وفاة علي سالم البيض… زعيم جنوبي ورمز سياسي في تاريخ اليمن الحديث
برحيل علي سالم البيض، لا يودّع اليمن مجرد رئيس سابق أو سياسي مخضرم، بل يُغلق فصلًا بالغ التعقيد من تاريخه الحديث، فصلٌ تشابكت فيه أحلام الوحدة مع خيبات السلطة، وتداخلت فيه مشاريع الدولة مع جراح الهوية والانقسام.
في 17 يناير 2026، أُعلن رسميًا عن وفاة الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق علي سالم البيض في العاصمة الإماراتية أبوظبي، عن عمر ناهز 86 عامًا وفق مصادر رسمية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أنه قارب التسعين، بعد سنوات طويلة من الغياب عن المشهد السياسي المباشر، ظلّ خلالها حاضرًا بقوة في الذاكرة اليمنية، كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في تاريخ البلاد المعاصر.
رحيل البيض لا يُقرأ بوصفه حدثًا إنسانيًا فحسب، بل كواقعة سياسية رمزية تعيد فتح أسئلة اليمن الكبرى: لماذا فشلت الوحدة؟ ومن خسر أكثر؟ وهل كان الانفصال نتيجة خيانة أم نتيجة انسداد سياسي تاريخي؟
من هو علي سالم البيض؟
وُلد علي سالم البيض في 10 فبراير 1939 بمحافظة حضرموت، ونشأ في بيئة سياسية مشحونة بروح النضال ضد الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن. انخرط مبكرًا في العمل السياسي، ليصبح لاحقًا أحد أبرز قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، القوة السياسية الحاكمة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة.
شغل البيض مناصب محورية، أبرزها:
- الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني
- رئيس هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في جنوب اليمن
- نائب رئيس الجمهورية اليمنية عقب تحقيق الوحدة عام 1990
وكان يُنظر إليه في نهاية الثمانينيات بوصفه رجل الدولة الأول في الجنوب، وصاحب القرار الحاسم في القبول بمشروع الوحدة مع الشمال.
مهندس الوحدة… ثم معارضها الأكبر
يُعدّ علي سالم البيض أحد الوجوه الرئيسية لاتفاق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، الاتفاق الذي وحّد شطري اليمن بعد عقود من الانقسام السياسي والأيديولوجي. يومها، ظهر البيض شريكًا كاملًا في السلطة، إلى جانب الرئيس الشمالي علي عبد الله صالح، في تجربة اعتُبرت آنذاك واحدة من أهم تجارب الوحدة العربية.
غير أن سنوات الوحدة الأولى سرعان ما كشفت عن اختلالات عميقة في تقاسم السلطة والنفوذ. فقد اشتكى البيض وقيادات جنوبية من:
- تهميش الكوادر الجنوبية داخل مؤسسات الدولة
- اختلال التوازن العسكري والأمني
- سيطرة مراكز قوى قبلية وعسكرية من الشمال على القرار السياسي
ومع تصاعد الخلافات، انسحب البيض تدريجيًا من المشهد، قبل أن يبلغ الصراع ذروته في حرب صيف 1994.
إعلان فك الارتباط… لحظة الانكسار الكبرى
في مايو 1994، أعلن علي سالم البيض من عدن فك الارتباط مع الجمهورية اليمنية وإعادة قيام دولة الجنوب، في خطوة هزّت المنطقة وأدخلت اليمن في حرب أهلية قصيرة لكنها حاسمة.
انتهت الحرب بانتصار قوات الشمال، وسقوط مشروع الانفصال، ليغادر البيض البلاد إلى المنفى، متنقلًا بين عدة عواصم، قبل أن يستقر في دولة الإمارات.
منذ تلك اللحظة، تحوّل البيض من شريك في السلطة إلى رمز للمعارضة الجنوبية، وأحد أبرز المرجعيات السياسية والفكرية لما عُرف لاحقًا بـالحراك الجنوبي، رغم ابتعاده العملي عن القيادة اليومية.
سنوات المنفى… حضور بلا سلطة
رغم غيابه الجسدي عن اليمن، ظل اسم علي سالم البيض حاضرًا في كل منعطف جنوبي:
- بيانات سياسية داعمة لحقوق الجنوبيين
- مواقف رافضة لمسار ما بعد 1994
- رمزية عالية لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين
وفي المقابل، ظلّ محلّ انتقادات شديدة من خصومه، الذين حمّلوه مسؤولية فشل الوحدة والانزلاق إلى الحرب.
نبأ الوفاة… وحداد رسمي وردود متباينة
إعلان وفاته في أبوظبي قوبل بردود فعل رسمية وسياسية واسعة:
- رئاسة الجمهورية اليمنية نعت البيض ببيان رسمي، واصفة إياه بـ«المناضل الوطني» و«أحد رجالات الدولة»، وأعلنت الحداد الرسمي لثلاثة أيام وتنكيس الأعلام.
- المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته، وعلى رأسهم عيدروس الزُبيدي، نعوه بوصفه «قائدًا تاريخيًا» و«أحد رموز القضية الجنوبية».
- في الشارع اليمني، تباينت ردود الفعل بين من رأى فيه رجل دولة ظلمته التحولات، ومن اعتبره شخصية أسهمت في تعميق الانقسام.
الوفاة في لحظة يمنية حرجة
يأتي رحيل البيض في توقيت بالغ الحساسية، إذ يعيش اليمن واحدة من أعقد مراحله السياسية، مع:
- استمرار الحرب والانقسام الجغرافي
- محاولات إعادة هيكلة السلطة والحكومة
- تصاعد مطالب الجنوب بصيغ مختلفة من الحكم الذاتي أو الاستقلال
ما يجعل وفاة البيض لحظة إعادة قراءة للتاريخ أكثر منها مجرد خبر وفاة.
إرث سياسي لا يُختزل
يصعب اختزال علي سالم البيض في صورة واحدة:
- هو مهندس وحدة حلم بها الملايين
- وهو زعيم انفصال رأى في الانفصال خلاصًا
- وهو سياسي خسر السلطة لكنه كسب الرمزية
- وهو شخصية خلافية ستبقى مادة للجدل والبحث طويلًا
الخلاصة
برحيل علي سالم البيض، يطوي اليمن صفحة رجلٍ عاش في قلب العاصفة، وترك خلفه تاريخًا معقدًا لا يحتمل الأحكام السهلة. فقد كان نتاج مرحلة مضطربة، وشاهدًا وصانعًا لأكثر لحظات اليمن حساسية.
ومهما اختلفت التقييمات، يبقى البيض اسمًا محفورًا في ذاكرة اليمن، لا باعتباره سياسيًا عابرًا، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم مأساة الدولة اليمنية الحديثة.