ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

غياب رئيس الأركان العامة للجيش الليبي… اختبار حقيقي لاستقرار الدولة وتوازنات الإقليم

خلف الحدث

في بلدٍ لم يخرج بعد من طور الدولة الهشّة إلى الدولة المستقرة، لا تمرّ التحولات في قمّة الهرم العسكري مرور الأحداث العابرة. ويأتي غياب الفريق أول ركن محمد علي أحمد الحداد، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، على خلفية حادث تحطم طائرة قرب العاصمة التركية أنقرة، ليشكّل نقطة تحوّل دقيقة في المشهد الليبي شديد التعقيد، حيث تتداخل المؤسسة العسكرية بالسياسة، وتتشابك الحسابات المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية.

هذا الغياب لا يُقرأ فقط بوصفه حدثًا إنسانيًا أو أمنيًا، بل كواقعة استراتيجية تُعيد طرح أسئلة جوهرية حول تماسك المؤسسة العسكرية، ومستقبل التوازن الأمني، ومسار العلاقات الليبية–التركية، في لحظة تتسم أصلًا بهشاشة الاستقرار وتعدد مراكز النفوذ.

أولا: موقع رئيس الأركان في البنية الليبية… أكثر من منصب عسكري

يحتل منصب رئيس الأركان العامة في ليبيا موقعًا استثنائيًا، لا يمكن قياسه بالمعايير العسكرية التقليدية وحدها، إذ يجمع بين أبعاد متعددة:

  • قيادة التنسيق بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية
  • إدارة التوازنات داخل قوات الغرب الليبي ذات التكوين غير المتجانس
  • الإشراف على قنوات التعاون العسكري مع الشركاء الدوليين
  • لعب دور “صمام الأمان” في منع انزلاق الخلافات إلى مواجهات مفتوحة

وقد اكتسب الفريق محمد الحداد وزنًا خاصًا لكونه شخصية توافقية نسبيًا، قادرة على إدارة الاختلافات داخل المشهد العسكري دون تحويلها إلى صراع، في سياق تتعدد فيه التشكيلات المسلحة وتضعف فيه سلطة الدولة المركزية.

من هنا، فإن غيابه لا يخلق فراغًا إداريًا فحسب، بل يفتح فجوة في منظومة التوازن الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار الهش في الغرب الليبي.

ثانيا: التأثيرات المباشرة على الداخل الليبي

1. فراغ القيادة ومخاطر الارتباك المؤسسي

على المدى القصير، يُتوقع أن يؤدي غياب رئيس الأركان إلى:

  • بطء في عملية اتخاذ القرار العسكري
  • انتقال جزئي لمراكز الثقل إلى القيادات الميدانية
  • ارتفاع هامش الحركة أمام التشكيلات المسلحة غير النظامية

ورغم وجود تسلسل قيادي رسمي داخل الجيش، فإن التجربة الليبية أثبتت أن الشخصيات المؤثرة تلعب دورًا يفوق النصوص التنظيمية، خصوصًا في ظل ضعف مؤسسات الدولة.

2. صراع صامت على المنصب

غياب الحداد قد يفتح الباب أمام:

  • تحركات غير معلنة لفرض مرشحين بعينهم
  • محاولات لإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية
  • تزايد التدخل السياسي في اختيار القيادة العسكرية

ويكمن الخطر الأكبر في تسييس منصب رئيس الأركان، وربطه بحسابات الولاء والاصطفاف، بدلًا من اعتبارات المهنية والتوافق الوطني.

ثالثا: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة

سيناريو الاستقرار المُدار

ويتحقق في حال:

  • الإسراع بتعيين قيادة بديلة تحظى بقبول واسع
  • الحفاظ على قنوات التواصل بين القوى العسكرية المختلفة
  • استمرار الضغط والدعم الدولي لمسار التهدئة

في هذا السيناريو، يمكن احتواء آثار الغياب، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني.

سيناريو الاضطراب التدريجي

أما إذا:

  • طال أمد الفراغ القيادي
  • تفجّرت الخلافات داخل المؤسسة العسكرية
  • استغلت أطراف مسلحة الوضع لتعزيز نفوذها

فقد تشهد ليبيا موجة جديدة من التوترات، قد لا تصل إلى حرب شاملة، لكنها تُضعف فرص التسوية السياسية وتعيد إنتاج حالة اللايقين.

رابعا: تداعيات الغياب على العلاقة الليبية–التركية

تُعد تركيا فاعلًا رئيسيًا في المعادلة الأمنية الليبية، خاصة في غرب البلاد، وقد مثّل رئيس الأركان الراحل:

  • قناة تنسيق مركزية مع أنقرة
  • شريكًا في ملفات التدريب وبناء القدرات
  • عنصر استقرار في تنفيذ الاتفاقيات العسكرية الثنائية

غيابه يفرض على تركيا:

  • إعادة تقييم خريطة التواصل داخل المؤسسة العسكرية
  • التعامل مع قيادة جديدة قد تختلف في الرؤية أو الأولويات
  • توخي الحذر من أي فراغ قد تستغله قوى إقليمية منافسة

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن التحالف الاستراتيجي لن يتفكك، لكنه قد يمر بمرحلة إعادة ضبط مؤقتة، انتظارًا لاتضاح ملامح القيادة العسكرية الجديدة في ليبيا.

خامسا: البعد الإقليمي والدولي

يحظى منصب رئيس الأركان الليبي بمتابعة دولية لصيقة، نظرًا لتأثيره المباشر على:

  • مكافحة الإرهاب
  • ضبط الهجرة غير النظامية
  • أمن المتوسط
  • استقرار أسواق الطاقة

ولهذا، ستراقب القوى الدولية بدقة:

  • آلية اختيار القيادة البديلة
  • مدى التزامها بالمسار السياسي
  • قدرتها على منع تفكك المشهد الأمني

أي خلل في هذه المعادلة قد يعيد فتح ملفات كانت تُدار بدرجة من الاحتواء خلال الفترة الماضية.

الخلاصة: اختبار الدولة لا اختبار الأشخاص

غياب رئيس الأركان العامة للجيش الليبي ليس حدثًا معزولًا، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الليبية على إدارة الأزمات المفاجئة دون الانزلاق إلى الفوضى. وستتحدد ملامح المرحلة المقبلة بمدى سرعة الحسم، وحكمة الاختيار، وقدرة الأطراف المختلفة على تقديم منطق الدولة على منطق الغلبة.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المشهد يفرض مقاربات أكثر حذرًا، خاصة بالنسبة لتركيا، في انتظار ما ستسفر عنه إعادة ترتيب القيادة العسكرية، وسط إقليم مثقل بالأزمات ولا يحتمل اهتزازا جديدًا في خاصرته الجنوبية.

تم نسخ الرابط