ليست مناقشة الرسالة العلمية ساحة استعراض للقوة، ولا منبرًا لتصفية الحسابات، ولا مجالًا لتعرية الأشخاص والنيل من كراماتهم، وإنما هي ـ في أصل فلسفتها الأكاديمية ـ حوار علمي رفيع، غايته تقويم البحث، ووزن الجهد، وتمحيص المنهج، وإضاءة ما أحسن فيه الباحث، والتنبيه على ما زلّ عنه القلم أو غاب عن البصر.
وقد منح القانون للمناقش حقًّا أصيلًا لا ينازعه فيه أحد: أن يُبدي رأيه في مضمون الرسالة، قبولًا أو رفضًا، إشادةً أو نقدًا، اتفاقًا أو اختلافًا. فله أن يثني إن وجد ما يُثنى عليه، وأن يقف طويلًا عند المآخذ، فيفصلها تفصيل العالم لا تسفيه الجاهل، وأن يبين ما كان ينبغي أن يُفعل ولم يُفعل، أو ما أُقحم في البحث وليس منه، أو ما استند إلى آراء لم تُعضد بدليل ولا سند. وله ـ كذلك ـ أن يرفض الرسالة إن رأى فيها ما يبرر الرفض علميًا ومنهجيًا.
لكن الذي لم يمنحه القانون، ولم تجزه الأخلاق، ولم يقره العرف الأكاديمي، هو أن يتحول رأيه في البحث إلى رأي في الباحث، وأن ينزلق من نقد الأفكار إلى تجريح الأشخاص، ومن مناقشة المنهج إلى محاكمة النيات، ومن تقويم العمل إلى هدم الكرامة الإنسانية.
إن ما نشهده أحيانًا ـ مع الأسف ـ من لغة استعلائية، أو نبرة متعالية، أو عبارات جارحة، قد تصل إلى السخرية والتهكم والطعن في الأهلية العقلية والعلمية، ليس من العلم في شيء، ولا من الرسوخ الأكاديمي في شيء، وإنما هو لون من ألوان التنمر المقنَّع بعباءة الأستاذية، وسلوك يسيء إلى صاحبه قبل أن يسيء إلى من وُجّه إليه.
وتزداد الصورة قتامة حين تكون الباحثة امرأة؛ فيتحول النقاش العلمي ـ عند بعضهم ـ إلى خطاب اجتماعي متخلف، يُستدعى فيه المطبخ بدل المكتبة، وغسيل الأطباق بدل قراءة المصادر، وتربية الأبناء بدل البحث والتحقيق، وكأن العلم حكرٌ على جنس دون جنس، أو كأن الجامعة نادٍ مغلق لا يفتح أبوابه إلا وفق تصورات ضيقة لا سند لها من دين ولا عقل ولا قانون.
إن مثل هذه العبارات ليست فقط إهانة للباحثة، بل إهانة للجامعة، وإسقاط لهيبة المنصة العلمية، وتشويه لروح البحث، فضلًا عما تخلّفه من آثار نفسية واجتماعية خطيرة: من إحراج أمام الأهل والضيوف، وانكسار داخلي، واهتزاز ثقة، وقد تمتد ـ كما شهد الواقع ـ إلى خلافات أسرية وانهيارات زوجية لا ذنب للعلم فيها ولا للبحث.
والحق الذي لا مراء فيه أن هذا النهج مخالفة صريحة لقوانين الجامعات، ومناقض لآداب البحث العلمي، ويقع ـ في ميزان القانون العام ـ تحت مسمى التنمر والإساءة اللفظية واستغلال السلطة، وهي أفعال يُحاسَب عليها صاحبها، ولا يجوز التهاون فيها بحجة المكانة العلمية أو التاريخ الأكاديمي.
إن الأستاذ الحقّ هو من يُشعرك بقيمتك حتى وهو يختلف معك، ويقسو عليك علميًا دون أن يمسّ إنسانيتك، ويهدم الفكرة ليبني صاحبها، لا ليحطمه. وهو من يعلم أن الرسائل تُناقش لتُصحَّح، لا لتُذل، وأن الطالب ـ مهما قصّر ـ هو مشروع عالم، لا مادة للسخرية.
ومن هنا فإن المسؤولية مشتركة:
مسؤولية الجامعات في وضع ضوابط صارمة لسلوك المناقشين، وتفعيل آليات المحاسبة دون مجاملة.
ومسؤولية الأساتذة في استحضار قدسية المنصة العلمية، وأنها مقام أمانة لا مقام تشفٍّ.
ومسؤولية الباحثين في التمسك بحقوقهم، وعدم الصمت عن الإهانة تحت وهم الهيبة أو الخوف.
فالعلم لا يزدهر بالإهانة، ولا يترسخ بالصراخ، ولا يُبنى على كسر النفوس، وإنما يقوم على الحوار، والعدل، واحترام الإنسان، أيًّا كان موقعه على سلم المعرفة.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد للمناقشة العلمية معناها النبيل: اختلاف بلا عداء، ونقد بلا ازدراء، وحزم بلا قسوة، وهيبة بلا استعلاء.