ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في كل مرة ألقي فيها محاضرة أو ندوة يأخذني السياق إلى الحديث ولو بشكل موجز عن الأخلاق والقانون أو بالأحرى علاقة القانون بالأخلاق. ربما يكون الأمر في البداية مستغرباً لكن بعد وقت قصير للغاية تبدو أهمية طرح هذا الأمر، وذلك عندما نجد سلوكاً لا اخلاقياً في نظر الجماعة لكنه لا يخضع تحت نص عقابي أو نجد العكس. سلوكاً لم يعد يستنكره المجتمع ولكنه يخضع لنص عقابي. الأمر يبلغ موضع التعقيد عندما تتصاعد أصوات داخل المجتمع تدعو إلى تدخل الدولة لحماية الأخلاق وليس فقط لضبط السلوك الاجتماعي بواسطة القانون. 
هنا نعود لنطرح التساؤل بصورة أوضح:
هل من واجب الدولة أن تتدخل لحماية الأخلاق أم أن دورها يقتصر فقط على تشريع القانون الذي يضبط السلوك الاجتماعي.

قبل أن نجيب على هذا التساؤل يحسن بنا أن نحدد ثلاث مفاهيم. 

الدولة . 

الأخلاق . 

القانون. 

مع الإقرار بصعوبة وضع تعريف مانع جامع لكل منها لكننا نقول:
الدولة: هي تجمع سياسي يتشكل من عناصر ثلاثة. شعب. إقليم. سلطة سياسية أو حكومة.
القانون: مجموعة النصوص التي تشرعها الدولة وفق إجراءات دستورية معينة تهدف إلى ضبط السلوك الاجتماعي بعضها ذات طبيعة عقابية.
الأخلاق: مجموعة القيم التي يتعارف عليها كل مجتمع والمستقاه من مجموعة من القيم التي تختلف من مجتمع لآخر.
هذه تعريفات ثلاثة على سبيل المثال والتقريب لا أكثر وحتى تكون مدخلاً لجوهر الفكرة التي نناقشها.

أخذاً من هذه المفاهيم فإن الدولة لا يمكن أن تكون ملزمة بضبط السلوك الاجتماعي إلا عندما يحقق الخروج عليه وصف الجريمة وأما مادون ذلك فهو ضرب من الخيال يقترب من التسويف والخداع.
بمعنى أن دور الدولة هو الحفاظ على تطبيق القانون وهو في أغلبية نصوصه يتفق مع قيم الأخلاق ولكن المجتمع بأسره هو المسئول عن إرساء قيم الأخلاق التي لا تشكل جريمة في القانون.

 فالنص القانوني ليس بالضرورة أن يأتي متوافقاً مع مفهوم الأخلاق لأن القانون يمثل الوسيلة الواقعية لضبط السلوك الاجتماعي عندما يأتي هذا السلوك خروجاً عليه وليست مهمته ضبط السلوك الأخلاقي عندما لا ينظمه نص قانوني وعندما ترتفع أصوات تطالب الدولة بحماية الأخلاق بينما الدولة مسئولة فقط عن حماية نفاذ القانون يتجلى الخلط لأننا لم نضبط المفاهيم الثلاثة التي تشكل جوهر الحوار الذي نطرحه.

إذا أردنا أن نذكر مثال على منطقية ما طرحناه نقول:
سن الرشد الجنائي في القانون المصري هو الثامنة عشرة. بمعنى أن الذي يتجاوز هذا السن بيوم واحد يكتسب وصف الرشد الجنائي إذا جاز التعبير. ومن ثم فإننا لن نكون بصدد جريمة هتك عرض أو اغتصاب تقع على فتاة تتعدى هذا السن ولم يكن هناك إكراه أو قوة تدفعها إلى ذلك وطالما لم تكن زوجة فيشكل فعلها جريمة الزنا إذا توافرت شروطها. وطالما لا يشكل فعلها جريمة الاعتياد على ممارسة الدعارة.

 وطالما لم يكن سلوكها في علانية. 

نقول أن هذا السلوك سيخرج من مظلة القانون طالما لا يخضع لنص من نصوصه إنزالاً لمبدأ الشرعية الذي يقول أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون.

لكن الفعل رغم ذلك يدخل مظلة الأخلاق عندما ترى قيم المجتمع الأساسية أن الزواج الشرعي وحده هو الذي يجب أن تأتي تحت ظله العلاقات بين الجنسين من هذا النوع.

القانون هنا يأخذ دوره ثم يترك للأخلاق الدور الآخر لأنه كما قولنا يمثل الإطار الواقعي لضبط السلوك الاجتماعي وأما الأخلاق فتمثل الإطار الروحي لضبط هذا السلوك وشتان ما بين الإطارين. 
هذا مثال تقريبي وهناك أمثلة كثيرة نجد فيها القانون يتوقف عند نقطة معينة لتبدأ الأخلاق التعامل معها بعد ذلك دون أن يتعدى القانون حده ودون أن تفتأت الأخلاق على نصوصه.
من هنا لا أفهم أبداً كيف يمكن فهم نصوص قانونية تختلط بمغهوم الأخلاق المجرد مثل تلك التي تحمي قيم الأسرة الأساسية.
فالمادة ٢٥ من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨، تعاقب على الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري وقد كان السياق الذي وضعت فيه هذه المادة هو الاستخدام السيء على موقع "تيك توك" وبعض المحتويات التي تقدم على مواقع تواصل اجتماعي أخرى لكن النص الذي وضع في سياق حادثة معينة اشتهرت إعلامياً بقضية "فتيات التيك توك" وإن كان مبرراً وباعتبار أن المحتوى الذي قدم ولا يزال يصطدم مع نص قانوني عقابي إلا أن هذا النص قد تعدى حدود هذه الواقعة إلى واقعات تمثل سياق آخر فضفاض غير منضبط، فقد تجاوز الحد الذي كان يجب عليه أن يتوقف لتقوم الأخلاق بعد ذلك بتأدية دورها داخل المجتمع. كما أن تحديد مفهوم الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري قد بات في منتهى الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً مع هذا التفاوت الرهيب بين طبقات المجتمع الواحد.

القانون إذن وإن كان يمثل وكما يتفق على ذلك علماء علم الاجتماع أهم ضوابط السلوك الاجتماعي إلا أنه رغم ذلك يجب أن يتوقف عند الحد الذي يجب أن يلعب فيه الوازع الأخلاقي الدور التالي.
وفي ظني أن تقدم المجتمعات ورقيها لا يرجع في المقام الأول إلى التطبيق الجبري للقانون بقدر ما يرجع إلى التطبيق الطوعي له ثم تأتي الأخلاق لتستغرق السلوك المجتمعي بأكمله فيصير المجتمع بأسره مجتمعاً أخلاقياً.

تتحدد الجريمة بأركانها التي يجب أن تتوافر لكي نطلق على وصف معين أنه جريمه لكن السلوك الاجتماعي ليس له أركان، بل له قيم. 

مقدار تقدم الشعوب يقاس بمدى احترام الأشخاص لمنظومة القيم وليس بمدى انصياعهم للقانون لأن الأخير يحمل صفة الجبر وتكفل الدولة تطبيقه بنصوص عقابية إنزالاً لحقها في تطبيق العقاب بينما منظومة الأخلاق لا يكفل تطبيقها إلا قيم داخلية نبعها الأخلاق نفسها وهي أعم وأشمل وأسبق من القانون. 

من هنا نفهم كيف أن الوازع الأخلاقي ربما يكون أكثر من العقوبة نفسها لأن هذا الوازع يُخضع الشخص لعقوبة من نوع آخر هي تأنيب الضمير أو الشعور الداخلي بعدم احترام الذات.
مجابهة السلوك الإجرامي قطعاً يجب أن يكون عن طريق النص العقابي وغيره من التدابير والعوامل الوقائية قبلهما لكن مقاومة الانحراف الخلقي على إطلاقه لا يمكن أن يكون عن طريق النص العقابي إلا إذا حمل هذا الانحراف في طياته وصف الجريمة وأما أن يستدعي المجتمع مشرعه لكي يصوغ نصوص عقابية لكل خروج على القيم الاجتماعية فهو الفشل بعينه لأنه من ناحية يعد تواكل على القانون في غير موضعه ومن ناحية إعلان يشكل إعلان فشل لرقابة الذات واحترام الذات وتلك الأخير أسوأ من شيوع الجريمة نفسها لأنها في حقيقتها  تمثل الجريمة العظمى التي لا تُقَوِمها النصوص العقابية بأكملها.

تم نسخ الرابط