجتمعنا أشبه بقطار سريع لامع يمر أمام الجميع، يخطف الأبصار ويثير الانبهار، لكنه لا يسمح لأحد أن يرى ما يجري داخله. 

صور مذهلة، ابتسامات مصاغة بعناية، حفلات منمقة، ونجاحات مقدمة كما تُقدّم الإعلانات، بينما الحقيقة تبقى هناك في الظل، لا يراها أحد، ولا يبدو أن أحدًا يريد أن يراها. هكذا تحوّل الإنسان إلى صورة محسوبة، لا إلى حياة تُعاش.

حتى العلاقات الإنسانية لم تسلم من هذا المد.

 صارت الأسئلة حول شريك الحياة تدور حول المهنة والسكن والسيارة والوجاهة، وكأن القلب آخر ما يُسأل عنه. قليلون فقط يسألون: من هو هذا الإنسان؟ كيف يفكر؟ هل يحمل حكمة ورحمة؟ هل يصلح أن يكون سندًا ولحظة أمان؟ أصبح الزواج ديكورًا يُبنى أولاً، ثم تُترك المشاعر لتجد لنفسها مكانًا بين قطع الأثاث. 

وقد وصلت الأمور إلى مأساة أليمة، حين قتل زوج زوجته في الصباحية بعد اكتشافه عدم بكارتها، وأصبحت قضية الزواج في بعض الحالات تراوح بين الشكلية القصوى والضرر الجسدي والنفسي. كما تنتشر ظاهرة زواج القاصرات، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر بالقوانين؛ يقترح تغليظ العقوبة على ولي الزوجة الذي وافق على العقد العرفي كنوع من الردع والحد من هذه الممارسات، لأن الضرر لا يطال الفتاة فقط بل المجتمع بأكمله.

وانسحب هذا المنطق إلى مفهوم القدوة.

 رحيل عالم كبير أو مفكر عظيم يمر في صمت يحاكي صمت المكتبات. لا ضجة، لا صراخ، لا احتفال بالإنجازات العميقة. بينما إذا رحل لاعب أو مغنٍ أو...، امتلأت الدنيا حزنًا وضجيجًا، وكأن إرثًا حضاريًا قد سقط! صار المشهد أهم من القيمة، والصوت الأعلى أكثر حضورًا من الفكرة الأعمق. وهكذا تراجع الفكر خطوة بعد أخرى، وتقدّم الضجيج ليتبوأ المسرح كله.

ومع هذا الانحدار، امتدت الأزمة إلى أعظم ما ينهض به مستقبل الأمم: التعليم.

 لم يعد التعليم رسالة تحمل نورًا، بل أصبح واجبًا يوميًا يُؤدَّى كما يُؤدى الروتين.

 أوراق تُملأ، محاضرات تُلقى، امتحانات تُحفظ ثم تُنسى، وشهادات تُمنح دون أن تُترجم إلى معرفة أو مهارة.

 مدارس وجامعات تصنع شهادات أكثر مما تصنع عقولًا. 

تضاءل الاهتمام بالبناء الحقيقي، وارتفعت قيمة الدرجات، وانتهى الأمر بأن أصبح التعليم يشبه حركة ساعة لا تتوقف، لكنها لا تضيف لحظة فهم واحدة. 

بل إن الخريج أحيانًا قد لا يعرف أدق تفاصيل تخصصه، كما شهدتُ شخصيًا عندما سألت طالبًا عن اسم المادة التي امتحنها اليوم فصُدمت لعدم علمه، ما يبرز حجم الفراغ في العملية التعليمية. فما الجدوى من تعليم بلا روح؟ بلا معنى؟ بلا أثر؟ ضجيج بلا طحين! 

أمام هذا الزحف الكاسح للشكلية، يفرض السؤال نفسه: كيف نخرج من هذا القيد اللامع الذي يفرضه علينا السطح؟ كيف نستعيد الجوهر في عالم يتزين بالظاهر حتى يخنق الحقيقة؟ تبدأ الإجابة حين نعيد للصدق مكانته، وللعمق احترامه، وللإنسان قيمته من داخله لا من غلافه. حين نعلم أبناءنا أن الجوهر أثمن من المظهر، وأن الزواج شراكة حقيقية قبل أن يكون صورة، وأن القدوة ليست من يملأ الدنيا ضجيجًا، بل من يترك أثرًا في العقول والقلوب.

 وحين نعيد للتعليم روحه، فيصبح مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن يكون مجرد نظام إداري.

يمكن للمجتمع أن يتحرر من أسر الشكل حين يجرؤ على إعادة تعريف النجاح. 

النجاح ليس صورة تلمع على الشاشة، ولا ضجة تصعد على المنصات، ولا إعجابات مؤقتة. النجاح أن تترك أثرًا، أن تصنع قيمة، أن تبني عقلًا أو توقظ ضميرًا، أن تغيّر حياةً أو فكرةً تبقى بعد رحيلك. حين نفعل ذلك، يسقط البريق الزائف، وتتهشم "الأصنام" التي صنعناها من فراغ، وتعود الحقيقة لتقف في مكانها الطبيعي.

مستقبل أي مجتمع لا يقوم على الأضواء، بل على المعنى، ولا تنهض الأمم بالضجيج، بل بالأثر. ولا تتقدم بالشكليات، بل بما تخفيه أعماقها من قيم وأفكار. 

وإذا أردنا أن نصنع غدًا جديدًا، علينا أن نستعيد الإنسان، الإنسان الذي يكون أكثر مما يبدو، ويترك أثرًا حقيقيًا بعد أن يرحل. 

وهذا هو الطريق في زمن اختلطت فيه الأصوات بالصور: أن نتمسك بالجوهر، ونصون الحقيقة، ونختار الإنسان قبل المشهد.. لأن ما يبقى في النهاية ليس الضوء الذي يعمي، بل النور الذي يبصر. 

والله من وراء القصد.

تم نسخ الرابط