ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أبوظبي: مختبر تشريعي يحول الخوف إلى ثقة

هل سبق لك أن استثمرت في شقة على الخارطة؟ إذاً تعرف الشعور: الخوف من التأخيرات، القلق من النزاعات، الخوف من أن تجد نفسك وحيداً في معركة قانونية قد تستغرق سنوات.

لكن في أبوظبي، الصورة مختلفة تماماً.

لقد بنت الإمارة ما لم يبنِ أحد من قبل: نموذج تشريعي فريد يحول هذا الخوف إلى ثقة مؤسسية محمية بقانون دقيق.

من خلال القانون رقم (3) لسنة 2015 وسلسلة من اللوائح التنفيذية المحكمة، صممت أبوظبي نظاماً متكاملاً حيث:

- الدولة ليست مراقباً يأتي بعد الضرر، بل مهندس معماري يصمم ويدير السوق لمنع الضرر من الأساس- المستثمر ليس وحيداً، بل محمي بـ إجراءات واضحة وقضاء فعال- الاستدامة ليست شعاراً، بل بنية قانونية متينة

هذا هو المختبر التشريعي الذي يختبر أفكاراً جريئة عن كيفية بناء الثقة في الأسواق.

اقرأ القصة الكاملة عن كيف تحولت هذه الفلسفة إلى واقع ملموس في حياة آلاف المستثمرين.

الاستدامة الحقيقية تبدأ من استدامة الثقة

مقدمة:

في شرفة تطل على أفق أبوظبي المتلألئ، يجلس " سالم "مستثمر يقلب أوراق عقد شراء شقة على الخارطة. في قلبه سؤال واحد يعذبه: أين أموالي؟ وهل هي آمنة حقاً؟ ليس السؤال عن الموقع الجغرافي، بل عن الأمان. إنه القلق الذي عرفه ملايين المستثمرين حول العالم—الخوف من التأخيرات التي لا تنتهي، والنزاعات القانونية التي تستغرق سنوات، والأحلام التي تتبخر في سراب البيروقراطية والفوضى.

لكن هذه القصة مختلفة. عندما جلست إليه صديقته المحامية سلمى وفتحت أمامه نافذة على عالم التشريعات والقوانين، اكتشف حقيقة مذهلة: أن أبو ظبي لم تكتفِ بحماية المستثمرين بعد وقوع الضرر، بل صممت منظومة متكاملة تمنع وقوع الضرر من الأساس.

هذا السؤال الذي يؤرق كل صانع سياسة وجد إجابته في أبو ظبي:

كيف يمكن لدولة أن تحول الخوف إلى ثقة؟ الإجابة تكمن في "مختبر تشريعي" حي، حيث تُجرّب الإمارة نموذجاً فريداً في الحوكمة والعدالة الاقتصادية. ليس على الورق، بل في حياة الناس اليومية. عندما أطلقت أبوظبي القانون رقم (3) لسنة 2015 بشأن تنظيم القطاع العقاري، لم تكن تكتب مجرد نصوص قانونية، بل كانت تصنع "هندسة معمارية" للثقة—نظام متكامل يجعل من الدولة مصمماً للسوق بدلاً من مراقب، ومن القانون أداة استباقية بدلاً من تفاعلية.

في عالم العقارات، حيث تتحول الأحلام إلى حجر وإسمنت، بنت أبو ظبي ما لم يبنِ أحد من قبل: ثقة مؤسسية مبنية على هندسة قانونية دقيقة. لا تعتمد على الوعود والنوايا الحسنة، بل على آليات قانونية محكمة، وإجراءات إدارية واضحة، وقضاء فعال يحمي الحقوق. من خلال سلسلة من اللوائح التنفيذية الدقيقة، ومدعوماً بأحكام قضائية منشورة من محاكم دائرة القضاء أبوظبي وسوق أبوظبي العالمي، صممت الإمارة نموذجاً يجعل من الاستدامة ليست شعاراً بيئياً، بل بنية تحتية قانونية متينة تضمن حقوق جميع الأطراف وتخلق بيئة استثمارية آمنة وجاذبة.

في مقالنا اليوم نروي قصة هذا التحول من خلال عيون مستثمر عادي اكتشف حقيقة مذهلة:

أن الاستدامة الحقيقية تبدأ من استدامة الثقة. إنها رحلة من القلق إلى اليقين، من الوحدة أمام المجهول إلى الحماية المؤسسية. وفي هذه الرحلة، سنكتشف معاً كيف يمكن لقانون أن يكون مهندساً معمارياً، وكيف يمكن لتشريع أن يحول الخوف إلى واقع ملموس من الأمان والعدالة.

الفصل الأول

شقة على الخارطة... وحوار في قلب العاصمة

في قلب العواصم التي تتسابق نحو السماء، لا يكمن الخطر الأكبر في ارتفاع الأبراج الشاهقة، بل في مدى صلابة القواعد التي ترتكز عليها. فكلما تسارع البناء، اتسعت مساحة المخاطر المحتملة: مشاريع متعثرة، وعود تتبخر، وحقوق تتوه في غبار مواقع البناء.

في هذا السياق العالمي، تقدم أبوظبي قصة مختلفة، نموذجاً فريداً لا يبدأ من الواجهات الزجاجية الخضراء، بل من أساس أعمق: استدامة الثقة. هذه ليست مجرد قصة عن التطوير العمراني، بل عن تطوير اليقين في سوق متغير.

نتابع هنا رحلة "سالم"، وهو شخصية تمثل كل مستثمر وضع مدخرات حياته في شقة على الخارطة، ثم جلس يراقب الأفق بقلق من أن تبتلع التأخيرات أحلامه. لكن قلقه هذا لم يدم طويلاً، فسرعان ما تدخلت صديقته المحامية "سلمى" لتشرح له كيف أن الإطار التشريعي في أبوظبي لم يعد يترك مثل هذه المخاوف للصدفة.

لقد حوّلت الإمارة هذا القلق المشروع إلى مسار قانوني واضح يمكن التنبؤ به. إنها قصة "مختبر تشريعي" حي، يُجري تجاربه ليس على الورق، بل لصالح الناس، فينشئ:

"سوقاً تُدار فيه المخاطر قبل أن تتحول إلى نزاعات، ويُعاد فيه تعريف دور الدولة من شرطي متأخر... إلى مهندس استباقي للعدالة الاقتصادية".

وهنا في شرفة تطل على أفق أبوظبي المتلألئ، جلس سالم يقلب أوراق عقد لامع. كان قد استثمر مدخرات حياته في شقة أحلامه على الخارطة، لكن سؤالاً واحداً كان يقلقه:

- ماذا لو تعثر المشروع؟- وماذا لو تبخرت أحلامي ومدخراتي في سراب التأخيرات والنزاعات القضائية التي لا تنتهي؟

جلست صديقته سلمى المحامية، وبيدها نسخة من الجريدة الرسمية، وقالت بابتسامة هادئة:

"يا سالم، أنت في أبوظبي... تلك المدينة لم تعد تترك هذه الأسئلة للصدفة. إنها تحولت إلى مختبر تشريعي حي".

وأضافت:

"ما تراه مجرد قوانين، أراه أنا هندسة متكاملة للثقة... معمارية قانونية تحوّل الخطر إلى مسار واضح، والوعد إلى ضمانة، والنزاع إلى تسوية محكومة بزمن".

وأشارت إلى عنوان في الجريدة:

قانون رقم (2) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (3) لسنة 2015 بشأن تنظيم القطاع العقاري في إمارة أبوظبي—المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 31 مايو 2025.

سألها سالم: "وماذا يضمن لي- أنا المشتري-أن السوق ليس ملعباً مفتوحاً للمجازفة؟"

فأجابته سلمى بعبارة قانونية:

"لا يجوز لأي شخص مزاولة أي من الأنشطة العقارية قبل الحصول على ترخيص بذلك من الدائرة".

(القانون رقم (3) لسنة 2015 بصيغته المعدلة بالقانون رقم 2 لسنة 2025، المادة (5/1)).

وقالت:

"والأهم: أن المشرع لم يترك مفهوم (من هو اللاعب؟) فضفاضاً، بل حدّده في تعريف صريح- حتى لا تتوارى المسؤوليات خلف المسميات".

وأشارت إلى تعريف "المرخص لهم" في القانون:

"المرخص لهم: الأشخاص الذين يتم الترخيص لهم من الدائرة بمزاولة أي من الأنشطة العقارية، ومنهم: المطور والوسيط... والبائع بالمزاد والمقيم والحاسم".

ابتسمت سلمى: "لقد وُسّع التعريف عمداً حتى لا تبقى 'مناطق رمادية' يتسلل منها الخطر".

وقرأت له التعريف:

"الأنشطة العقارية: هي الأنشطة المتعلقة بتطوير وبيع وشراء... وتسجيل وتنظيم وتقييم وتأجير وإدارة وتشغيل العقارات والوساطة العقارية... وغيرها والتي تتولى الدائرة الترخيص بمزاولتها".

سكت سالم للحظة:

"إذن الحماية ليست بنداً واحداً... بل شبكة تحكم حلقاتها منذ أول خطوة:

- من يحق له أن يبيع؟- من يحق له أن يقيم؟- من يحق له أن يوسّط؟"

وقطعت عليه سلمى الطريق بجملة:

"ترخيص يضبط من يدخل السوق... وتعريف يطرد الظلال، ثم تأتي بقية المنظومة: ضمانات المال، ومسار التسوية، وحوكمة ما بعد التسليم".

وفي نهاية الحوار، شعر أنه دخل سوقاً صُمّم بعناية كي لا يكون المستثمر وحيداً أمام المجهول.

كيف تحولت الدولة من منظّم يراقب بعد وقوع الحدث... إلى "مهندس معماري" يدير السوق؟

الفصل الثاني

الدولة: من "منظّم ومراقب" إلى "مهندس معماري يدير السوق"

في الليلة التالية، تساءل سالم: من الذي صمّم هذا الملعب المعقد أصلاً؟ أجابته سلمى بنبرة الواثق: "يا سالم، أنت لا تشتري مجرد شقة، بل تدخل منظومة متكاملة. 

والمنظومة الذكية لا تنتظر وقوع الأزمة كي تتدخل، بل تبني ممرات أمان استباقية تجعل من وقوع الأزمة أمراً صعباً في المقام الأول". 

هنا يكمن المعنى العميق لفكرة "أبوظبي المختبر التشريعي":

إنها فلسفة حكم، تبلورت في نصوص قانون أبوظبي رقم (3) لسنة 2015 وتعديلاته اللاحقة، والتي حولت دور الحكومة من مجرد "مراقب" يسجل المخالفات بعد وقوعها، إلى "مهندس معماري" يصمم السوق بأكمله ليكون أكثر أماناً وعدالة.

- فكيف تعمل هذه الهندسة المعمارية؟

أولاً، عبر توزيع الأدوار وتحديد "مفاتيح التحكم" في السوق بشكل دقيق: الترخيص، والسجل، والحوكمة. تتجلى هذه الهندسة في قاعدة تبدو بسيطة لكنها حجر الزاوية:

"لا يجوز لأي شخص مزاولة أي من الأنشطة العقارية قبل الحصول على ترخيص بذلك من الدائرة". هذا ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو جدار الحماية الأول الذي يمنع دخول الكيانات الوهمية أو غير المؤهلة إلى السوق. ثم يأتي التوسع في تعريف "الأنشطة العقارية" ليشمل سلسلة القيمة الكاملة، من التطوير والوساطة، إلى التقييم وإدارة العقارات، وحتى البيع بالمزاد. هذا الشمول المتعمد يهدف إلى إغلاق كافة "الفراغات التنظيمية" التي كانت في الماضي تسمح للبعض بالعمل في الظل، بعيداً عن الرقابة والمساءلة.

ولم يغفل المشرع مرحلة ما بعد التسليم، وهي مرحلة حيوية لاستدامة الاستثمار. 

فبدلاً من ترك إدارة الأجزاء المشتركة في المباني لمصير مجهول، استحدث القانون مفهوم "لجنة الملاك" كبديل أكثر تنظيماً وفعالية من "اتحاد الملاك" التقليدي، مع تحديد واضح لواجباتها وصلاحياتها لضمان الحفاظ على جودة العقار وقيمته على المدى الطويل.

ولأن أي هندسة معمارية تحتاج إلى أدوات لفرض النظام، جاءت أدوات الجزاء كجزء لا يتجزأ من التصميم. 

تتراوح هذه الأدوات من تجريم مزاولة النشاط دون ترخيص، إلى فرض غرامات إدارية رادعة تصل إلى مليوني درهم، مع فتح الباب في الوقت نفسه لآليات التصالح التي تضمن استجابة تنظيمية سريعة وفعالة قبل تفاقم الأضرار.

قال سالم بتعجب:

"إذاً، الدولة لم تعد مجرد حكم يقف على خط التماس، بل هي المصمم الذي وضع قواعد اللعبة بطريقة تقلل من احتمالات الاحتكاك والنزاع من الأساس".

ابتسمت سلمى:

"بالضبط. وعندما يتكامل هذا التنظيم الدقيق مع قضاء فعال ومستقل، يصبح للردع دليل مكتوب، وتتحول القواعد من حبر على ورق إلى واقع ملموس".

ولكي لا تبقى الفكرة مجرد تنظير، أشارت سلمى إلى مثال قضائي منشور من محاكم سوق أبوظبي العالمي (ADGM Courts)، والتي تعتبر جزءاً من هذا النظام البيئي المتكامل. 

في قضية Sohir Hussein Al Ahmar & Anor v MesabLimited، التي تتعلق بنزاع حول تسليم وحدة سكنية وجودتها، لم تتردد المحكمة في الغوص في تفاصيل الضرر.

لقد قضت محكمة الدرجة الأولى (بواسطة القاضي Justice Stone) بمبالغ تعويضية دقيقة بعد موازنة مطالبات الطرفين، آخذة في الاعتبار عناصر ملموسة مثل فقدان فرصة التأجير، والفوائد المستحقة، وحتى بعض الأضرار المعنوية. وانتهت إلى إصدار حكم بصافي مبلغ يُدفع للمدعين مع فائدة سنوية على الرصيد. هذا النوع من الأحكام المنشورة لا يضيف فقط "سابقة إرشادية" يمكن للمستثمرين والمحامين الاستناد إليها، بل يرسل إشارة قوية وواضحة للسوق بأسره: العقد يجب أن يُنفّذ، والتأخير ليس قدراً صامتاً، بل هو واقعة قانونية تُقاس وتُوزن وتُعالج على ضوء قواعد التعويض وإثبات الضرر.

عندما يتحول التأخير إلى تعويض قضائي منشور:

وكمثال قضائي منشور من محاكم سوق أبوظبي العالمي (ADGM Courts):

في قضية Sohir Hussein Al Ahmar & Anor v MesabLimited، قضت محكمة الدرجة الأولى (Justice Stone) بمبالغ تعويضية بعد موازنة مطالبات الأطراف واعتبار عناصر مثل فقدان فرصة التأجير والفوائد وبعض الأضرار المعنوية، وانتهت إلى صافي مبلغ يُدفع للمدّعين مع فائدة سنوية على الرصيد.

وهكذا، يخرج الفصل الثاني بخلاصة:

أبوظبي لا تبني أبراجاً فحسب؛ بل تبني "بنية ثقة" تجعل المال يسير في مسارات معلومة، والفاعلين داخل السوق معرّفون ومرخّصون، والجزاء حاضر، والقضاء مسنداً للمنظومة.

الفصل الثالث

رحلة البيع على الخارطة... من عقد الأمل إلى مسار اليقين

في صباح اليوم التالي، عاد سالم إلى شرفته، لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى الأبراج بقلق، بل بفضول. لقد فهم أن هناك "مهندساً معمارياً" للسوق، لكنه أراد أن يعرف كيف تبدو "خرائط البناء" الخاصة بهذا السوق.

سأل سلمى:  

- "ماذا يحدث عند لحظة الانكسار الحقيقية؟- تلك اللحظة التي يتعثر فيها المشروع أو يتأخر التسليم، وأجد نفسي عالقاً بين حلم مؤجل ونزاع لا ينتهي؟"

ابتسمت سلمى، ومدّت إليه نسخة من الجريدة الرسمية، وقالت: "في أبوظبي، لم يعد الخطر يُترك للنيات. التشريع يصمم الرحلة قبل أن تقع الأزمة. وأجمل ما في هذا التصميم أنه لا يبني الحماية عبر شعارات عامة، بل عبر مسار زمني إلزامي يضبط الفسخ والتسوية ويمنع الفوضى".

1. عندما يتعثر أحد الطرفين... لا يبدأ الصدام، بل يبدأ "المسار"

أشارت سلمى إلى المادة (17/3) من القانون رقم (3) لسنة 2015 بصيغتها المعدلة بالقانون رقم (2) لسنة 2025. 

هذه المادة هي قلب "خريطة النجاة" التي تحدثت عنها.

 لقد أجاز المشرع للمطور فسخ العقد من جانب واحد دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم، ولكن ليس كقرار فوري، بل كوجهة أخيرة في مسار طويل ومحكوم بضوابط صارمة. وقرأت لسالم المشهد كما كتبه القانون:

- الخطوة الأولى: الإنذار الرسمي (60 يوماً): لا يوجد شيء اسمه "إلغاء مفاجئ". يجب على المطور أن يوجه إنذاراً رسمياً للمشتري (وللدائن المرتهن إن وجد) يطالبه فيه بالسداد خلال 60 يوماً.

 هذه الفترة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي فرصة حقيقية للمشتري لتصحيح وضعه.- الخطوة الثانية: إدخال المنظّم إلى الصورة (بعد 15 يوماً): بعد مرور 15 يوماً من تاريخ الإنذار، يجب على المطور إبلاغ دائرة البلديات والنقل، مرفقاً ما يثبت توجيه الإنذار وشهادة من أمين حساب ضمان المشروع تظهر إخلال المشتري. 

هنا، لم يعد الأمر مجرد علاقة ثنائية بين البائع والمشتري، بل أصبحت الجهة التنظيمية طرفاً مراقباً وموجهاً.- الخطوة الثالثة: "نافذة تسوية إلزامية": قبل انقضاء الستين يوماً، تدعو الدائرة الأطراف لمحاولة التسوية الودية. هذه ليست دعوة اختيارية، بل هي محطة إلزامية في المسار، تهدف إلى إيجاد حل يحفظ المشروع ويمنع انهيار العلاقة التعاقدية.- الخطوة الرابعة: الفسخ كملاذ أخير... وبضوابط مالية قوية: إذا فشلت كل محاولات التسوية واستمر الإخلال، هنا فقط يجوز للمطور المضي قدماً في الفسخ. ولكن حتى هذا الفسخ ليس مطلقاً، فهو محكوم بضوابط مالية تمنع الظلم وتحفظ حقوق المشتري.

 يجوز للدائرة شطب اسم المشتري من السجل العقاري الأولي والسماح للمطور بإعادة بيع الوحدة، ولكن يتم إيداع مبلغ البيع الجديد في حساب ضمان المشروع. ويحق للمطور خصم جزء من المبلغ "بقدر يتناسب" مع الإخلال ونسبة الإنجاز، على أن تصدر نسب الخصم وإجراءات رد المبلغ المتبقي للمشتري بقرار من رئيس الدائرة.

 والأهم من ذلك، أن كل هذه الإجراءات الإدارية لا تمس حق المشتري في اللجوء إلى القضاء أو التحكيم إذا شعر أن حقه قد هُضم.

قالت سلمى: "هل ترى؟ القانون لا يقول للمشتري 'أنت ضعيف'، ولا يقول للمطور 'افعل ما تشاء'.

 بل يقول للسوق كله: لن نسمح لقرار متسرع أن يهدم مشروعاً، ولن نسمح لتعثر أن يتحول إلى فوضى".

2. من حماية "العقد"... إلى حماية "المستهلك" داخل العقد

وأضافت سلمى طبقة أخرى من الطمأنينة، وهذه المرة من تشريع اتحادي يكمل الصورة. 

أشارت إلى اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك الاتحادي رقم (15) لسنة 2020 (الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 66 لسنة 2023).

قالت: "البيع على الخارطة، في جوهره، هو التزام يمتد على مراحل. وهذه اللائحة تلزم المطور (المزود) بإعطاء المستهلك جدول دفعات واضح مرتبط بإنجاز كل مرحلة من مراحل المشروع. 

هذا يعني أن أموالك لا تُدفع بناءً على مرور الزمن، بل بناءً على تقدم ملموس على أرض الواقع". 

كما تحارب هذه اللائحة الإعلانات المضللة وتفرض شفافية كاملة في المعلومات المقدمة للمستهلك. هنا فهم سالم أن "اليقين" ليس مجرد قانون واحد، بل هو شبكة متكاملة من التشريعات: تشريع محلي يصنع المسار الإجرائي، وتشريع اتحادي يؤمن شفافية العلاقة التعاقدية ويجفف منابع التضليل.

3. دليل قضائي منشور: التأخير والعيوب ليسا قدراً، بل ضرر قابل للعلاج

ولكي تكتمل الصورة، أخرجت سلمى مرة أخرى الدليل القضائي المنشور من محاكم سوق أبوظبي العالمي (ADGM Courts) في قضية Sohir Hussein Al Ahmar & Anor v Mesab Limited. قالت: "انظر كيف يترجم القضاء هذه الحماية إلى واقع. المحكمة لم تكتفِ بالنظر في تأخر التسليم، بل غاصت في تفاصيل العيوب الإنشائية وألزمت المطور بإصلاحها على نفقته، بالإضافة إلى التعويض المالي. هذا يرسل رسالة واضحة: المنتج العقاري ليس مجرد مساحة، بل هو جودة والتزام. والقضاء موجود لضمان تحقيق هذه الجودة".

عند هذه النقطة، عاد السؤال الأهم إلى ذهن سالم، لكن بصيغة جديدة مليئة بالوعي:

"حسناً... إذا كان هناك مسار للفسخ، وقضاء يمنح التعويض،

- فما هو الصندوق الأسود الذي يحفظ أموالي قبل أن يصل المشروع إلى خط النهاية؟- من يمنعها من التسرب في حال تعثر المطور نفسه؟"

ابتسمت سلمى، وأغلقت الجريدة على مادة واحدة، وقالت: "حساب ضمان المشروع... هذا ليس مجرد حساب بنكي، بل هو قلب الاستدامة النابض. وهناك تبدأ الحكاية التالية والأكثر أهمية".

"إذن... حتى لو تأخر المطور، فالقضاء يعامل التأخير والعيوب بصفتها أضراراً قابلة للإثبات والعلاج، لا مجرد "تأجيل" يُحتمل".

وعاد السؤال القديم بصيغة جديدة:

"حسناً... إذا كان هناك مسار فسخ وتسوية، وإذا كان القضاء يمنح تعويضاً وإصلاحاً عند التأخير...

- فأين تذهب أموالي قبل التسليم؟ و- من يمنعها من التسرب؟"

ابتسمت سلمى، وأغلقت الجريدة على مادة واحدة:

"حساب ضمان المشروع: الحساب المالي... هذا هو قلب الاستدامة النابض. وهناك تبدأ الحكاية التالية".

الخاتمة: أفق جديد من الثقة

في النهاية، لم تكن قصة سالم مجرد حكاية فردية، بل انعكاساً لقصة مدينة بأكملها. أبوظبي، من خلال مختبرها التشريعي، لم تقدم فقط قوانين جديدة، بل قدمت نموذجاً عالمياً في كيفية بناء الثقة في الأسواق العقارية.

 إنها قصة عن كيف يمكن للهندسة التشريعية أن تخلق استدامة حقيقية، ليس فقط في المباني، بل في العلاقات الإنسانية والاقتصادية التي تدور حولها.

لقد أثبتت أبوظبي أن الاستدامة ليست مجرد شعار بيئي، بل هي بنية تحتية قانونية متكاملة، تضمن حقوق جميع الأطراف، وتخلق بيئة استثمارية آمنة وجاذبة. وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن تقدمه أبوظبي للعالم: الاستدامة الحقيقية تبدأ من استدامة الثقة.

إنها رحلة مستمرة، تتطور مع كل تعديل قانوني، وتترسخ مع كل حكم قضائي، لتؤكد أن بناء المستقبل لا يقتصر على الخرسانة والزجاج، بل على سيادة القانون والعدالة.

المراجع

1.قانون رقم (3) لسنة 2015 بشأن تنظيم القطاع العقاري في إمارة أبوظبي.

2.قانون رقم (2) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (3) لسنة 2015.

3.اللائحة التنفيذية بشأن حساب ضمان المشروع، الصادرة تنفيذاً للقانون رقم (3) لسنة 2015.

4.اللائحة التنفيذية بشأن الترخيص، الصادرة تنفيذاً للقانون رقم (3) لسنة 2015.

5.اللائحة التنفيذية بشأن السجل العقاري الأولي، الصادرة تنفيذاً للقانون رقم (3) لسنة 2015.

6.قانون اتحادي رقم (15) لسنة 2020 في شأن حماية المستهلك.

7.قرار مجلس الوزراء رقم (66) لسنة 2023 بشأن اللائحة التنفيذية للقانون الاتحادي رقم (15) لسنة 2020 في شأن حماية المستهلك.

8.حكم محكمة سوق أبوظبي العالمي في قضية Sohir Hussein Al Ahmar & Anor v Mesab Limited [2024] ADGMCFI 0011

تم نسخ الرابط